والصلاة والسلام على رسوله الكريم . . وبعد :

من مدة ليست بالبعيدة قرأت " الجزء الثالث " من بحث اسمه : ( منهاج النبوة في تحقيق الغاية من الرسالة الخاتمة ) . ووجدته بحثاً رائداً في مجاله ، ويستحق أن يُقرأ ، فيما رأيت ..
لهذا ، أحببت أن أُشارك فيه الأخوة في هذا الملتقى المبارك – بإذن الله - لتعمّ الفائدة به .

وأنقل لكم مقدمة البحث والتعريف به .. أما البحث فهو موجود على الرابط التالي :

http://www.tafsir.net/mlffat/files/2345.pdf
أو
منهاج النبوة : Free Download & Streaming : Internet Archive

بسم الله الرحمن الرحيم

إن " منهاج النبوة " (1) في تحقيق غاية الرسالة الخاتمة ، هو الطريقة التي التزمها الرسول الخاتم في تلقّى الرسالة والسير بها ، من أجل جعل الرسالة حقيقة في الواقع الإنساني ، متمثّلة في الأمّة المسلمة ؛ خير أمّة أُخرجت للناس . .
وهو المنهاج نفسه الذي ينبغي أن يسير بحسبه المسلمون الآن في تلقي الرسالة ، ليعودوا كما كانوا خير أمّة أخرجت للناس ، بإذن الله تعالى . .

وبيان " منهاج النبوة " في تحقيق غاية الرسالة الخاتمة ، سيكون من خلال عملٍ مكوّنٍ من مجموعة أبحاث رئيسة ، كل واحد منها يشكّل جزءاً من البحث الأصل ، وعددها ستة ، وهي :
الجزء الأول : فكرة الرسالة .
الجزء الثاني : غاية الرسالة .
الجزء الثالث : المنهج . ( وهو البحث الذي بين يدي القارئ الكريم )
الجزء الرابع : التبيان لسور القرآن .
الجزء الخامس : التطبيق العملي .
الجزء السادس : مفاهيم ومصطلحات رسالية .

التعريف بهذا العمل

" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عوجاً ، قيماً . . "
الحمد لله الرحمن الذي خلق الإنسان ، علمه البيان . .
الحمد لله الأكرم الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم . .

والصلاة والسلام على الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . .
يقول الله جلّ وعلا :
. . قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ15 يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ16 المائدة

" هذا كتاب الله ، وهو الذكْر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وحبل الله المتين . .
وهو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله . . فيه نبأ ما كان قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحُكْم ما بينكم . .
وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا تنقضي عجائبه . ."

أما بعـد . .

إن الأمّة المسلمة الخاتمة أُنشأت بالقرآن بوصفه رسالة الله الخاتمة ، على يد رسول الله الخاتم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، لتستمر الأمّة من بعده في أداء مهمته – تحقيق الغاية من الرسالة - وتخْـلُفه فيها، ألا وهي: عبادة الله تعالى وحمل رسالته رحمة للعالمين، " لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " . فما وُجدت هذه الأمّة إلا لتحافظ على تحقيق الغاية من الرسالة :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ77 وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ78 الحج
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ110 آل عمران
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ33 التوبة

وتلك النشأة الأولى للأمّة الخاتمة وتحقيق الغاية من الرسالة ، حدثا على مكث ، وعلى بصيرة ، وكانت البداية مع بداية تلقي الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم آيات القرآن الحكيم ، واستمرا باستمرار التلقي ، أولاً بأول وخطوة بخطوة . . فكلما نُـزّلت مجموعة آيات أو سورة من القرآن المجيد ، تلقاها المسلمون بحب وشغف ، وطبقوها في واقعهم عن رضا وتسليم . . وبهذا كانت تُضاف لبنة أخرى إلى بناء الأمّة ، سيراً نحو الوصول إلى الحالة المرادة للأمّة أن تكون عليها . . ومع قرب إتمام تنزيل آيات الرسالة الخاتمة وتلقيها ، كان إكمال عبودية الأمّة المسلمة وانقيادها لله عزّ وجلّ ، ونزلت البشارة بذلك في حجة الوداع :
..الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً . . 3 المائدة
( أنظر تعقيب الإمام الطبري في تفسيره على هذا الجزء من الآية الكريمة )

