لقد تحدث القرآن الكريم عن الرجولة حديثا كريما أضفى عليها سمات تشي باهتمامه بها و احتفائه بمن يرتقي إلى مراقيها العالية .. و من ثم كانت الرجولة في مفهوم القرآن حقيقة لا يستطيع التلبس بها و التحلي بمعانيها إلا الإنسان الفاضل الكريم الذي عرف قيمته في الحياة و مهمته في الوجود و مصيره في الأبدية , و بالتالي فهي رؤية تغاير كل ما تعارف عليه الناس و هم بعداء عن منهج هذا الدين و حقائقه في الحياة ..
و القرآن الكريم و هو يفيض الحديث عن مفهوم الرجولة في نظامه المعرفي و نسقه المفاهيمي , إنما يستند – كما هي سنته في تحديد المفاهيم و تصوير الحقائق – على رؤيته لطبيعة الإنسان و إدراكه العميق لطبيعة مهمته في الوجود و علاقته الدقيقة بمختلف مكونات هذا العالم الكبير .. ذلك لأنه بدون فهم واضح لطبيعة الكينونة الإنسانية و بدون وعي بموقعها في فسيفساء الوجود و كائناته المختلفة , لا يمكن إطلاقا تحديد أي مفهوم يتعلق به ..
ترجع كلمة " رجل " في اللسان العربي إلى معنى : الترجل أي مشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما " الدابة أو السيارة أو غير ذلك " .. و هذا يعني الإعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة و الهدف المقصود ..
و انظر أيها الفاضل أيتها الفاضلة فقط إلى هذا المعنى اللغوي الذي حددته العربية لهذه المفردة , لتخرج برؤية واضحة المعالم دقيقة السمات , و لتدرك عمق الأبعاد المعرفية و الدلالات القيمية التي يتيحها هذا المعنى اللغوي فقط ..
اذن اللغة العربية تحدد لنا مفهوم الرجولة في حقيقة واحدة هي : الإعتماد على النفس في تحقيق المراد و الوصول إلى الهدف المرجو .. و هو ما يعني قوة الشخصية و مضاء العزيمة و وضوح الصورة في فكر صاحبها ..
أما في اللسان القرآني , فقد تحدث عن هذه الكلمة بالمعاني التالية :
1/ الرجولة بمعنى : الجنس الذكر المقابل لجنس الأنثى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " [النساء : 1] ..
2/ الرجولة بمعنى : الصفة التي يتحلى بها الإنسان الفاضل : " لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ " [التوبة : 108] .. و غيرها من الآيات الآتية الذكر ..
أما السمات التي أضفاها القرآن الكريم على الرجولة فهي ست :
1/ المسؤولية : " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً " [النساء : 34] .. " وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ " [هود : 78] ..
2/ التطهر و التزكي : " لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ " [التوبة : 108] ..
3/ الجدية و التعالي : "رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ " [النور : 37] ..
4/ الوفاء و الصدق : " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً " [الأحزاب : 23] ..
5/ القوة و التوكل : " قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " [المائدة : 23] ..
6/ الإيجابية و الفاعليّة : " وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ " [القصص : 20] .. " وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ " [يس : 20] ..
إذن تلك هي صفات الرجولة في الرؤية القرآنية : المسؤولية , الإيجابية , الوفاء , التطهر , القوة , الجدية ..
* إنها المسؤولية في التعامل مع الآخرين ( السمة رقم 1 ) .. و الآية تنبه بالعلاقة الزوجية , و ما يحسن رجل معاملة زوجته و جمال القيام عليها إلا كان كذلك مع الآخرين , لأنه يستحيل أن نجد شخصا يعامل زوجته بعنف و قسوة و فضاضة و هو في الخارج مع الغير يعاملهم بلباقة و رقة و حنان أقصد هنا في حالة استقامة الشخصيّة أما في حالة النفاق و الكذب فشئ آخر ..
* إنها ممارسة التطهر و الزكاء الروحي ( السمة رقم 2 ) .. و الآية تنبه بالرجال الذين يحبون الطهارة النفسية و المادية , و ذكر المسجد هنا له دلالته الموحية , فالمسجد في معناه الرمزي هو البرزخ الفاصل بين عالم الدنيا و عالم الآخرة , من جهة أنه لا يحسن فيه ما يحسن خارجه من شؤون الدنيا , فهؤلاء الفضلاء انفصلوا عن ضجيج الدنيا و صخب الواقع و جواذب الشهوات إلى فضاء الصفاء و رغبة في الإندماج الكامل مع جماليات الروح و أشواقها ..
* إنها التعالي عن زخرف الحياة الدنيا و سرابها الخالب ( السمة رقم 3 ) .. و الآية تنبه عن سمة الرجولة في أناس لم تغرهم الدنيا مهما انبسطت عليهم , فهم يعرفون مهمتهم في الحياة و دورهم في تاريخ الإنسانية فلا ينسوا هذه الحقيقة و هم يأخذون بنصيبهم منها ..
* إنها الصدق في القول و الفعل ( السمة رقم 4 ) .. و الآية تنبه على خلق الصدق الخالص في القول و الفعل , فالرجل الفاضل هو الصادق الذي يفي بوعده مهما كلفه ذلك , لأن خلق الصدق دليل على قيمة العقيدة التي يعتقدها هذا الإنسان , و من ثم يكون الصدق هو سمة شخصيته : تفكيرا و شعورا و سلوكا , و لهذا ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الصدق يهدي إلى البر , و البر كلمة جامعة لمعاني الخير و حقائق الفضيلة و سمات الإنسانيّة ..
