النزعة المذهبية للتفسير الفقهي
عند ابن العربي المالكي



(1)
ابن العربي المالكي هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي.
ولد في إشبيلية سنة 468هـ، وتأدب ببلده، وقرأ القراءات، ثم رحل إلى مصر والشام وبغداد ومكة، وكان يأخذ عن علماء كل بلد يرحل إليها، فأتقن الفقه والأصول ومسائل الخلاف، وتبحر في التفسير، وقيد الحديث، واتسع في الرواية، وبرع في اللغة والأدب والشعر، ثم عاد إلى بلده إشبيلية – بعد رحلة طويلة إلى بلاد المشرق دامت ما يقارب أحد عشر عاماً – بهذا العلم الموسوعي الذي يصفه ابن فرحون بأنه "لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق".
وكان ابن العربي يشير في كتابه (أحكام القرآن) إلى ما وقع له في أثناء رحلته، ويصف ما شاهده فيها وما حدث له مع شيوخه.
قال عنه الحافظ الذهبي: "صنف وجمع، وفي فنون العلم برع، وكان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل كامل السؤدد، ولي قضاء إشبيلية فحمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة فعزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه، وهو ممن يقال فيهم إنه بلغ مرتبة الاجتهاد ".
وله تصانيف كثيرة في علوم شتى، منها: أحكام القرآن، وأنوار الفجر في تفسير القرآن، والقانون في تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، والمقتبس من القراءات، والقبس على موطأ مالك بن أنس، والمسالك في شرح موطأ مالك، وعارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والإنصاف في مسائل الخلاف، والمحصول في أصول الفقه، والعواصم من القواصم، وملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين، وسراج المريدين في سبيل المهتدين.
وتوفي قرب مدينة فارس في ربيع الأول سنة 543هـ، وحمل ميتاً إلى مدينة فاس، ودفن بها[1].

وكتاب (أحكام القرآن) لابن العربي يعرض لآيات الأحكام مرتبة في كل سورة، ثم يشرحها ويستخرج ما فيها من أحكام، وطريقته في ذلك أن يذكر السورة ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الأحكام، ثم يأخذ في شرح هذه الآيات آية آية.. قائلاً: الآية الأولى وفيها خمس مسائل (مثلاً)، الآية الثانية وفيها سبع مسائل (مثلاً)....وهكذا حتى يفرغ من آيات الأحكام الموجودة في السورة [2].
وقد خلا كتابه من ثمان سور فقط لم يتعرض لها بذكر، وهذه السور هي: سورة القمر، والحاقة، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والقارعة، والهمزة، والكافرون.

(2)
والمطالع لكتاب (أحكام القرآن) لابن العربي يستطيع أن يقف على حقيقتين مهمتين:
الأولى: أن ابن العربي وظف تبحره في سائر علوم الشريعة واللغة وغيرها لخدمة قضايا الكتاب ومسائله المتوجهة رأساً إلى استنباط الأحكام الفقهية.

الثانية: أن هذا الكتاب كما أنه يعتبر مصدراً مهماً للتفسير الفقهي عند المالكية؛ لأن مؤلفه مالكي متأثر بمذهبه، فإنه يعتبر كذلك مصدراً مهماً من مصادر التفسير الفقهي المقارن؛ لأن صاحبه درج على استعراض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها والترجيح بينها.
وإذا كان الأمر كذلك... فما مدى ارتباط ابن العربي في تفسيره بمذهبه الفقهي؟ وما موقفه من أصحاب المذاهب الأخرى؟.
الذي يفهم من كلام الشيخ الذهبي أن ابن العربي كان متردداً بين التعصب لمذهبه المالكي تارة، والإنصاف لمخالفيه تارة أخرى، إلا أن روح التعصب كانت هي الغالبة عليه، وهي التي جعلته في أحيان كثيرة يرمي مخالفه وإن كان إماماً له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة.. ثم ساق الشيخ الجليل أمثلة تدل على إنصافه، ومثالاً واحداً يدل على تعصبه، وأمثلة تدل على حملته على مخالفي مذهبه[3].