و بذلك ، فقد وصلت الأمة إلى اكتمال النشأة والتكوين ، وإلى حالة من توفر القدرة والإرادة ، جعلتها على أتم الإستعداد للقيام بالمهمة التي أُنشأت من أجلها ، والتي جعلها الله تعالى لها :

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . .143 البقرة

ومن ثم ، فقد حان الوقت في تقدير الله جلّ وعلا ، لتوفي الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ، حيث بلّغ الرسالة وأدى الأمانة . . ولتبدأ الأمّة المسلمة مباشرة مهمتها المنوطة بها . .
وقد قامت بها خير القيام ممثلة بأجيالها الثلاثة الأولى . . ثم آل أمر الأمّة إلى التردد بين هبوط وصعود . . فبحسب ما كانوا يغيّروا ما بأنفسهم ، كان الله يغيّر ما بهم :

. . إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ . . 11 الرعد

ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ53
الأنفال

إلى أنْ حال أمر آخر هذه الأمّة إلى مثل بداية إنشائها ؛ فعاد الدّين غريباً كما بدأ ، والقابض على دينه كالقابض على الجمر . . و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . .

فلا بد – إذاً – من نهضةٍ (2) للأمّة من كبوتها ، وإقالةٍ لعثرتها ، حتى تعود لأداء مهمتها الأصلية ، لتفوز بخيري الدنيا والآخرة ، وحتى تتـبوأ مكانتها الكريمة التي اختارها الله لها . .
ولا يصلح أمر آخر هذه الأمّة ، إلا بما صلح به أولها . . فكان من الواجب الشرعي الآن ، بل من أول الواجبات ، تحصيل العلم بـ " منهاج النبوة " ، أي الطريقة التي سار بحسبها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في إنشاء الأمّة أول الأمر ، حيث نُـزّلت على قلبه الرسالة مفرقة على مكث وتلقاها مرتلة ، وسار بها – وتبعه المسلمون - خطوة خطوة ، وكوّن الأمّة لبنة لبنة ، وأعدها لتحقيق الغاية من الرسالة في واقعها ولتخْـلُفه في القيام بمهمته ، حتى أصبحت أمّة المسلمين خير أمّة أخرجت للناس ، وقد أكملت دينها لله عزّ وجلّ . .

فمن أجل ذلك ، كان هذا العمل أو المشروع . . فهو مساهمة ومشاركة في بيان " منهاج النبوة " في تحقيق غاية الرسالة الخاتمة ، الذي سار بحسبه الرسول الخاتم ، والذي إذا سار بحسبه المسلمون الآن عادوا كما كانوا ؛ خير أمّة أخرجت للناس ، بإذن الله تعالى . .

و يقوم المشروع – كما ينبغي أن يقوم أي مشروع آخر يقصد بيان " منهاج النبوة " – على الفهم لحقيقة الرسالة الخاتمة ؛ من حيث الفكرة ، ومن حيث الغاية ، ومن حيث المنهاج ، فهْماً على مُراد الله عزّ وجلّ ، وكما بيّنه رسول الله متمثلاً في أمّة . .
ومن ثم ، جاء المشروع مكوناً من ستة أبحاث أو أجزاء رئيسة ، كما أشرنا:

البحث الأول : فكرة الرسالة ؛ وموضوعه بيان " البناء الفكري " الذي جعل الله تعالى عليه الرسالة في مواضيعها الكبرى - كما ورد ذكرها في سورة العصر - : الإيمان ، والعمل الصالح ، والدعوة إلى الله تعالى . . وأن لذلك البناء أساساً وأركاناً ، وأن أُسّه هي الحقيقة اليقينية الكبرى لا إله إلا الله ، فهي "فكرة الرسالة " ، أي الفكرة التي تقوم عليها الرسالة بكاملها :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ25 الأنبياء

فأصل الرسالة ( الدين ) حقيقتان ؛ إلهية وعبودية ، إلهية الله وحده بلا شريك ، فهو وحده الخالق المالك القيّـوم ، أي لا إله إلا الله . . وعبودية كل ما سوى الله جلّ وعلا ، فهو مخلوق مملوك لله ، قائم بالله . . ومن ثم ، أنزل الله جلّ وعلا الرسالات لبيان كيفية عبادته ، وبعث الرسل لتحقيقها في الواقع . .
ولكل جزء من الرسالة ( الدين ) مكانته وأهميه وقيمته وأولويته التي جعلها الله له ، ضمن البناء المتكامل للدين ، فلا بد أن يظهر أثر ذلك على تلقينا الرسالة ، من حيث الفهم والتزكية ، ومن حيث الخطاب والحركة ، أي من حيث التطبيق ومن حيث حملها للناس . . بإعطاء كل جزء من الدين مكانته وحجمه وقيمته وأولويته . . التي جعلها الله له ، دون زيادة أو نقصان . وخير من يُتأسّى فيه بذلك هو مبلّغ الرسالة نفسه ، رسولنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، حيث قال :
( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) ( رواه مسلم عن أبي هريرة رقم 58 ) .

