لم يثر كتاب على وجه الأرض اهتمام المحبين والدارسين والباحثين والمخالفين على مر العصور وتعاقب الدهور كما أثارهم القرآن الكريم كلٌ بحسب موقعه من القرآن وموقع القرآن الكريم منه .
وهذا ما أثار دهشة الكثير واستغرابه إذ كيف يتصور ممن يتناول هذا الكتاب الخالد ألا يخرج من ذلك بإعلان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله !
أو زيادة الإيمان والتثبت في الدين لمن شرفه الله بشهادة التوحيد !!
ولن نتيه في الإجابة إذ نجد القرآن الكريم يقرر ذلك ويجيب عليه بقوله تعالى
" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا "
وهنا يكمن الإعجاز ..... والتحدي ..... والقوة ..... كما البشارة والإنذار
وقبل أن نتطرق لهذه الجوانب في هذه الآية الكريمة نستعرض أولا بإختصار ما ورد من تفسير لهذه الآية في كتابين من كتب التفسير وهما تفسير ابن كثير وتفسير السعدي تعالى .
أولا : تفسير ابن كثير
" .... إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه وأما الكافر الظالم نفسه فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا والآفه من الكافر لا من القرآن كقوله تعالى " قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذنهم وقر هو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد "


ثانيا : تفسير السعدي
وقوله " وننزل من القرآن " إلى " إلا خسارا " أي القرآن مشتمل على الشفاء والرحمة وليس ذلك لكل أحد وإنما ذلك للمؤمنين به العالمين بها وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به فلا تزيدهم آياته إلا خسارا إذ به تقوم الحجة عليهم فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشبه باليقين ولشفائه من الشهوات بالوعد والتذكير وكذلك لشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها وأما الرحمة فإن فيه من الأسباب والوسائل التي متى فعلها العبد فاز بالرحمة الأبدية والثواب العاجل والآجل .



أوجه الإعجاز والتحدي والقوة في الآية
بالإضافة إلى الوعيد والبشارة

1-في قوله " يزيد " بدل نزيد ( بالإضافة إلى تنزيه الله تعالى)
ما يوحي بإعجاز هذه الآيات وخاصيتها وأنها تتفاعل مع النفس البشرية وتؤثر بها ( ايجابا أو سلبا ) فإنها ليست كلمات جامدة لها نفس التأثير ونفس الوقع كلما قُرأت بل هي شفاء ورحمة للمؤمنين وهي نفسها خسارا للظالمين ( كل الظالمين على اختلافهم ) فهي سلاح ذو حدين وهذا يدل على على إعجازها في ذاتها كما قال تعالى في الآية الأخرى [color=#78AB3C]" قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذنهم وقر هو عليهم عمى "

color] 2- أن ذلك من قوة الأيات وعزتها .... فكأن هذه الآية تنذر كل قارئ للقرآن ومهتم به أن يشمر في إصلاح المحل ( القلب ) والإخلاص والإستعانه به سبحانه للإستفادة من الذكر الحكيم وجني الشفاء والرحمة قال تعالى " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " ............ فكما قال الإمام ابن كثير " وأن الآفه من الكافر لا من القرآن إذن لا بد من التطهر من الرجس والإقبال عليه بصدق للعمل به ليفتح الله قلوبنا للنور ويشرح صدورنا للانتفاع بالآيات ..... إنها كنز لا يعرف استخراجه إلا حاذق لبيب بعد التوكل على العزيزالحكيم .
3- لو شاء الله لهدى الناس جميعا ولو شاء لهدى سبحانه كل من قرأ الآيات أو نظر فيها ، وقد كُبّ أقوام على وجوهم في النار بعد أن سمعوا الآيات البينات تتلي من فم الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام لذا ولخلود هذا الكتاب العظيم وهذه المعجزة لا بد أن تستمر هذه الحلقة من لتظل الآية تزيدهم خسارا ويظل التحدي قائم على اختلاف المكذبين والظالمين على مر العصور إنها تتحداهم صراحة كما تحدتهم في نفس السورة من قوله تعالى " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا "
4- التعبير بالفعل المضارع " ننزل " " يزيد " يدل على استمرار الرحمات وتفاوتها وبذا تكون الآية دافعا لمزيد من العمل مزيد من الإخلاص والتدبر لنيل المزيد من الدرجات وكذا بالجانب الآخر فإن الخسران متفاوت وكلما ظل الكافر والظالم على حاله كلما هوى في الدركات كل بحسب عمله ولا يظلم ربك أحدا

5- كما أن التعبير بـ " ننزل " يدل على التتابع والتمهل بين كل مرة وأخرى حيث من أراد الشفاء والرحمة فعليه بتدبر القرآن مرة بعد مرة ........ أما مع الظالمين فقال " ولا يزيد " ولم يقل ولا يزداد مثلا وذلك يدل على قوة في الإندفاع وأن الخسران يأتي دفعة واحدة .

6- هذا بالإضافة ما تحتويه الآية من بشارة للمؤمن ( شفاء ورحمة ) و الوعيد للكافر والظالم ( خسارا )

هذا وما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان .
والله أعلم