1- "فلسفة المكان في الشعر العربي.. قراءة موضوعاتية جمالية" للدكتور حبيب مونسي
وليس القرآن كتاب قصص حتى يفيض في وصف المكان، كما هو الشأن مع أمكنة القص المعهودة. بل إن شكل القصة في القرآن الكريم يختلف عما هو جار في أعراف الأدب، مادامت القصة عنده حاملا تربويا تسعى إلى تثبيت الإيمان، وإيراد العبرة، والإخبار بقضاء الله . فهي "حامل" "support" لا يتوقف اهتمام القارئ عنده، بل يتجاوزه إلى المحمول فيه، حتى يكتمل هدف القص.
ولا يحمل المكان القرآني سمات المكان الفني و الأدبي، بل يمتاز بالاقتصاد الشديد، ولا يكون إلاّ بالقدر الذي يتطلبه الحدث ويقتضيه الهدف التربوي.
2- "سياحة الوجدان فى رحاب القرآن" السيد إبراهيم أحمد
"القصة فى القرآن ليست عملا فنياً مستقلاً فى موضوعه وطريقة عرضه وإدارة حوادثه بل هى وسيلة من وسائل القرآن الكريم الكثيرة إلى تحقيق هدفه الأصيل, والقرآن كتاب دعوة دينية قبل كل شئ, والقصة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها. وقد خضعت القصة القرآنية فى موضوعها لمقتضى الأغراض الدينية, ومع هذا الخضوع الكامل للغرض الدينى لم يمنع بروز الخصائص الفنية فى عرضها ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى فى التعبير وهى: التصوير, والتعبير الفنى يؤلف بين الغرض الدينى والغرض الفنى فيما يعرضه من الصور والمشاهد, ويجعل الجمال الفنى أداة مقصورة للتأثير الوجدانى فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية, وإدراك الجمال الفنى الرفيع بشئ يحسن الاستعداد لتلقى التأثير الدينى حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع مستوى التعبير عن العقيدة وحين تصفو النفس لتلقى رسالة الجمال التى تبلغ فيه العقيدة حد الكمال.
ومن أغراض القصة القرآنية إثبات الوحى والرسالة فسيدنا محمد لم يكن قارئا ًولا كاتباً ولا عُرِفَ عنه إنه جلس الى أحبار اليهود والنصارى, ثم جاءت هذه القصص فى القرآن وبعضها جاء فى تطويل ودقة كقصص إبراهيم ويوسف وموسى وعيسى. ومن أغراضها أيضا بيان أن الدين كله من عند الله من عهد نوح الى عهد محمد, وأن المؤمنين كلهم أمه واحدة, والله الواحد رب الجميع, وكثيراً ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة فى سورة واحدة, معروضة بطريقة خاصة, لتؤيد هذه الحقيقة, ولما كان هذا غرضا أساسيا ًفى الدعوة, وفى بناء التصوير الإسلامى فقد تكررت مجئ هذه القصة, على هذا النحو مع إختلاف فى التعبير لتثبت هذه الحقيقة وتؤكدها فى النفوس.
ومن أغراضها أيضا تبيين أن الدين كله موحد الأساس فكانت ترد قصص الأنبياء مجتمعة كذلك مكررة فيها العقيدة الأساسية, وهى الإيمان بالله الواحد, ومن أغراضها بيان الأصل المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة, ثم أديان بنى إسرائيل بصفة عامة وإبراز ان هذا الإتصال أشد من الاتصال العام بين جميع الأديان, ومن أغراضها أيضا بيان أن الله ينصر أنبياءه فى النهاية ويهلك المكذبين وذلك تثبيتا ًلمحمد وتأثير فى نفوس من يدعوهم للإيمان وتصديق التبشير والتحذير وعرض نموذج واقعى من هذا التصديق, وكذلك بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه, وتنبيه بنى آدم الى غواية الشيطان, وبيان قدرة الله على الخوارق وبيان عاقبة الطيبة والصلاح, وعاقبة الشر والإفساد. والذى يتتبع قصص القرآن يجد عقب كل قصة تعقيباً دينياً يناسب العبرة فيها أو يجد التوجيهات منثورة فى ثناياها بكثرة ووفرة تدل على الغرض الأساسي من سياق القصة وهو الغرض الدينى.
