القرآن روعة كله , في رصف كلماته و نظم آياته و تناسق سوره .. و نحن هنا ننبه على شي من هذا المعنى بخصوص السور الستة في آخر المصحف :

سورة : " الكافرون " تصور القطيعة الحادة بين المنهج الإسلامي و المنهج الجاهلي بحيث لا يمكن اطلاقا قبول انصاف الحلول , فإما اسلام و إما جاهلية , و لهذا استعمل القرآن التكرار في نفي جهة العبودية , بل و نوع بين الجملة الفعلية و الإسمية للدلالة على أن هذه القطيعة بين المنهجين و عدم الجنوح لأنصاف الحلول هي قارة و ثابتة و مستمرة أبدا فلا تلاقي و لا تقارب : " لكم دينكم و لي دين " . و لا نغفل عنوان السورة الذي نأخذ منه رغبة القرآن في تسمية الحقائق بأسمائها بلا زيف و لا مراوغة , فهؤلاء في حكمه كافرون , إذن يجب أن يسميهم باسمهم هذا , شعورا منه بعزته و تفوقه و من جهة ثانية تنبيها لهذه المخاليق المشوهة أنهم كافرون يجب أن يتحملوا مسؤولية هذا الكفر المنبئ عن انحراف فظيع في الفطرة .

تلتها سورة : " النصر " التي تبشر بعالمية الإسلام و شمول دعوته أرجاء الأرض و خضوع العقل البشري في خاتمة المطاف لتعاليمه في الحياة .. و ايضا فيها لمحة نفسية عميقة الدلالة و هي ضرورة خضوع العبد لله و الاعتراف له بالفضل و النعمة و بهذا لا تغره نشوة النصر و لا تستفزه شهوة الغلبة على الاعداء : " فسبح بحمد ربك و استغفره " .. و بهذا يكون عنوان السورة " النصر " له إشارة عجيبة إلى النصر في مستوييه : المادي ( انتشار الإسلام في الأرض ) و المعنوي ( انتصار الإسلام في معركة القلب و الفكر ) .

ثم تلتها سورة : " المسد " التي تصور في شخص " أبي لهب " نهاية الكفر و دمار الجاهلية في مسارات التاريخ الأرضي و المصير الأخروي , و أنها مهما انتشت و انتفتخت و استكبرت فإن نهايتها محتومة , و ما مدة أجلها و الإملاء لها للغطرسة و الرغبة في الإفساد في الارض و السعي لتشويه معاني الإنسانية في الإنسان إلا لأجل تصفية القلوب و الإرتقاء بالعقول إلى مدارك فقه معاني التوحيد الخالص و العبودية الشاملة لتجليات الحياة , فإن الاشياء بضدها تعرف و تتبين .. و في لفتة دقيقة الإيحاء عميقة الدلالة سميت السورة ب " المسد " ( الحبل المفتول بدقة و قوة ) و كان المفروض أن تسمى مثلا ب " اللهب " باعتبار أن هذا العنوان سيناسب الأصل الذي سيقت لأجله السورة و هو إعلان نهاية رمز الكفر " أبو لهب " و مصيره الفظيع و اما عنوان المسد فهو تنبيه للفرع في القصة و هو زوجته !! و المعنى في تصوري - و الله أعلم - أن فيه تنبيها قويا لخطورة دور المرأة في الحياة , و أن الأمر ليس كما يتصور الكثيرون عن حقيقة دورها و مهمتها , فهي شطر الإنسانية بل مهدها الواسع , بحسب ما تكون ينعكس ذلك على الواقع و المجتمع القريب " الأسرة " و البعيد " الأمة " , و هذه الإنسانة المشوهة لما تنازلت عن انسانيتها و ذهبت بعيدا في شرود عجيب عن حقائق مهمتها في الحياة , لا عجب أن ناسب في حكمة القرآن أن تسمى هذه السورة - كما هو الحال يوم القيامة - باسم " المسد " في رمزية بديعة لردها بعنف و قسوة إلى الآصل الذي شردت منه .

