رحمة الله تعالى بالإنسان رحمة عظيمة .. و لكن الإنسان الضعيف الضئيل لا يفهم منها إلا أقل القليل , و لا يتصوّرها إلا في صور معدودة , و الحقيقة أعظم و أعمق من ذلك .. فلقد اُبتدأت رحمة الله تعالى بالإنسان من قبل أن يخلق الوجود بخمسين ألف سنّة ( ورد في الحديث أن الله كتب مقادير الخلق بخمسين ألف سنة ) ..
1/ خلقه من عدم محض و لم يكن قبل ذلك شيئا مذكورا : " هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا " [الإنسان:1] أي لقد سبق وجود الإنسان فترة زمنية لم يكن فيها موحودا بل كان عدما لا خبر له في هذا العالم حتى أخرجه الله تعالى برحمته و أبدع خلقه , فنعمة الحياة بمجردها نعمة كبيرة , و ما عليك إلا أن تتخيل بقاءك في أطواء العدم و غيرك يتمتع بجمال الحياة و سعادة الوجود .
2/ خلقه في أحسن تقويم و أبدع صورة , و هذا الإحسان التقويمي و الإبداع التّصويري يشمل الجسم و الرّوح جميعاً .. " وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً 85 " [ الإسراء ] .. و هو ما يعني التوافق الكامل و القابليّة الفطريّة الدقيقة للتعامل و التفاعل مع الوجود أجمع – الدنيا و الآخرة - بكلّ كائناته و أشيائه و مشاهده .. و لولا رحمة الله تعالى لكان هذا الكائن الإنساني غريباً في هذا الكون لا يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام , و هو المكلّف بعمارة الأرض و إقامة حضارة إنسانيّة فاضلة قائمة على تعاليم المنهج الرّباني .
3/ خلق الوجود على أكمل صورة لاستقباله و سخر له طاقاته المذخورة ليساعده بذلك على القيام بمهمته في الحياة و لجلّي له روائع العظمة الإلهية في الخلق : " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدًى وَ لَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ 20 " [ لقمان ] .. فخلق الأنسان آخر المخلوقات بعد الملائكة و الجن و الحيوان له قيمة رمزية مهمة اشارة الى قيمته الكبيرة عند الله تعالى .
4/ أنزل للإنسان منهجاً شاملاً متكاملاً يحدّد له السبيل التّي يجب عليه سلوكها في هذه الحياة الدنيا ليصل إلى السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة .. و تعاليم الشريعة انما هي في الحقيقة اراشادات إلهية للإنسان في الطريق الصحيح لتفتح معاني الإنسانية فيه و ممارسة حقائق الفضيلة في الواقع , و بهذا فقط يحصل على السعادة في الدنيا و الآخرة : " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " [الروم:30] .
5/ خلق له عالما أبديا خالدا هو الجنة , عالم كله جمال و روعة و كله سكينة و طمأنينة و كله سلام و سعادة , و هو عالم فضل من الله تعالى فقط على التزام الانسان بتعاليم شريعته في دار الدنيا , فالإنسان يعمل قليلا هنا ليجازيه الله كثيرا هناك : " وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ " [الرعد:22] .

فهذه خمس رحمات كبرى , هدية من الله للإنسان , فاعجب بعد هذا - ان شئت العجب - لمن لا يرى نعم الله عليه و رحمته الا في المال او الوظيفة او الشهرة ... إلى اخر القائمة التي حبس فيها الجاهلون أنفسهم , فكانت النتيجة هي كفران نعم الله عليهم و اساءة الظن به كلما تعسرت عليهم بعض الرغبات .