* إنها قوة الإرادة ( السمة رقم 5 ) .. و الآية تنبه على ذلك بأنهم لا يخافون إلا الله , و الخوف من الله تعالى يورث صاحبه قوة شديد و عزيمة ماضية لأنه لا يرى إلا الله مدبرا للوجود جميعا , أما غير الله فمهما ملكوا من معاني القوة ما شاءت أنفسهم يظلون مخاليق ضئيلة لا تملك في الحقيقة شيئا إلا بإذن الله تعالى , و لهذا كان الإنسان المسلم ممتلئا أمنا و سلاما لا يخضع و لا يستسلم ..
* إنها الفاعلية و الإيجابية ( السمة رقم 6 ) .. فالرجل في مفهوم القرآن ايجابي و له فاعلية و مبادرة في الحياة , لأن هدفه الأعلى هو : الله , و من ثم فهو يسعى إلى ترجمة هذا الهدف واقعا , لأنه بهذا السعي يحقق معنيين اثنين : الاستجابة لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم من جهة العمل على تطوير الأمة و الإرتقاء بها : فكراً و أخلاقاً و سلوكاً و حضارة , و الثاني هو تفتيق معاني إنسانيّة و الشعور بقيمته الشخصيّة ..
و ما يلتزم أحد من المخاليق هذه السمات في حياته إلا وجد السعادة و الطمأنينة , و الهدوء و السكينة , و الإستقامة و الجمال , و الهدى و النور , و قبل ذلك و مع ذلك و بعد ذلك رضا الرحمن و محبة الملائكة و احترام المؤمنين و في الآخرة جنة عرضها السموات و الأرض ..
هذه السمات و المعايير التي يقدمها و يقررها القرآن الكريم حول مفهوم الرجولة في رؤيته الربانية تناقض تماما السمات و المعايير التي تعارف عليها الناس ..
الرجولة في حس الناس عندما يكونون بعداء عن منهج الله تعالى و التحقق بمفاهيم منهجه في الحياة محصورة بحدود آفاق عقولهم و ضمائرهم التي لا تتجاوز هذه الأرض و لا تستطيع الإرتقاء إلى آفاق السماء .. فهي بجميع مظاهرها تترجم في : القوة العضلية , الكثرة المالية , المكر الخادع , اللهاث وراء سراب الدنيا , العنف في كل شئ و مع كل شئ .. فالشخص لا يكون رجلا إلا إذا كان عنيفا مع زوجته , قاسيا مع ولده , غليظا مع غيره .. و لا يكون رجلا إلا إذا كان خبيثا ماكرا لا يتورع عن استغلال أرذل الوسائل للوصول إلى أهدافه المقيتة .. و الشاب لا يكون رجلا إلا إذا اقترف الموبقات القاتلة .. و هكذا ..
أما في المنهج القرآني فهذه السمات و هذه المعايير التي اتفق عليها الناس و تواضعوا عليها و هم يحددون مفهوم الرجولة , لا تعدو أن تكون جاهلية لا تليق بالإنسان الفاضل و المسلم الكريم ..
إن السمات و المعايير التي بيناها آنفا لم تكن مجرد كلمات فارغة و مثاليات حالمة , بل بالحري أن المنهج القرآني دفع بالإنسان المسلم إلى التحلي بها في مختلف جوانب كينونته الذاتية و هو يمارس نشاطات حياته اليومية ..
و إن إلقاء نظرة خاطفة على حياة الأنبياء الكرام و على حياة الصالحين من بعدهم كافية لتصديق عمق المفهوم القرآني حول الرجولة .. فالحس المسؤول كان هو العلامة المميزة لهم و هم يتعاملون مع مختلف الأشخاص و الأشياء و الأحداث .. و لا جرم أن الإنسان عندما تترسخ معاني المسؤولية في عقله و ضميره , يأتي من بعدها كل السمات التي تحدثنا عنها تباعا و من ثم تتجلى واضحة في كل شئ يحيط به ..
و انظر للإنسان المسلم و قد تخلى عن التلبس بهذه السمات و اتخاذها معايير أخرى للحكم على الأشخاص إما منبثقة عن تقاليد سخيفة و عادات ما أنزل الله بها من سلطان و إما مستوردة من الخارج , كيف صارت حياته بائرة كاسدة لا نماء فيها و لا زكاء , و لا نور فيها و لا جمال , و لا استقامة فيها و لا جد , و النتيجة أنه خسر دوره في الحضارة المعاصرة , و يوم القيامة يكون من النادمين ..
لقد انعدمت هذا السمات الجميلة من حس الإنسان المسلم سواء و هو يتعامل مع خالقه أم و هو يتعامل مع نفسه أم و هو يتعامل مع غيره : الوالدين , الزوجة , الأولاد , الأصحاب , المجتمع جميعا .. فكان التعب و المعاناة و الشقاء و المأساة الأليمة ..
إذن لابد من إعادة النظر في تصورنا لمفهوم الرجولية , و محاولة الإرتقاء به إلى مستوى الرؤية القرآنية له , فنحن مسلمون و بالضرورة – باعتبارنا رضينا بهذا الدين منهاج حياة – ينبغي علينا أن نستقي مفاهيمنا و معايير تصوراتنا من حقائق هذا الدين " القرآن و السنة " و إلا كنا كاذبين في زعمنا عمق الإنتماء إليه ..