¬وفي حديث آخر خاطب رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسلَّم الذين تقالّوا عبادتهم إلى عبادته فأرادوا الزيادة كماً أو كيفاً ، عن ما سنّه وبيّنه ، فقال لهم :
( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ). (3)
( رواه البخاري 5063 ،ومسلم 1401 )

البحث الثاني : غاية الرسالة ؛ وموضوعه بيان الغاية التي من أجلها أنزل الله تعالى الرسالة الخاتمة ، وهي جعل " فكرة الرسالة "، ومن ثم الرسالة كلها، حقيقة حية في الواقع الإنساني ، فـ لا إله إلا الله ، منهاج حياة و طريقة عيش . . وذلك بجعلها متمثلة في " أمّة مسلمة " (4) لها سلطان على بقعة من الأرض ، قادرة على " إكمال الدين " (5) لله عزّ وجلّ، بتطبيق كل ما جاء في الرسالة على واقعها، وحمل رسالة الله رحمة للعالمين والمحافظة على ذلك حتى قيام الساعة :

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ33 التوبة

وهي حالة " إكمال الدين " لله التي كانت عليها " أمّة المسلمين " يوم حجة الوداع ، وانتـقال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، إلى الرفيق الأعلى :
..الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً . . 3 المائدة


البحث الثالث : المنهج (6) ؛ وفيه التأصيل الشرعي ، أي بيان الأصول والضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها عند فهم " منهاج النبوة " في تحقيق " غاية الرسالة " في الواقع الإنساني .. كما بيّـنه لنا رسولنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وقد سار بحسبه في أول الأمر ، والصالح لأن يسير بحسبه المسلمون في كل زمان ومكان .
ويعتبر البحث في " المنهج " خطوة أولى تتبعها أخرى مكملة ؛ حيث أن فيه التأصيل وبيان الضوابط ، في ضوء بيان " فكرة الرسالة " و " غاية الرسالة " ، وفي ضوء ما ورد في القرآن الكريم ، وما ثبت في السنة المطهرة والسيرة النبوية ، حول طبيعة تلقي الرسالة والسير بها حتى تحقيق الغاية منها . ( وهو البحث الذي بين يدي القارئ الكريم )

البحث الرابع : التبيان لسور القرآن ؛ وهو الخطوة الثانية المكملة ، فهو ثمرة لتطبيق ما جاء في بحث " المنهج " من أصول وضوابط . وموضوعه ، النظر إلى سور القرآن الكريم وتلقيها كـ " منهاج " ، أي النظر إليها بقصد معرفة وبيان خط السير بالرسالة من بداية التلقي حتى تحقيق الغاية .
ففي " التبيان لسور القرآن " البيان العملي المفصّل ، لـ " منهاج النبـوة " في تلقي الرسول الرسالة وسيره بها حتى تحققت الغاية .
فالقرآن الحكيم هو نفسه قوام (7) " المنهاج " ، ولا أقول أنه دليل عليه أو يتضمنه ، فقط . . بل القرآن نفسه ، بآياته وسوره . . هو قِوام " المنهاج " ومادته ، خطاباً وأعمالاً :

- إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . [الإسراء:9]
أي ، أعدل وأعلى " (8) ، " هكذا على وجْه الإطلاق فيمَن يهديهم ، وفيما يهديهم ، فيشمل الهُدى أقوامًا وأجيالاً بلا حدود من زمانٍ أو مكان ، ويشمَل ما يهديهم إليْه كلَّ منهج وكلَّ طريق ، وكلَّ خير يهتدي إليه البشَر في كلّ زمانٍ ومكان " (9).

- . . وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89] أي ، وآتيناك القرآن مفرقاً على مكث ، من أجل البيان الواضح الذي لا لبس فيه ، لكل شيء متعلّق بتحقيق الغاية من إنزاله - إكمال العبودية لله - فما أُنزل القرآن إلا لبيان كيف يُعبَد الله وحده ، من خلال تحقيق ذلك في الواقع .

- رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ . . [الطلاق:11]
جاء الفعلان في ( يَتْلُو .. لِيُخْرِجَ ) مضارعان للدلالة على الاستمرارية، فـباستمرار التنزّل المفرّق لآيات الله وتلاوتها وبيانها، يستمر خروج الذين آمنوا واتبعوا ، من ظلمات الجهل بالله جلّ وعلا ودخولهم في نور طاعة الله . . و حتى تمام التنـزّل وإكمال الدين لله . . فالقرآن هو قِوام " المنهاج " و مادتـه . .

وبهذا ، تـتبوأ الرسالة الخاتمة مكانتها الحق - شرعاً وقدراً - التي جعلها الله تعالى لها ، وهي قيادة وتوجيه الجماعة المسلمة ومن ثم الأمّة المسلمة في السير من أجل تحقيق الغاية منها، كما كان الحال مع الأمّة في أول نشأتها ، فكان السير على بصيرة حتى تحققت الغاية . . وكما يمكن أن تتحقق في واقع الأمة الآن ، وفي كل زمان ومكان .

البحث الخامس : التطبيق العملي : وموضوعه ؛ تنزيل " المنهاج " على واقع المسلمين الآن ، وقد تم بيان معالجاته مفصّلة في بحث " التبيان لسور القرآن " .
وتنزيل " المعالجات الشرعية " (10) على الواقع ، أي المناط (11) يكون حسب الطريقة الشرعية :
حيث بدايةً ، لا بد من " تحقيق المناط " (12) . ثم تحديد الأدلة المتعلقة به وفهمها فهماً شرعياً ، أي معرفة المعالجات الشرعية اللازمة ، إيماناً وعملاً صالحاً ودعوةً . .
وبعد ذلك ، تنزيل ذلك الفهم أو المعالجات على الواقع المعين ( المناط ) ، ليُصاغ كما يُحب الله تعالى ويرضى (13).

وبتعبير آخر، إن بحث " التطبيق العملي " موضوعه ، بيان كيفية تلقي الرسالة والسير العملي بها – علماً وعملاً ودعوةً – حسب " المنهاج " ، في الواقع الحالي لـ " الأمّة المسلمة "، من أجل تحقيق غاية الرسالة فيها ، فتعود - كما كانت - خير أمّة أخرجت للناس ، وقد أكملت دينها لله جلّ وعزّ .

البحث السادس : مفاهيم ومصطلحات رسالية : وموضوعه ؛ بيان وتوضيح المفاهيم والمصطلحات التي وردت واستُخدمت في الأبحاث السابقة ، سواء في فكرة الرسالة أو غايتها أو منهاجها . . شرعيةً كانت أم من المعارف والعلوم الأخرى ذات العلاقة . . حيث البحث فيها يكون مفصلاً وشاملاً – قدر الوسع - للعودة بها إلى حقيقتها الناصعة البينة ، وخاصة الشرعية منها . . وقد لحق بعضها شيء من التغيير أو التبديل أو الإنحراف . . لأسباب مختلفة ، منهجية أو تاريخية أو غير ذلك .

والحمد لله رب العالمين . .
وهو وحده المستعان وعليه التكلان .

**
الهوامش

(1) هذا الإصطلاح له أصل في التعبير القرآني ، كما ورد في قوله تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً . . ( 48 ) المائدة . وكما ورد عن الرسول صلّى الله عليه آله وسلّم : ( . . ثم تكون خلافة على منهاج النبوة . . ) ( صحيح الجامع للألباني ) . فالأمّة المسلمة الخاتمة ، لها " شرعتها " و " منهاجها " الخاصان بها .
وللمنهاج ، ثلاثة ألفاظ تستعمل فيه : " النهج " و " المنهج " و " المنهاج "، وكلها يقصد بها الطريق ، لكن " المنهج " أغلب استعماله في الطريق الفكري . وأغلب استعمال " النهج " في الطريق مطلقا . وأغلب استعمال " المنهاج " في الطريق العملي الذي له أصل فكري . ولكن الذي هو في البؤرة في لفظة " المنهج " هو الطريق الفكري ، أي الكيفية النظرية التي يتم وفقها الوصول إلى حقائق معينة . وأما " المنهاج " فهو الطريقة العملية التي يُسار عليها للوصول إلى مقصد بعينه . أنظر ، د الشاهد البوشيخي ـ مقالة "الهدى المنهاجي في القرآن الكريم" - مجلة حراء التركية .

(2) نهض : النون والهاء والضاد أصل يدل على حركة في علو . ونهض من مكانه : قام ( معجم المقاييس ).

(3) سنتي : طريقتي في عبادة الله تعالى، أي ديني . فسنته هنا : ما جاء به من الكتاب والسنة، والتزام سنته يكون باتّباع كل ما جاء به عليه الصلاة والسلام من الوحي كتاباً وسنة، فمن فعل ذلك فهو سائر على منهاج النبوة ، وهو سالك طريقة الرسول الكريم ( شرح سنن أبي داود للعباد ).

(4) الأمّة هي : كل جماعة يجمعهم أمر ما. إما دين واحد أو زمان أو مكان واحد ، سواء كان ذلك الأمر تسخيراً أو اختياراً .(المفردات - الراغب الأصفهاني). فيُطلق وصف الأمّة على الجماعة باعتبار الأمر الجامع لهم . ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أمّة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) القصص) فالأمر الجامع الذي جعل من الجماعة الذين يسقون أمّة، كونهم رعاء.( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أمّة وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)هود).أي لم يكونوا أمّة واحدة، لأنهم ليسوا مجتمعين على أمر واحد. ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أمّة وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا (19) يونس) فلم يعودوا أمّة واحدة . وعليه ، فالمسلمون أمّة من دون الناس ، باعتبار الأمر الجامع لهم وهو أن الإسلام متمثل بهم ظاهر فيهم . والضابط في إطلاق وصف الأمّة على مجموع المسلمين هو أن يتحقق في واقعهم كل ما أوجب الله تعالى الإجتماع عليه من الدين وحرّم التفرق فيه ، فبقـدر نقصان تحقق هذا الأمر الجامع في واقع المسلمين ، بقدر ما بعُدوا عن حقيقة كونهم أمّة مسلمة .

(5) إكمال الدين لله هو : إخلاص الدين لله : ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ. . (3) الزمر) ، أي عدم الشرك بالله ، فلا تكون الطاعة والإتباع إلا لأمر الله تعالى وحده بلا شريك ، وفي جميع شؤون حياة المسلمين وعلاقاتهم ، أفراداً وأمّة ومجتمعاً . ( أنظر تفسير الطبري )

(6) " المنهج " هو : الطريق الفكري ، أي الكيفية النظرية التي يتم وفقها الوصول إلى حقائق معينة .

(7) والقِـوام ؛ أسم لما يقوم به الشيء، أي يثبت ، كالعِماد والسِّناد لما يُعمد ويُسند به. ( المفردات لـ الراغب الأصفهاني ).

(8) تفسير السعدي .

(9) في ظلال القرآن – سيد قطب

(10) المعالجات الشرعية هي : الفهم لدلالة الدليل الشرعي حسب الأصول المعتبرة لغة وشرعاً ، سواء في الإيمان أو العمل الصالح أو الدعوة . فهي أعم من الحكم الشرعي المتعلق بأفعال العباد ، بحيث تتعلق بالفكر أيضاً ؛ سواء بالحكم على واقع الشيء ما هو ، أو بالحكم على وجوده من عدمه ، أو بالحكم على الفكر أنه حق أم لا ، كل ذلك مأخوذ من الدليل الشرعي .

(11) المناط هو : ما أناط ، أي علّق ، الشارع الحكم عليه ، أي المسألة التي ينطبق عليها الحكم الشرعي . ( الواضح في أصول الفقه ) لـ محمد حسين عبدالله . فمناط الحكم الشرعي هو الشيء الذي جيء بالحكم له ، فالحكم متعلق به .

(12) تحقيق المناط هو : النظر في واقع الشيء الذي يُراد إنزال الحكم الشرعي عليه ، وذلك لمعرفة مدى انطباق الحكم الذي عُرف دليله ، عليه . ( المرجع السابق ) .

(13) وهكذا فكل معالجة شرعية للواقع مبنية على مقدمتين ،الأولى : تحقيق المناط ، مهمتها معرفة وتحديد واقع الشيء المراد إصدار الحكم عليه . والثانية : فهم النصوص الشرعية المتعلقة بهذا الواقع . . ثم ؛ تُطبق الثانية على الأولى . وبعبارة أخرى يُتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه، إلى معرفة حكم الله في ذلك الواقع . انظر ( المرجع السابق ) .