3- القصص في القرآن الكريم
القصة في القرآن حقيقة لا خيال
قدم أحد الطلاب الجامعيين في مصر رسالة لنيل درجة الدكتوراه (هو الدكتور محمد أحمد خلف الله كان موضوعها (الفن القصصي في القرآن) أثارت جدلاً طويلاً سنة 1367 هجرية، وكتب عنها أحد أعضاء اللجنة الذين اشتركوا في مناقشة الرسالة وهو الأستاذ أحمد أمين تقريرًا بعث به إلى عميد كلية الآداب، ونشر في مجلة (الرسالة) وقد تضمن التقرير نقدًا لاذعًا لما كتبه الطالب الجامعي، وإن كان أستاذه المشرف قد دافع عنه. وصدر الأستاذ ( أحمد أمين ) بالعبارة الآتية: (وقد وجدتها رسالة ليست عادية، بل هي رسالة خطيرة، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ. (والواقع أن محمدًا فنان بهذا المعنى)، ثم قال: (وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها، وإني أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة توضح مرامي كاتب هذه الرسالة وكيفية بنائها). ثم أورد الأستاذ (أحمد أمين) أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به من هذه العبارة المجملة.
كادعاء صاحب الرسالة أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادث تصويرًا فنيا، وزعمه أن القرآن يختلق بعض القصص وأن الأقدمين أخطأوا في عد القصص القرآني تاريخًا يعتمد عليه.
والمسلم الحق هو الذي يؤمن بأن القرآن كلام الله، وأنه منزه عن ذلك التصوير الفني الذي لا يعنى فيه بالواقع التاريخي، وليس قصص القرآن إلا الحقائق التاريخية تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاه، والأساليب الرائعة.



4- "مباحث في علوم القرآن" مناع القطان
أثر القصص القرآني في التربية والتهذيب
مما لا شك فيه أن القصة المحكمة الدقيقة تطرق المسامع بشغف، وتنفذ إلى النفس البشرية بسهولة ويسر، وتسترسل مع سياقها المشاعر لا تمل ولا تكل، ويرتاد العقل عناصرها فيجني من حقولها الأزاهير والثمار.
والدروس التلقينية والإلقائية تورث الملل، ولا تستطيع الناشئة أن تتابعها وتستوعب عناصرها إلا بصعوبة وشدة. وإلى أمد قصير. ولذا كان الأسلوب القصصي أجدى نفعًا، وأكثر فائدة.
والمعهود حتى في حياة الطفولة أن يميل الطفل إلى سماع الحكاية، ويصغي إلى رواية القصة، وتعي ذاكرته ما يُروى له، فيحاكيه ويقصه.
هذه الظاهرة الفطرية النفسية ينبغي للمربين أن يفيدوا منها في مجالات التعليم، لا سيما التهذيب الديني، الذي هو لب التعليم، وقوام التوجيه فيه.
وفي القصص القرآني تربة خصبة تساعد المربين على النجاح في مهمتهم، وتمدهم بزاد تهذيبي من سيرة النبيين، وأخبار الماضين وسُنة الله في حياة المجتمعات، وأحوال الأمم. ولا تقول في ذلك إلا حقًّا وصدقًا.
ويستطيع المربي أن يصوغ القصة القرآنية بالأسلوب الذي يلائم المستوى الفكري للمتعلمين، في كل مرحلة من مراحل التعليم. وقد نجحت مجموعة القصص الديني للأستاذين "سيد قطب، والسحار" في تقديم زاد مفيد نافع لصغارنا نجاحًا معدوم النظير، كما قدم "الجارم" القصص القرآني في أسلوب أدبي بليغ أعلى مستوى، وأكثر تحليلًا وعمقًا، وحبذا لو نهج آخرون هذا النهج التربوي السديد.


4- "مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة" من مقال "أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم" للدكتور أبو المجد سيد نوفل أستاذ بجامعة الأزهر
9- العقيدة في أسلوب القصة
والقصة جمعها قصص بكسر القاف، وهي من قصص، والفعل قص، والمصدر قصص بفتح القاف قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ … يوسف/3, والقصص بفتح القاف إما مصدر بمعنى الاقتصاص أي نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص من كتب الأولين وفي التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن.
