بناء النفس في ضوء أوائل ما نزل القرآن*
لو قيل : ما أعظم ما يعتني به الإنسان ، ويسعى في تزكيته ، وتربيته ، وبنائه ، والرقي به ، واكتشاف كنوزه ، والتعرف على مواهبه ، وتوظيف طاقاته ، والإفادة من إمكاناته ...؟
لكان الجواب : هي نفسه . وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد أقسم الله تعالى في سورة الشمس بأحد عشر قسماً على ضرورة بناء النفس وتزكيتها !!
بل كان من علامات الإخفاق والحرمان لأقوام عرفوا أشياء كُثُر ، ولكنهم جهلوا فضل من امتن عليهم بتلك الأنفس، أن خرجوا من الدنيا وهم غرباء عن نفوسهم ، لا يعرفون قدرها ، ولا يكتشفون مواهبها ، ولا يتفكرون فيها : " نسوا الله فأنساهم أنفسهم " .
دواؤك فيك و ما تبصرُ = وداؤك منـك و ما تشعرُ
وتزعم أنك جرم صغيرٌ = و فيك انطوى العالم الأكبرُ
وبناء النفس ومعرفتها ليس بالأمر السهل ، ولكنه ليس بالأمر المستحيل الصعب ، وإذا كان الناس كلهم يتوجب عليهم بناء نفوسهم وتزكيتها ، فذاك الأمر في شأن الدعاة أوجب ، وذاك الحق في بناء الداعية ألزم ؛ لأنهم موضع قدوة ، ومصابيح دجى ، وعلامات هدى .
ولعلك تدرك السر العظيم في تلك السور الأربع التي نزلت أولاً في القرآن الكريم ، وذاك أن كل سورة اشتملت على قاعدة عظيمة من قواعد بناء النفس ، من أخذ بتلك القواعد حاز الكمال ، وإلا فالمقاربة .
وإليك تلك الأسس الأربع التي يقوم عليها بناء النفس :
1- القراءة ، وجاء ذلك في سورة العلق أول سورة نزلت في القرآن الكريم :" اقرأ باسم ربك الذي خلق " .
وهاتان وصيتان لبناء الفكر : أ- القراءة . ب- لا تنس الوصية الأولى .
وهل غذاء العقل ، ونور البصيرة ، وأسرار الحكمة ، وسعة المدارك ، واكتساب المعرفة ... إلا بالقراءة ؟!
من لم يقرأ كيف يتحدث ؟ كيف يكتب ؟ كيف يحاور ؟ كيف يميز بين المشروع والممنوع ؟ .
2- التعليم والتبليغ ، وجاء ذلك في سورة المدثر الثانية نزولاً ، وتأمل قوله تعالى : " قم فأنذر" .
البلاغ والإنذار ، والإرشاد والتعليم هو ثمرة المعرفة ، ونتاج القراءة . أي فائدة للعلم إذا لم يبذل للناس ؟ وأي أثر للمعرفة إذا لم تنشر في أوساط الخلق ؟ !
بل ثبت أن من أسباب حفظ العلم بذله وتعليمه ونشره ، وليس خاف عليك أن نصاب العلم ما صح في الخبر مرفوعاً :" بلغوا عني ولو آية " .
3- العبادة والعمل ، وجاء ذلك في سورة المزمل الثالثة نزولاً – على أحد الأقوال – في قوله تعالى : " قم الليل إلا قليلاً " .
العمل بالعلم هو الغاية العظمى ، العبادة وإصلاحها هو الهدف الأسمى ، فالعمل بالعلم هو زكاة النفس ، وربيع القلب ، وسعادة الروح ، " فاعلم أنه لا إله إلا الله . واستغفر لذنبك " ، وما أجمل ما قال الجرجاني في قصيدته الذائعة الصيت :
أأشقى به غَرْسًا وأجنــيه ذِلـةً = إذاً فاتباعُ الجهلِ قد كان أحزَما
4- الخلق الحسن ، وجاء ذلك في سورة القلم الرابعة ، في تلك التزكية التي شهد الله بها لنبيه ، فقال : " وإنك لعلى خُلُق عظيم " .
الخلق الحسن : قول جميل ، كلام لين ، عبارة هادئة ، ابتسامة صادقة ، حِلْم وأناة ، عفو وتسامح ، محبة ووفاء ...
وهل انتشر الإسلام في شرق آسيا إلا بأخلاق التجار من المسلمين الذين كانوا أنموذجاً حياً لتعاليم الإسلام ، وعنواناً رائعاً لسماحة الرسالة ؟.
وقد يعرض بعض الناس عن هذا النهر الجاري ، والمنهل العذب ، والخير العميم حين يخفق البعض في تقديم الأنموذج الصحيح لهذا الدين العظيم .
زمزمٌ فينا ولكن أين من = يقنع الناس بجدوى زمزمِ
إشراقة : قراءة مثمرة ، ودعوة صادقة ، وعبادة خالصة ، وأخلاق حسنة = بناء النفس .

* هذا المقال ثمرة يانعة قطفتها من كلمة ضافية سمعتها من شيخي وحبيبي د .محمد بن جابر القحطاني حين زيارته لمدينة تبوك العام الماضي ، فله الغُنْم وعليّ الغُرْم .