ثم قال الحافظ ـ مبينا حكم الخبر الذي وصل إلينا من حيث القبول والرد ـ:
(وفيها المقبول والمردود لتوَقُّف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول) وقد يقع فيها ما يفيد العلمَ النظري بالقرائن على المختار).
بيّن المصنف في هذه الجملة ثلاث مسائل:
الأولى: أن في أخبار الآحاد ـ وهي المشهور والعزيز والغريب ـ المقبول والمردود، وعلّل ذلك بقوله: (لتوَقُّف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها) أي رواة أخبار الآحاد (دون الأول) وهو الحديث المتواتر، لأن ثبوته قطعي، وما سوى المتواتر ـ وهو الآحاد ـ لا يمكن الحكم بصحته، ولو كثرت طرقه، إلا بعد البحث عن أحوال الرواة.
الثانية: أن المتواتر لا نحتاج فيه إلى البحث عن أحوال رواته ـ كما سبق ـ لكثرتهم التي تحيل العادة أن يتواطأوا على الكذب، وهذا يؤكد لنا أن مبحث المتواتر ليس من مباحث علم الإسناد.
الثالثة: أن أخبار الآحاد إذا ثبتت فهي تفيد الظن، ولكن قد يقترن ببعض أخبار الآحاد قرائن تجعله ينتقل من مجرد الظن إلى القطع بصحته، وذلك عندما تحتف به القرائن، والتي منها:
1.أن يتفق البخاري ومسلم على روايته.
2.أن تجمع الأمة على قبوله والعمل به([1]).
س/ ما هو المقبول؟ وما هو المردود؟
ج/ المقبول: هو ما ترجَّح صدقُ المخبِر به، والمردود: هو ما ترجح خطأ المخبر به، وهذا كلّه في غير أحاديث الصحيحين([2]).
وإنما لم نقطع بالقبول والرد هنا؛ لأن القطع من خصائص المتواتر وما احتفت به القرائن ـ على الراجح من أقوال المحققين.
وفي الآحاد نقول: ترجَّح, بمعنى: غلب على الظن أن هذا الراوي ضبط وحفظ الحديث، وقلنا: "ما ترجَّح فيه صدق المخبِر"؛ لأنه قد يتبين لنا أن الثِّقة وَهِم، فهنا ننتقل من المقبول إلى المردود، والرّدُّ لا يعني تضعيف الراوي بكل حال، ولذلك قلنا في تعريفه: ما ترجَّح خطأ المخبِر به, نقول: خطأ، ولا نقول: كذِب؛ لأن الثقة ليس من شرطه أن يكون معصوماً من الخطأ أو من النسيان أو من الوهم، فنقول: يترجح أنه أخطأ.
مثال: لو أخبرك الشيخ ابن باز : وقال: إن فلاناً من الناس مات، ثم سمعت الشيخ ابن عثيمين : يقول: لا، لم يمت! هل تشك في صدق الشيخين؟ الجواب: لا، لكن بعد البحث تبين لنا أن أحد الشيخين مصيب والثاني واهِم، ولذلك نقول: أخطأ، ولا نقول: كَذَب.
وهنا اجتهد الأئمة في وضع قواعد لقبول الأحاديث والأخبار ذبّاً عن السنة، وضبطاً لها، ولولا هذه القواعد لقال في السُّنة من شاء أن يقول، وهي من أعظم ما صدّ عوادي المستشرقين الذين حاولوا بكل ما يستطيعون أن يدسوا في السنة ما استطاعوا.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــ


أنواع الحديث الغريب

لما أنهى المصنف : الكلام على الأنواع السابقة: (المتواتر ، والمستفيض ، والعزيز) بدأ بالكلام بشيء من التفصيل على نوع الغريب ـ وقد سبق تعريفه، وبيان أن أكثر الأحاديث من هذا النوع ـ وبيان أقسامه فقال: (ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند أو لا، فالأول: الفرد المطلق، والثاني: الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه).
وقد سبق بيان هذا قريباً.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــ


أقسام الحديث المقبول

لما فرغ المصنف : من كلامه على أقسام الحديث باعتبار تعدد طرقه، وبيّن أن أحاديث الآحاد تحتاج إلى بحث ونظر في رواتها؛ لتوقف الاستدلال بتلك الأحاديث على الأحكام الشرعية على ذلك، شرع في بيان حدّ وتعريف الحديث الذي إذا توفرت شروط محددة، صح أن نسمي ذلك الحديث صحيحاً، فقال : :
(وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته.
وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف، ومن ثَمَّ قُدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما، فإن خف الضبط: فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح، فإن جُمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).
اشتملت هذه الجملة من كلام الحافظ : على أربعة مسائل:
الأولى: تعريف الحديث الصحيح.
الثانية: أن مراتب الصحيح تتفاوت.
الثالثة: تعريف الحديث الحسن، وأنه إذا كثرت طرقه، تقوّى، وارتقى إلى الصحيح لغيره.
الرابعة: الكلام على الجمع بين وصفي (حسن وصحيح) الذي يرد في كلام بعض الأئمة.
أما المسألة الأولى ـ وهي تعريف الحديث الصحيح ـ :
فإن المصنف : عرّف الحديث الصحيح بأنه، ما نقله: (عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ).
وهذا التعريف هو المعتمد عند أئمة الحديث وحفاظه ـ لأن الفقهاء يخالفون في هذا ـ، واتفقوا على أنه لا بد أن يشتمل على خمسة شروط، وهي ـ على ترتيب المصنف ـ:
1.العدالة.
2.الضبط.
3.الاتصال.
4.السلامة من الشذوذ.
5.السلامة من العلة.
1ـ العدل: فما هي العدالة؟
بين المصنف مراده بالعدالة فقال: "والمرادُ بالعَدْلِ: مَنْ لهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ على مُلازمةِ التَّقوى والمُروءةِ، والمُرادُ بالتَّقوى: اجْتِنابُ الأعمالِ السَّيِّئةِ مِن شِرْكٍ أَو فِسقٍ أَو بِدعةٍ([3])"([4]).
س/ ما المقصود بالمروءة؟
ج/ هي استعمال ما يجمّل العبد ويزينه، وترك ما يدنّسه ويشينه، سواء تعلّق ذلك به وحده أو تعدّاه إلى غيره([5])([6]).
س/ ما الفرق بين العدالة في الرواية والعدالة في الشهادة؟
ج/ المقصود بها في الرواية: الصدق والأمانة، أما في الشهادة، فهي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والسلامة من خوارم المروءة.
والخلاصة أمران: أن العدالة تختلف بحسب الأمكنة والأزمنة، وأن العدالة في الرواية تختلف عن العدالة في الشهادة.
2 ـ الضبط:
الضبط ـ كما قال أهل العلم ـ ضبطان:
ضَبْطُ صَدْرٍ: وهُو أَنْ يُثْبِتَ ويحفظ ما سَمِعَهُ بحيثُ يتمكَّنُ من استحضاره متى ما أراد أن يحدث به غيره، دون أن يستعين بكتاب.
وضَبْطُ كِتابٍ: وهُو صيانَة كتابه الذي جمع فيه مروياته لديهِ، مُنذُ سمِعَ فيهِ وأن يصحِّحَهُ ويراجعه على أصله إِلى أَنْ يُؤدِّيَ منهُ، ويحدث به غيره([7]).
س: كيف يعرف ضبط الراوي؟
يعرف ضبطه بأمور من أهمها:
1.توثيق الأئمة له، وكيفية ذلك: أنهم يعرضون رواياته على روايات غيره من الحفاظ، فبقدر موافقتهم ومخالفتهم يتبين ضبطه، ويعرف حفظه.
2.اختباره في محفوظاته ـ وهذا فيمن عاصروهم من الرواة ـ، وفي ذلك قصص مشهورة مع بعض الحفاظ([8]).
3 ـ الاتصال:
يحسن قبل تعريف اتصال السند، أن نعرف ما هو الإسناد؟
فالإسناد: هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، أو حكاية طريق المتن، أيّاً كان هذا المتن، سواء كان قول النبي ج أم قول غيره.
فالسند المُتَّصِلُ ـ إذن ـ: هو ما سَلِمَ إِسنادُه مِن سُقوطٍ فيهِ، بحيثُ يكونُ كُلٌّ مِن رجالِه سَمِعَ ذلكَ المَرْوِيَّ مِنْ شيخِهِ([9]).
فخرج بالتعريف السابق: المرسل ـ وهو كل ما لم يتصل سنده ـ والمعلق، وغيرهما من المنقطعات([10]).
4 ـ السلامة من العلة، وهو ما عَبّر عنه المصنف بقوله (غير معلل):
المُعَلَّلُ في اللغة: ما فِيهِ عِلَّةٌ، وفي الاصطِلاح: ما فيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادِحةٌ.
فهذان شرطان ليوصف الحديث بأنه معلل، وهما: الخفاء ، والقدح ؛ لأن ثمة علل ـ وإن كانت تؤثر على قوة السند ـ لكنها لا تقدح فيه قدحاً يسقطه عن رتبة الاحتجاج.
فالحديث المعلول إذن: خبر ظاهره السلامة، اطلع فيه بعد التفتيش على قادح.
مثال لحديث فيه علّة لكنها ليست خفية: حديث: "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر"، فهذا إسناده ضعيف لأن فيه راوياً اسمه: النهاس بن قهم، وهذا لا يسمى حديثا مُعَلاً؛ لأن الضعف ظاهر.
مثال الحديث الذي فيه علة قادحة لم تكتشف إلا بعد البحث:
قصة الرجل الذي خرج على الصحابة فبشره النبي ج بالجنة، ثلاث أيام متتابعة، وفي آخر الحديث قال الرجل لما سئل عن عمله: "لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه".
فهذا الحديث ظاهر إسناده الصحة، لأن رواته أئمة حفاظ، ولكن بيّن الدارقطني أن فيه علةً خفية وهي تدليس الزهري.
5 ـ السلامة من الشذوذ:
الشاذ في اللغة: هو المُنفَرِدُ.
واصطلاحًا ـ حسب تعريف ابن حجر ـ: ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه.
وهذا في الحقيقة أحد التعريفات للشاذ، وليس تعريفاً حاصراً ـ كما سيأتي ـ وأن الأئمة يطلقون الشذوذ على ما ذكره المصنف، وعلى إطلاقات أخرى([11])، علماً أن الأئمة نادراً ما يستعملون لفظة شاذ، بل يعبرون عن الشذوذ بمعناه اللغوي، فيقولون: تفرد به فلان، أو ليس بمحفوظ.
فهذه الشروط أجمع المحدثون على أن الحديث لا يحكم بصحته حتى تتوفر فيه هذه الشروط.
فإن قلتَ: لماذا يختلف الأئمة في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؟!
فالجواب: أن هذا بسبب اختلافهم في تحقق شروط الحديث الصحيح من عدمها، فقد يختلفون ـ مثلاً ـ في عدالة راوٍ، أو إسنادٍ ما، هل هو متصل أم لا؟ وهكذا، تماماً كما يختلف الفقهاء في دلالة النص الواحد.
واعلم ـ وفقك الله ـ أن العلة عند الأئمة ـ في الجملة ـ يدخل فيها كلُّ خطأ يقع في حديث الثقات، فعلم العلل يدور على أخطاء الثقات، ولهذا كان من أدق وأغمض علوم الحديث، ولم يتصدّ للكلام فيه إلا أكابر الأئمة والحفاظ: كشعبة، والثوري، وابن مهدي، ويحيى القطان، وابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيان، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم من كبار الحفاظ.
س/ ما معنى قول الحافظ : الصحيح لذاته؟
ج/ أي أن الإسناد المروي إذا اجتمعت فيه هذه الشروط، فقد اكتسب وصف الصحة بنفسه، من غير حاجة لإسناد آخر يقويه أو يعضده.
ويوضّح هذا: أن بعض الأسانيد يحكم عليها بعض الأئمة بالصحة، وفي رواتها من ليس في درجة الصحيح، والسبب في ذلك أنهم صححوه بمجموع الطرق، وهو الذي يسمى الصحيح لغيره، وهو الحديث الحسن الذي تعددت طرقه، كما سيذكر المصنف : قريباً، وسنكمل بقية المسائل التي اشتمل عليها كلام الحافظ في الدرس القادم بإذن الله.