بعد هذه السور الثلاث التي ينتج بعضها بعضا : إعلان القطيعة مع الجاهلية + التبشير بالنصر بمستوييه المادي و المعنوي + اعلان نهاية الكفر و مصيره الأخروي .. تأتي السور الأخيرة في هندسة البناء القرآني في تناسبية رائعة ..

سنجد بعد هذه الإنسيابية في ترتيب هذه السورة الثلاث انها تنتهي بالضرورة الفطرية و التاريخية و المصيرية إلى سورة " الإخلاص " المعلنة لحقائق التوحيد و عظمة الألوهية السامية و المتجاوزة للكون و الحياة و الإنسان و التاريخ , فصيرورة التاريخ الكلي للبشرية كما بدأ بالتوحيد و انطلق من خلال معانيه لابد أن يصير إليه تارة أخرى مهما تقلبت عليه أعراض الإنحراف و الضلال , و كذلك هذه الفطرة الإنسانية العجيبة بدأت بالتوحيد في عالم الذر : " ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا " [الاعراف 172] ثم خلال مساراتها في عالم الدنيا ستنتهي إلى هذا التوحيد الخالص الذي انطلقت منه أول مرة .. و تلك هي قصة العقل الإنساني , قد يضل و قد ينحرف و قد يكابر و يجادل و لكن تبقى حقيقة واحدة متجذرة في أعماقه هي حقيقة وجود : الله جل مجده فلا يجد بدا من الإقرار بهذه الحقيقة و لو في خفية عن أعين الرقباء , و السورة تكون خاتمة السور الثلاث و من ثم فهي إعلان عن دوافع القطيعة مع الجاهلية و غايات النصر المنشود و تسام عن أوهام الجاهلية المستكبرة التي غرها باطلها المنتفش , و من جهة أخرى تنبيه لأصحاب هذا الدين على ضرورة إحلاص التوحيد لله تعالى الذي يعني إخلاص الدخول في تعاليم العبودية لله تعالى في شتى مظاهر الحياة و عدم الغفلة عنه في غمرة الخوض في ملابسات الواقع أو التمكين في الارض .

و لأن الإنسان مهما بلغ في مستويات العلم و الحكمة و مهما ارتقى في معارج السمو و الصفاء يظل هو هو , الإنسان الضعيف الضئيل لن يثبت على منهج الحق إلا بالله , جاءت سورتا " الفلق " و " الناس " المنبهتان على ضرورة الإلتجاء إلى الله لأجل الحماية من شر كل ذي شر سواء كان منظورا أم مجهولا غيبيا .. و مضمون السورتين و ترتيبهما له معنى عجيب , فالفلق تتحدث عن شر الإنسان و تربصه بالإنسان البرئ و الناس تتحدث عن شر ابليس و يقظته لتدمير الانسان , و من ثم كان تقديم شر الانس على شر الجن لانه طبيعي جدا أن يقدم ما هو مألوف للفطرة و يؤخر العظيم لمزيد تنبيه على شره و عنفه و لهذا اكتفى في الفلق فقط ب " قل أعوذ برب الفلق من شر ... " اما الثاني فأكثر من مصادر الاستعاذة فقال : " قل أعوذ برب الناس , ملك الناس , إله الناس , من شر .. " ..

فكأن الأمر يقول : لا عليك أن تعلن القطيعة مع الشرك و الجاهلية , فإن النصر لك , و لا تهتم بانتفاشة الكفر و غروره فإن نهايته محتومة , لتبقى الحقيقة الخالدة هي نهاية المدارك العقلية الزاكية و لتكون الصيرورة التاريخية متجهة نحو وجهتها المعلومة .. الله . و خذ حذرك و التجئ الى الله خالق الكل و مدبر الوجود أن يعيذك من شر الإنس و الجن .

و بهذه الإنسيابية في التلاحم و التناسب سواء في الترتيب أم في رمزية العناوين أو في المضامين , تكون هذه السور قد رسمت منهجا كليا لطبيعة العلاقة التي يجب أن تجمع بينه و بين الله تعالى من جهة و بينه و بين الجاهلية سواء في عالمها المنظور " الانس " أم في عالمها المجهول " الجن "

و الله تعالى أعلم .