ومن خلال مطالعتي لكتاب (أحكام القرآن) لابن العربي أرى أن ما ذهب إليه الشيخ الذهبي بحاجة إلى مناقشة وتحقيق، وبيان ذلك كالآتي:
أولاً: إن القول بأن روح التعصب المذهبي كانت هي الغالبة على ابن العربي المالكي قول يحمل قدراً من المبالغة يدركها من رأى رده على المالكية أنفسهم واعتداده بما صح أو بما أداه إليه اجتهاده ونظره، وقد أحصى له محمد بن سيدي عبد القادر أربعين مسألة في سورة البقرة وحدها خالف فيها ابن العربي مذهب المالكية[4].
وأحسب أن شخصية ابن العربي القوية فضلاً عن التكوين الموسوعي لعقليته العلمية هما اللذان قاداه إلى البعد عن التقليد المذهبي، والاعتداد بما رجح عنده، بصرف النظر عن قائله.
"وربما كان مرد تهمة التعصب هذه راجعا إلى أن ابن العربي كان إذا أراد أن ينصر المذهب المالكي لكونه – فقط – هو الراجح عنده نصره بقوة، وما ينال به المخالف من عبارة لا تليق مرجعه في الغالب ردة فعل على الخصم الذي قد يكون نال من المالكية"[5].

ثانياً: إنني أسلم للشيخ الذهبي بأن كتاب ابن العربي ورد فيه عبارات قاسية يرمي بها أئمة المذاهب الأخرى وأتباعهم، في أحيان كثيرة، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح.
لكن الذي أعجب له أن ابن العربي الذي خالف مذهبه المالكي وتحمس لرأي المذاهب الأخرى في كثير من المسائل إذا تبين له قوة أدلة المذاهب وضعف حجة مذهبه هو نفسه الذي يقسو بشدة على أئمة المذاهب الأخرى وأتباعهم، في كثير من المواقف.
فنجده – مثلاً – يرجح مذهب أبي حنيفة في القول بوجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض، ويضعف مذهبه – مذهب مالك وغيره – لما أداه الدليل إلى ذلك، فعند تفسيره لقوله تعالى "وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" [سورة الأنعام :141] قال: (وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق..... ونصر هذا الرأي، وضعف مذهبه والمذاهب الأخرى)[6].
ونجده في موقف آخر يقسو في رده على إمام أبي حنيفة فيصف كلامه بأنه متناقض.. ثم يقول وقد مهدناه في مسائل الخلاف[7]، وقد تشتد قسوته فيقول عنه: "وهذه عثرة لفهمه لا يقالها"[8]، أو يقول عنه "كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة، لهي فيها أشهر منه في العلماء"[9].
ونجده في عدد من المواقف ينصر آراء الإمام الشافعي، ويضعف مذهبه – مذهب الإمام مالك وغيره - لكون رأي الشافعي هو الذي ترجح عنده حسبما لاح له من الدلائل.
فعند تفسيره لقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد [سورة البقرة: 187] رجح ابن العربي مذهب الشافعي في القول بأن الاعتكاف غير مقدر بمدة، وضعف مذهبه ومذهب أبي حنيفة القائلين بأنه مقدر بيوم وليلة؛ لأن الصوم عندهما من شرطه[10].
وعند تفسيره لقوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [سورة الأنعام: 162،163] ذكر حكم الاستفتاح بهاتين الآيتين في الصلاة، وصوَّب رأي الإمام الشافعي بأن ذلك من سنن الصلوات لصحة الحديث الدال على أن النبي كان يستفتح بهما صلاته[11].
وعند تفسيره لقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن [سورة الطلاق: 1] يخالف رأى ابن القاسم من فقهاء المالكية القائل بأن التى جهل حيضها بالاستحاضة تعتد ثلاثة أشهر بعد تسعة، ويأخذ برأي الإمام الشافعي القائل بأن عدتها ثلاثة أشهر، ويقول عنه: وهو الصحيح عندي[12].

كما نجده فى مواقف أخرى يتطاول على الإمام الشافعي، فيقول عنه: "وهذا تقصير عظيم من الشافعي، وقد بيناه في مسائل الخلاف[13]، ويقول عنه "ومن هنا وهم الشافعي في قوله: إنه إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء الوضوء كلها أنه يستعمله فيما كفاه ويتيمم لباقيه، فخالف مقتضى اللغة وأصول الشريعة.. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف"[14].
وقد يتطاول عنه بالتلميح، وذلك مثل قوله "وظن الشافعي – وهو عند أصحابه معد بن عدنان في الفصاحة بله أبي حنيفة وسواه – أن الغسل صب الماء على المغسول من غير عرك = (دلك)، وقد بينا فساد ذلك في مسائل الخلاف[15].
وقد يقسو على أتباع المذاهب الفقهية الأخرى ببعض العبارات القاسية، ومن ذلك وصفه لكلام أبي بكر الرازي الجصاص إمام الحنفية في زمانه بأنه كلام جاهل بمنهاج الشرع، أو متهكم لا يبالي بما يرد القول[16].
ومن ذلك أيضاً نقده اللاذع لعلي بن محمد الطبري الكيا الهراسي الشافعي؛ لأنه ضعَّف رأي إسماعيل بن إسحاق قاضي بغداد وناشر مذهب المالكية في العراق، ومما قاله له: "إما أن فكيك ضعفا عن لوك ما قاله إسماعيل وإما تعاميت عمداً"[17].
وقد يقسو على بعض الناس ببعض العبارات الشديدة دون أن يصرح بأسمائهم، ومن هذه العبارات قوله: "ولقد بلغت الجهالة بأقوام"[18]، وقوله: "ظن جهلة من الناس"[19]، وقوله: "اعتقد قوم من الغافلين"[20].

والذي يظهر لي أن قسوة ابن العربي المالكي في ألفاظه وعباراته أثناء رده على أئمة المذاهب الفقهية الأخرى وأتباعهم الذاهبين إلى ما لم يذهب إليه مرجعه في الغالب إلى إكثاره من مناظرة أتباع هذه المذاهب ومحاوراتهم خاصة في رحلاته إلى المشرق، حتى إنه ألف كتاباً في مسائل الخلاف بين المذاهب الفقهية ويشهد لهذا قوله في كثير من سياقات هذه الردود العنيفة – كما نقلنا عنه –: "وقد مهدناه في مسائل الخلاف"،"وقد بينا فساد ذلك في مسائل الخلاف".
وربما يكون مرجع ذلك أيضاً ردة فعل الخصم الذي قد يكون نال من المالكية أثناء هذه المناظرات، ويمكن أن يشهد لهذا أننا نجده في بعض المواقف يكون شديد الاعتداد بالإمام مالك بن أنس ، ويقارن بينه وبين غيره من الأئمة، ويبالغ في مدحه إلى الدرجة التي ينال بها من أئمة المذاهب الفقهية الأخرى.
فمن ذلك مثلاً قوله في المقارنة بين الإمام أبي حنيفة والإمام مالك:" ولكنه [يقصد أبا حنيفة] سكن دار الضرب [يريد بغداد] فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن [يريد المدينة المنورة] لما صدر عنه إلا إبريز الدين وإكسير الملة كما صدر عن مالك[21].
وقوله في المقارنة بين الإمام مالك والإمام الشافعي:"كل ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به فهو كله جزء من مالك ونغبة = (جرعة) من بحره، ومالك أوعى سمعاً، وأثقب فهماً، وأفصح لساناً، وأبرع بياناً، وأبدع وصفاً،ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل[22].

وقوله أيضاً: "والشافعي ومن سواه لا يلحظون الشريعة بعين مالك ، ولا يلتفتون إلى المصالح، ولا يعتبرون المقاصد، وإنما يلحظون الظواهر وما يستنبطون منها، وقد بينا ذلك في أصول الفقه والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس[23].
هذا فضلاً عن اعتداد ابن العربي بشخصيته التي وصفها الحافظ الذهبي بأنها كانت ذا شدة وسطوة، وكانت سبباً في عزله من القضاء.
فهذا وذاك أدى به إلى هذا التطاول على أئمة المذاهب الفقهية وأتباعهم، وهو الأمر الذي لا يليق بمكانة ابن العربي العلمية الرفيعة وموسوعيته المشهود بها التي كانت أدعى إلى عفة اللسان ولطافة القول.
ولله در الإمام القرطبي الذي آلى على نفسه أن يدافع عمن يهاجمهم ابن العربي مع توجيه اللوم إليه أحياناً على ما يصدر منه من عبارات عنيفة في حق الفقهاء الأجلاء الذاهبين إلى غير ما يذهب إليه.


[1] انظر ترجمته في : الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون 2/252-256 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 2/197-204 ، وطبقات المفسرين للسيوطي ص34 ، وطبقات المفسرين للداودي 2/162-166 ، ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للتلمساني 2/233-250 ، ومقدمة المحقق لكتابه (أحكام القرآن)1/4-7.
[2] التفسير والمفسرون ، الذهبي 2/430.
[3] المرجع السابق 2/431 وما بعدها.
[4] انظر: ترجيحات القاضي أبي بكر بن العربي في التفسير من خلال كتابه (أحكام القرآن) عرضا ودراسة من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة النساء 2/1920 - رسالة دكتوراه من إعداد محمد بن سيدي عبد القادر مقدمة إلى قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1424/ 1425هـ..
[5] المرجع السابق 2/1920
[6] انظر : أحكام القرآن – لابن العربي 2/759 وما بعدها .
[7] المصدر السابق 1/284-285 عند تفسيره لقوله تعالى "ومن دخله كان آمناً " [سورة آل عمران/ من الآية 97]
[8] المصدر السابق 2/572 عند تفسيره لقوله تعالى "وامسحوا برؤوسكم" [سورة المائدة / من الآية6]
[9] المصدر السابق 1/501 عند تفسير لقوله تعالى "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" [سورة النساء / من الآية119]
[10] المصدر السابق 1/95 .
[11] المصدر السابق 2/772.
[12] المصدر السابق 4/1828 .
[13] المصدر السابق 3/1325 عند تفسيره لقوله تعالى "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " [سورة النور / من الآية2]
[14] المصدر السابق 1/446 ،447 عند تفسيره لقوله تعالى "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيبا " [سورة النساء / من الآية 43]
[15] المصدر السابق 2/562 عند تفسيره لقوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم" [سورة المائدة / من الآية 6]
[16] المصدر السابق 1/394 عند تفسيره لقوله تعالى "فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات " [سورة النساء / من الآية 25]
[17] المصدر السابق 3/1207– 1208 عند تفسيره لقوله تعالى "ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل" [سورة الإسراء/من الآية33].
[18] المصدر السابق 1/63 عند تفسيره لقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى" [سورة البقرة / من الآية178]
[19] المصدر السابق 1/192عند تفسيره لقوله تعالى "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" [سورة البقرة / من الآية229]
[20] المصدر السابق 1/700عند تفسيره لقوله تعالى "قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين" [سورة / المائدة / من الآية 102 ]
[21] المصدر السابق 2/771عند تفسيره لقوله تعالى "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" [سورة الإسراء/ من الآية152]
[22] المصدر السابق 1/314 عند تفسيره لقوله تعالى "ذلك أدنى أن لا تعولوا " [سورة النساء / من الآية3]
[23] المصدر السابق2/ 623عند تفسيره لقوله تعالى "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" [سورة المائدة / من الآية44]