([1]) ومنها: 1 ـ أن يكون مشهوراً، وعليه العمل، وتداوله الأئمة في كتبهم من غير تضعيف له، ولكنه لم يبلغ حد التواتر.
2 ـ المسلسل بالأئمة، كما لو روى أحمد، عن الشافعي، عن مالك.

([2]) إلا ما نوقش فيه البخاري ومسلم في بعض الأحاديث، فإنه ينطبق عليه التعريف المذكور أعلاه.

([3]) سيأتي الكلام على رواية المبتدع إن شاء الله.

([4]) النزهة: (83) .

([5]) مدارج السالكين: (2/366).

([6]) يقول الخطيب البغدادي في "الكفاية": (111) ـ بعدما ساق جملة من الآثار عن السلف في موضوع المروءة ـ:
"وقد قال كثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات، نحو التبذل، والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والانبساط الى الخُرْقِ في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة، ويوجب ردَّ الشهادة" انتهى بتصرف.

([7]) ينظر: نزهة النظر (83).

([8]) وفي ذلك القصة المشهورة التي وقعت للبخاري، والقصة التي وقعت ليحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين.

([9]) والعبارة الأدق أن يقال: بحيثُ يكونُ كُلٌّ مِن رجالِه تحمّل ذلكَ المَرْوِيَّ مِنْ شيخِهِ.
وإنما قلنا: (أدق)؛ لأن التحمل أوسع من مجرد السماع، إذ التحمل قد يكون بالسماع ـ وهذا هو الأصل ـ وقد يكون بالعرض على الشيخ، وقد يكون بالكتابة، وثمة وسائل أخرى مختلف في الاعتداد بها - كالوِجادة، والإجازة في بعض أنواعها -.
وسيأتي مزيد بيان لهذه الأنواع في الكلام على صيغ الأداء ص80 إن شاء الله.

([10]) ويمكن معرفة طرق اتصال الإسناد يتحقق بطرق، منها:
1 ـ تخريج البخاري ومسلم للحديث.
نص أحد الأئمة على سماع الراوي ممن روى عنه.

([11]) وههنا سؤال: لماذا لم يكتف المحدثون بالمعلل عن ذكر الشاذ؟!
فالجواب ـ والله أعلم ـ لأن من أهل العلم كالحاكم ـ ووجد هذا في تصرفات بعض الأئمة كأبي زرعة : ـ من فرق بين الشاذ والمعلل: فالشذوذ متعلق بالتفرد الذي لا يحتمل من مثله، والمُعَلّل هو الخطأ الذي استدل عليه بالاختلاف بين الرواة.
فكان اشتراط ذلك ليشمل جميع أنواع الخطأ عند جميع المحدثين على اختلاف مذاهبهم.