ضَمّ القرآن بين ثناياه كثيراً من الآيات التي تحدثت عن السنن الإلهية التي قضى الله تعالى بجريانها بين عباده , ومن أشهر تلك السنن سنن الله في التغيير ؛ والتي ينتج عن العلم بها تصحيح المفهوم الخاطئ لدى بعض الناس من أن ما يقع في هذا العالم من حوادث ومجريات إنما يقع صدفة أو خبط عشواء , وإنما يقع ذلك وفق سنن إلهية ثابتة لا تحيد ولا تميل ولا يخرج عن مقتضاها شيء . ومن أشهر تلك الآيات التي تحدثت عن هذه السنة العظيمة قول الله تعالى ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ الرعد: ١١ , حيث بينت هذه الآية أن التغيير يبدأ من النفس سواء بالارتقاء والارتفاع إلى أعلى , أو بالانتكاس والهبوط إلى أسفل . فإذا وجدت الأسباب فالنتائج تتبعها ؛ إذ أن حدوث التغيير من الله مترتب على حدوثه من البشر سلباً وإيجاباً .
قال السعدي في تفسير هذه الآية " ( إن الله لا يغير ما بقوم ) من النعمة والإحسان ورغد العيش ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله إياها عند ذلك , وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية فانتقلوا إلى طاعة الله غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة " أ . هـ . ([1])
وتغيير الله لحالة الناس لا يكون نتيجة لتغيير جميع الناس لحالتهم فحسب , بل قد يحصل التغيير الإلهي بسبب التغيير الحاصل من بعضهم دون بعض . قال القرطبي في تفسيره للآية السابقة " أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير إما منهم أو من الناظر لهم أو ممن هو منهم بسبب , كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة الشريعة , فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال r وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون قال ( نعم إذا كثر الخبث ) ([2]) " ([3]).
والتغيير من الناس لا يلزم أن يكون من حالة أحسن إلى حالة أسوأ , أو العكس , بل قد يكون من حالة أحسن إلى حالة أحسن منها, أو من حالة أسوأ إلى حالة أسوا منها. جاء في تفسير قوله تعالى ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ الأنفال: ٥٣" وذلك إشارة إلى ما حل بهم ـ أي مشركي مكة ـ يعني ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم ينبغ له ولم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم حتى يغيروا ما بهم من الحال . فإن قلتَ : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة ؟ قلتُ : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها , وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام , فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه , غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت , فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب" ([4]).
والتغيير لا يختص بنعمة دون غيرها بل هو شامل للنعم كلها صغرت أم كبرت . قال الألوسي في تفسيره للآية السابقة " أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة أي نعمة كانت جلت أو هانت أنعم بها على قوم ( من الأقوام حتى يغيروا ما بأنفسهم ) أي ذواتهم من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستهم للنعمة ويتصفوا بما ينافيها سواء كانت أحوالهم السابقة مرضية صالحة أو أهون من الحالة الحادثة " ([5]) .
وكما أن التغيير لا يختص بنعمة دون غيرها فهو أيضاً لا يختص بقوم دون آخرين , فهو شامل لكل الأقوام بدون تخصيص , سواء كانوا مؤمنين أم كافرين , لأن المدلول العام للفظة ( قوم ) هو عبارة عن الجماعة من الناس ([6]) , والحق سبحانه لم يخصص هذه الجماعة من الناس فتبقى اللفظة على عمومها , كما أن لفظة ( قوم ) الواردة في الآية نكرة , والنكرة تفيد العموم بأصلها , فمتى ما حقق الناس أسباب وجود السنة الإلهية وقعت ما لم يمنعها مانع , بغض النظر عن دينهم أو أصلهم أو أي اعتبارات أخرى . " فهذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي والطاعة والمعصية والإيمان والكفر والتوحيد والشرك , فالإنسان إذا أتى الأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود الله أصاب خير السنة الربانية , وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب المنهي عنه ووقع في حدود الله أصاب شر السنة الربانية " ([7]) . فإذا حقق الناس العدل بينهم مثلاً ؛ وطبقوه في واقع حياتهم تحقق لهم النصر والتمكين ولو كانوا كفارا , وفي المقابل متى ما انتشر الظلم بين الناس وأصبح مسيطراً عليهم عوقبوا بالهزيمة والذل والهوان ولو كانوا مسلمين .
قال ابن تيمية " فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة , ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة , ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة " ([8]) .


([1]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ( 1 / 414 ) .

([2]) أخرجه البخاري ( 3 / 1221 ) رقم الحديث 3168 , ومسلم ( 4 / 2207 ) رقم الحديث 2880 .

([3]) انظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 9 / 294 ) . وانظر : فتح القدير للشوكاني ( 3 / 69 ) , وأضواء البيان للشنقيطي ( 2 / 237 ) .

([4]) الكشاف للزمخشري ( 2 / 218 ) .

([5]) روح المعاني للألوسي ( 10 / 19 ) .

([6]) مختار الصحاح ( 1 / 232 ) .

([7]) مجلة البيان ـ العدد / 115 ـ مقال : أهمية العلم بالسنن الربانية للدكتور / محمد أمحزون ـ ص / 51 .

([8]) مجموع الفتاوى ( 28 / 63 ) .