نهضة الأمة في أول كلمة (اقرأ)


إن الخطاب الأول الذي يُخاطَب به رسل الله تعالى في أول وحي يتنزل إليهم، يرسم ملامح الرسالة التكليفية لذلك الرسول، وقد صور لنا القرآن مشهدين لبداية إيحاء الله تعالى لأنبيائه؛ أحدهما مع نبي الله موسى ، والثاني مع نبينا محمد .
أما الإيحاء الأول فكان تكليم الله تعالى لسيدنا موسى .. ابتدأ الوحي بالتعريف بالمتكلم سبحانه ليزيل الدهشة والرهبة، (إنني أنا الله لا إله إلا أنا) طه 14، ثم بيّن مهمة رسالته (فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) طه 14، (اذهب إلى فرعون إنه طغى) طه 24، فكان مضمون التكليف إقامة التوحيد، وتحرير بني إسرائيل من العبودية لغير الله تعالى.
أما أول وحي لرسولنا فقد جاء وصفه بالسنة ([1])، ووحيه في الكتاب، فعلى إحدى قمم جبال مكة، وفي غار صغير يستشرف بعض آيات الله الكونية الباهرة، وبينما تعزف نسماتُ الهواء لحنَ التسبيح والتمجيد للخالق سبحانه في أُذن النبي ، إذ فجأه جبريل . كان المتوقع أن يبدأ النبيَّ بما يستأنس به، ويُعرِّفه أنه وحي الله الصادق.. إلا أن ذلك لم يكن.. دنا منه وقال له : (اقرأ).. عجيب.. يقرأ ماذا؟!، وكيف يكون وحياً من الله وهو يعلم أنه لا يقرأ.. ثم يأمره ثانية (اقرأ).. ويكررها ثالثة، فيقول: (اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم).
لم تكن هذه الكلمات إلا عنوان الرسالة الخالدة لأمة الإنسانية جمعاء.. كلمات ترسم منهج التوحيد وعمارة الأرض.. كلمات تحدد مهمة القائمين على هذه الرسالة ابتداءً بمحمد واستمراراً بأتباعه الصادقين إلى يوم الدين.
(اقرأ) كلمة من أربعة حروف تُلغي أسلوب التوحيد التلقيني التقليدي، وترسم منهج التوحيد القائم على قراءة الكون والخلق، واكتشاف النواميس والسنن. لكن هذه القراءة لا بد أن تكون بعنوان واحد (باسم ربك الذي خلق)، فالدافع والهدف والغاية التعرف على الخالق من خلال قراءة كونه وخلقه.. وما وصل إليه العلماء في هذه الأيام من اكتشاف لهذا الكون وسننه كان يمكن أن يكون أضعافاً مضاعفة لو قام العلماء بهذه المهمة لإثبات الألوهية والتوحيد، وعلى قدر إخلاص الاستعانة بالله يكون العطاء والمعونة، وهذا الذي يوحيه التعبير بالربوبية (باسم ربك).
فإن سأل سائل: ما الدليل على أن هذه القراءة على ما ذكرت؟ ! قلت: دليلها التعريف الذي يرسمه الاسم الموصول وصلته (الذي خلق)، فلماذا كان أول وصف لله تعالى في الرسالة المحمدية (الذي خلق) ؟!، بل إن الوصف يشير لعِلْمٍ غريب غير مألوف للسامعين (خلق الإنسان من علق).. فما السر في ذكر هذه المعلومة لو كان الأمر مجرد أمر بقراءة ما سيُتلى عليه؟!، والصواب أن الأمر أعظم من ذلك بكثير، ولئن كان المخاطب بهذه الآيات نبينا إلا أن الآيات ترسم منهج الأمة كلها.. منهج القراءة الكونية واكتشاف سنن الخلق.
ولما كانت هذه المهمة فيها من المشقة والعقبات ما فيها، كرر لهم الأمر بالقراءة (اقرأ) ليجدد فيهم العزم ويحيى فيهم الهدف.. فإن صدق القارئون وصبروا كان لهم من الكرامة الإلهية والفتح الرباني ما يعجز عنه العقل وتحار فيه الألباب.. ولهذا عبر بالجملة الحالية المصاحبة للقراءة (وربك الأكرم)، هكذا بصيغة التفضيل المطلقة ليوحي بعظيم كرمه لمن صدق وصبر في تحمل مشاق هذه الغاية وهذا الهدف العظيم.. كرم غير محدود في الدنيا توفيقاً في اكتشاف أسرار الكون والخلق.. وكرم غير محدود في الآخرة للقائمين على ذلك بُغية إثبات الألوهية وعمارة الأرض.
ثم ترسم الآيات منهج البناء الحضاري لأمة الإسلام، فإن أدوار أفرادها تكميلي، الآخر يُكمل ما بناه الأول.. فكان لا بد من وسيلة لتدوين ما قام به الأوائل، وتسجيل ما وصل إليه السابقون، ليقوم الآخرون بإتمام بناء الصرح، جيلاً بعد جيل، فجاء الوصف الثاني لرب العزة : (الذي علم بالقلم) إشارة لرحلة التدوين هذه.. التي أصبحت عنوان تقدم المؤسسات والدول.
وتُختم رسالة الوحي الأولى بمنة الله الواسعة، ونعمة الله السابغة، (علم الإنسان ما لم يعلم)، فهو سبحانه الذي خلق الإنسان ، وهو الذي علمه البيان، وهو الذي علمه ما لم يعلم، ليكون هو المخلوق الأميز على وجه الأرض بما أفاض الله عليه من عقل وإرشاد للتطوير والبناء.
ولئن كان هذا العلم الذي توصلت إليه الإنسانية عظيماً، عظيماً في أعين البشر.. إلا أنه لا يعدل قطرة ماء من بحار علم الله (علّم الإنسان ما لم يعلم).
أمتي .. إنها ثلاثية الرسالة الخالدة.. قراءة وكتابة وعلم .. لكنّ غاية هذه الثلاثية الحضارية هي إثبات توحيد الله تعالى، وعمارة الأرض كلها.. فينبغي لكل مسلم مؤمن بكتاب ربه أن يتخذ القراءة والثقافة والعلم منهجاً.. فالكون ينتظر صحوتنا.. ويأمل في العاجل نهضتنا، التي سطرت أجمل صفحات الرقي الحضاري.. فهلاّ انطلقنا ؟!! .


د. خيري الجنيدي


[1] انظر كتب الصحاح ، باب بدء الوحي إلى رسول الله .