أو بمعنى المقصوص أي نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسن لما يتضمنه من العبر والحكم والعجائب لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب.. يوسف/111 ويشتق القصص من قص أثره إذا أتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال تلا القرآن إذا قرأ، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية.
والقصة: هي أحد أنواع النثر الفني، ونمط من أنماط الأساليب الجمالية، تقوم على عوامل كثيرة، من التشويق، والحوار، والحبكة، والوحدة الموضوعية، وحل المشكلات عن طريق تسلسل الأحداث وربط المشاهد بعضها ببعض.
والقصة عامة كلون من ألوان الأدب قديما وحديثا تقدم الحقائق المختلفة، كما تقدم إلى جانب ذلك الخيالات والمبالغات، والأساطير، وما إليها.
وقد يكون هدفها التعبير والنصح والتوجيه، كما يكون هدفها مجرد المتعة الذهنية والعاطفية وقد تتخذ وسيلة للحق أو للباطل، وللخير أو للشر.
لكن القصة في القرآن الكريم تتميز عن سائر أنواع القصص بأنها منزهة عن أي نقص في شكلها وفي مضمونها، ومنزهة عن الخيالات والأوهام، والأساطير، والأباطيل. وهي عفيفة الأسلوب، طاهرة اللفظ والمعنى، حيية السياق والعرض، بارعة التركيب، سامية القصد، حسنة الهدف.
وهي تضم إلى جانب الإيضاح والتعليم والنصح جوانب الإقناع الذهني والنفسي والعلمي والأدبي، وتضم إلى جانب عرض الحقائق الدينية الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية.
ومن هنا جاءت القصة في القرآن الكريم تحمل لواء الدعوة إلى الإسلام وتعرض مبادئه، وكانت أسلوبا من أساليب الدعوة إلى اللّه لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف/111.
5- القصص في القرآن الكريم
الميزات التربوية للقصص القرآني
1) تشد القصة القارئ، وتوقظ انتباهه، دون توان أو تراخٍ، فتجعله دائم التأمل في معانيها والتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصياتها وموضوعها حتى آخر كلمة فيها.
ذلك أن القصة تبدأ غالبًا، وفي شكلها الأكمل، بالتنويه بمطلب أو وعد أو الإنذار بخطر، أو نحو ذلك مما يسمى عقدة القصة، وقد تتراكم، قبل الوصول إلى حل هذه العقدة، مطالب أو مصاعب أخرى، تزيد القصة حبكًا، كما تزيد القارئ أو السامع شوقًا وانتباهًا، وتلهفًا على الحل أو النتيجة.
ففي مطلع قصة يوسف مثلاً، تعرض على القارئ ( رؤيا يوسف ) يصحبها وعد الله، على لسان أبيه، بمستقبل زاهر، ونِعَم من الله يسبغها على الأسرة الفقيرة المتعثرة، الداعية إلى الله.
وتتتابع المصائب والمشكلات على بطل القصة ( يوسف ) ويتابع القارئ اهتمامه ينتظر تحقيق وعد الله، ويترقب انتهاء هذه المصائب والمشكلات بتلهف.
2) تتعامل القصة القرآنية والنبوية مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في أهم النماذج التي يريد القرآن إبرازها للكائن البشري، ويوجه الاهتمام إلى كل نموذج بحسب أهميته، فيُعرض عرضًا صادقًا يليق بالمقام ويحقق الهدف التربوي من عرضه، ففي قصة يوسف يعرض نموذج الإنسان الصابر على المصائب في سبيل الدعوة إلى الله (في شخص يوسف )، ونموذج المرأة المترفة تعرض لها حبائل الهوى فملأ قلبها الحب والشهوة، ويدفعها إلى محاولة ارتكاب الجريمة، ثم إلى سَجن إنسان بريء مخلص، لا ذنب له إلا الترفع عن الدنايا والإخلاص لسيده، ومراعاة أوامر ربه.
ونموذج إخوة يوسف: تدفعهم هواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة ومواجهة آثار الجريمة والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة.