يقول الحق تعالى : " إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24 وَ اللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 25 " [يونس] ..
تقرر هذه الآية حقيقة الدنيا و طبيعة علاقة الإنسان بها .. الدنيا و قد أينعت و تزينت فراقت الناظر إليها سحرا و خلبت اللاهث خلفها بريقا , لينسى الإنسان في غمرة هذه الفتنة الساحرة و البريق الخالب حقيقة مهمته في الحياة و طبيعة الدور المنوط به و المسؤولية المكلف بها .. فالدنيا تبدأ شيئا تافها لا قيمة له ثم ينطلق الإنسان في زينتها و زخرفتها ثم تصير إلى حقيقتها الأولى و كأنها لم تكن شيئا ذا بال .. تأمل هذه الصورة المعروضة هنا في الآية لتجد أنها صورة مناسبة جدا للحضارة المعاصرة , تلك الحضارة التي جهد الإنسان - و هو بعيد عن الله - في تزيينها و زخرفتها في كل شئ , ما يخطر على البال و ما يعد من ضروب الخيال , فيكفي إلقاء نظرة على مختلف الاختراعات المعاصرة و شتى الزخارف التي يجهد الإنسان المعاصر في إضفائها على حياته و الرغبة الجامحة في تييسر كل و تسهيل كل شئ ليستمتع أكثر و ليلهو أكثر و ليتذوق من اللذة أكثر .. يكفي هذه النظرة على الحياة المعاصرة لندرك روعة إعجاز الكلمة الإلهية : أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ .. فهنا تقرير أن الإنسان الجاهلي لم يقتصر على مظاهر تيسير حياته في الحدود المعقولة التي لا تنسيه مهمته في الحياة و التي تعنيه على القيام بمسؤولياته الملقاة عليه , لا ابدا , بل تجاوز كل الحدود إلى مستوى : التزيين بل الإنغماس في هذا الزيين , و لهذا وردت الكلمة مشدّدة : ازّيّنت , و كما تقول العرب : زيادة المبنى دليل على زيادة المعنى , و لعمر الحق هي كلمة واحدة : ازينت , غير أنها لخصت قصة الإنسان الجاهلي عندما ينسى الله و يروح في شرود تائه لينشئ فرودسه هنا في الأرض لتنقطع علاقته بالسماء , و ليت شعري ما الإنسان و هو مبتوت الصلة بالسماء ؟ لا شئ .
و انظر - يا هداك الله - الى قول الحق تعالى : أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ , لماذا ذكر الله تعالى : الأرض ؟؟ و قد ذكر أولا الحياة الدنيا ؟
في تصوري - و الله تعالى أعلم - أن هذه الكلمة تكتنز معنى رمزيا عميق الدلالة شديد الإيحاء , و ذلك أن الإنسان عندما ينسى الله أي عندما ينسى نفسه في غمرة الدنيا و العرامة العنيفة في تزيينها و تعميرها فإن صلته بالله تنقطع , و بالتالي تنحصر شخصيته بأفكارها و مشاعرها و أحلامها و رغباتها في الإرض فلا يستطيع تجاوز هذه الإرض الضيقة إلى السماء الوسيعة و هذا ما يمنع الإنسان عن توسيع مداركه و تحسس روائع الإعجاز الإلهي في الأنفس و الآفاق , و من ثم يكون ذكر كلمة : الأرض هنا , ايحاء بهذا المعنى و هو أن الإنسان لا خيار له فإما : حياة أرضية ضيقة حرجة : أفكارا و مشاعر و أحلاما و سلوكيات , و هذه هي قصة الإنسان الجاهلي , و بالتالي تتولد في أعماق حاسة الأنانية المقيتة , فلا يهتم إلا بنفسه , و لا يبحث إلا عن لذته , لأنه يعتبر أن حياته المحدودة هنا في الإرض هي نهاية القصة فلذلك هو يسعى بكل قوة و بكل قسوة و بكل عنف و يسلك كل سبيل ليستمتع أكثر , ليلهو أكثر و ليأخذ أكبر قدر ممكن من فتن الدنيا و زينتها لتكون النتيجة لكل هذا هي : البؤس الأليم , المعاناة القاسية , التمزّق العنيف , فهو إنسان غني ماديا فقيرا روحيا .. و إما حياة أرضية موصولة بالسماء بسعتها و آفاقها و خلودها : أفكارا و مشاعر و أحلاما و سلوكيات , و هذه قصة الإنسان المسلم , و بالتالي حياة يعيش حياة هنية طيبة رائعة و جميلة , و بالتالي يتسطيع التعامل و التفاعل مع الدنيا بتعال رائع و سمو جميل لأنه يعتبر ان حياته هنا بصورة مؤقتة فقط سيرحل عنها يوما إلى عالم الخلد حيث حياة الأبد مع الله و الملائكة و الصالحين .
و انظر - أكرمك الله - لروعة الإعجاز في الكلمة الثانية : وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا .. انها حقيقة الإنسان عندما ينفصل معرفيا و شعوريا عن الله تعالى , يحصر نفسه في أنانيته الآفنة ثم ينطلق في الأرض و هو يحسب أنه لا يعجزه شئ , لأنه بالعقل , بالعلم , بالقانون , قادر على كل شئ , يخضعه , يطوره , و يحدد مصيره , اي الإنسان و هو بعيد عن الله تتشكل في نفسه عقيدة الألوهية الزائفة , فيظن نفسه أنه إله نفسه و إله الأرض , و ثم يعلن - كما أعلن صراحة المتفلسف الألماني نيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت - موت الإله الحقيقي لينصب نفسه إلها زائفا و كذبا و غرورا .. و انظر لدقة التعبير العميق في قوله تعالى : و ظن أهلها , و لم يقل سبحانه : اعتقد , ايقن , و ما شابه من كلمات اليقين الواضخ بل هو فقط ظن كاذب من هذا الإنسان الجهول , و تكمن روعة إعجاز هذا الكلمة في أنها الحقيقة .. الحقيقة التي يقر بها علماء و فلاسفة و مفكروا الحضارة الجاهلية , و لك أن تقرأ مثلا كتاب : الإنسان ذلك المجهول لألكسي كاريل المفكر الأمريكي .. فهم بعد تقدم العلوم و اتساع المعارف و بعد ان بلغوا في تزيين الأرض ما لم يبلغه أحد من قبل أدركوا الحقيقة و هي أنهم لا يعيشون بمكنق اليقين الصادق بل بالظن الكاذب و الوهم الخادع ..
فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ .. و لأن الحق تعالى قد بنى هذا الكون و أنشأ هذه الحياة و اقام الوجود كله على قانون الحق و منهج العدل , فإنه جل شأنه لا يأذن للظن الكاذب و لا للوهم الخادع أن يهيمن على حركة الحياة يوجهها إلى مساراته الشاردة , لأنه يذلك تتحطم معاني الفطرة في الإنسان نفسه و في الوجود من حوله .. لأن هذه هي حقيقة العدالة الإلهية و قانون حكمتها الفائقة , لاجرم و قد بلغ الإنسان الجاهلي من السفاهة الزائفة التي يحسبها قدرة و عظمة , مبلغا فظيعا جدا يؤذن بانحاف حركة الحياة بصورة مطلقة , لا جرم أن يأتي أمر الله تعالى ليدمر هذه الحضارة الكاذبة الخادعة تدميرا كليّا لا يبقى منها شيئا .. هذا هو إيحاء : فجعلناها حصيدا , و ما عليك يا صاحبي إلا أن تطلق العنان لخيالك لتتبع صورة الحصاد و آثاره .. إنني اعتقد جازما أن مستقبل الحضارة الإنسانية سيكون فظيعا جدا في صورته , مداه , و أهواله , و ما أقرأ هذه الاية إلا و أجدني فزعا مرعوبا سائلا الحق تعالى العافية لي و لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم .
نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .. هذه الصورة التي رسمتها الاية حري بالعقلاء أن يتفكروا فيها و يتأملوا معانيها ليبذلوا الجهد الأكيد في الإنقاذ عسى أن يدركوا شناعة ظن الإنسان الجاهلي فيطامنوا من غروره و صلفه البئيس .
وَ اللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .. و تكمل الروعة الفارعة بهذه الخاتمة .. في غمرة الضجيج و الصخب و اللهاث و في غمرة القلق و الاضطراب و الفزع و الخوف من المجهول , في هذه الغمرة التي ألقى فيها الإنسان الجاهلي و هو بعيد عن الله تعالى , يأتي نداء الله البر الرحيم الودود الكريم الذي خلق هذا الإنسان ليكون إنسانا كريما و ليعيش بمعاني إنسانياته الجملية , يدب في الإرض و هو موصول بالسماء .. يأتي نداء الله لهذا الإنسان إلى دخول دار السلام .. أنه السلام الذي يوفر منهج الله تعالى في الحياة الدنيا : سلام الفكر , سلام الشعور , سلام السلوك , سلام العلاقات الإجتماعية فإذا بالإنسان يعيش و هو متذوق لجماليات الحياة و روائع الإبداع الإلهي في الإنفس و الآفاق , و من ثم يعيش حياة الإستقامة , حياة الطهر , حياة التعالي و السمو الروحاني الشفيف : فكرا و شعورا و سلوكا و علاقات .. و إنه السلام في الدار الآخرة حيث جنة الخلد و حياة الأبد مع الله و الملائكة و الصالحين , و ما يدخل أحد دار السلام في هذه الدنيا " القرآن و السنة " و إلا و دخلها - بإذن الله - في الآخرة .
فانظر يا اخي / أختي لهذه الكلمات ما أضمرت من المعاني النفسية و الإجتماعية و الحضارية و الإلهية .. و لكنها روعة الكلمة الإلهية .