المسألة الثانية التي تضمنها كلام الحافظ: أن مراتب الصحيح تتفاوت.
وهذا أمرٌ معلوم، وسبب هذا التفاوت: هو أن هذه الشروط قد يقع في بعضها قصور يسير لا ينزلها عن رتبة الصحة، بسبب اختلاف درجات الثقات، ففيهم الثقة وفيهم الأوثق، وهكذا في بقية الشروط.
ولذلك نجد أن البخاري ـ مثلاً ـ يصحح أحاديث ولا يخرجها في صحيحه؛ لأنها ليست على شرطه الذي اشترطه في كتابه "الصحيح"؛ لكونه اشترط شروطاً عالية.
ومن ذلك: ما نجده من تعبير بعض العلماء بقولهم: صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، وكلاهما صحيح، والسبب تفاوت الشروط في القوة، وهذا ما عبر عنه الحافظ بقوله: (ومن ثم قد صحيح البخاري، ثم مسلم، ثم شرطهما).
س/ ما المراد بشرطهما؟
ج/ أن يروي غير الشيخين ـ البخاري ومسلم ـ حديثاً بإسناد يوجد مثله في الصحيحين أو أحدهما، وكلاهما لم يخرّجاه.
مثال ذلك: أخرج الإمام مسلمٌ في صحيحه عشرات المتون بسلسلة: العلاء بن عبدالرحمن الحُرَقي، عن أبيه، عن أبي هريرة س، فإذا جاء أبو داود وروى حديثاً بنفس الإسناد، فهنا يعبر بعض العلماء ويقول: على شرط مسلم، أي: أن هذا الإسناد أخرج به مسلم في الصحيح، وليس المعنى أن البخاري ومسلماً كتبا في مقدمة كتابيهما شروطاً لهما.
واعلم أن كثيرا ًمن العلماء توسّع في نسبة أحاديث كثيرة وتصحيحها على شرط الشيخين، ومن أشهر هؤلاء الإمام الحاكم :، فيقول كثيراً: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد وقعت له أوهام كثيرة في هذا؛ لأن مجرد وجود صورة الإسناد لا تكفي، فبالتفتيش والبحث في الأسانيد وُجد أن الشيخين رحمة الله عليهما ما تركا هذا الحديث إلا لِعِلَّة، وهذا مما يعزز ثقتك فيما خرَّجه الشيخان في الصحيحين ([1]).
المسألة الثالثة التي تضمنها كلام الحافظ: تعريف الحديث الحسن:
وخلاصة تعريف الحسن لذاته: ما رواه عدل خفيف الضبط متصل السند، من غير شذوذ ولا علة.
وقد بيّن الحافظ هذا بقوله: (فإن خفّ الضبط فالحسن لذاته) أي ضبط الراوي، فإن هذا ينزل الحديث من رتبة الصحة إلى الحُسن، وقال هنا: (لذاته)، وهذه يقال فيها ما قيل في الصحيح لذاته، سواء بسواء؛ وذلك ليبين المصنف : الفرق بين الحَسَن الذي يكتسب حُسنَه من نفسه، وبين الحَسَن الذي يكتسب حُسْنه من غيره.

فإن قلتَ: كيف عَرَفَ الأئمةُ أنه خفيف الضبط؟
ج/ بمقارنة حديثه بأحاديث الثقات، فوُجد أنه أحياناً يوافق الثقات، وأحياناً يخالفهم، لذا نزل في درجته عنهم درجتهم.
ـ تعريف الحسن لغيره:
هو الحديث الضعيف ضعفاً يسيراً منجبراً إذا كثرت طرقه وتعددت، فإنه يرتقي إلى درجة الحسن، ولكن لغيره؛ لأن حُسْنَه مُكْتَسبٌ من غيره وليس من ذاته.



المسألة الرابعة التي تضمنها كلام الحافظ : قوله : (فإن جُمِعَا، فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).
مراد المصنف بهذه الجملة: أن بعض الأئمة ـ وأشهرهم الترمذي ـ يجمع في حكمه على الأسانيد بين وصف الصحة والحسن، فيقول: (حَسَنٌ صَحيحٌ)([2])، وهذا معنى قوله: (جمعا) أي وَصْفا الصِّحةِ والحُسْنِ.
وهنا تساؤل: كيف يجمع بين هذين الوصفين وقد تبين لنا الفرق بينهما؟
البحث في هذه المسألة طويل، وقد تشعّب كلام العلماء فيها، والذي يهمّنا في هذا المقام هو توضيح كلام الحافظ : ، فإنه يقول في حلِّ هذا الإشكال:
إن الأمر لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون السبب في هذا الحكم هو تردد الإمام الناقد في الحكم على الراوي الذي نقل الحديث أو الخبر، فكأن الإمام حين يقول: (حسن صحيح) يقصد: (حسن) أو (صحيح)؛ لأن الراوي عنده متردد بين مرتبة الثقة والصدوق، فكأنه حذف حرف العطف, وهذا معروف في لغة العرب، فكأنه يقول: أنا متردد في الحكم عليه بين الصِّحة(الثقة) وبين الحُسْن(الصدوق)، ويكون هذا إذا لم يكن للحديث إلا إسناد واحد؛ لأن الحافظ قال: (حيث التفرد).
الحال الثانية: أن يكون الحديث الذي حكم عليه الإمام بأنه (حسنٌ صحيحٌ) له إسنادان؛ فمراده حينئذٍ: أن أحد الإسنادين (حسن) والآخر (صحيح).
كلام الحافظ هنا : سهل التصور، لكن في تطبيقه ملاحظات وتعقبات، بمعنى: أن الإمام الترمذي - مثلاً - وُجدت أسانيدُ حَكَم عليها بأنها (حسن صحيح) وكل رجالها ثقات أثبات! وليس له إلا إسناد واحد! فهذا أحد الأقوال في توجيه كلام الترمذي.
والمهم في هذا المقام: أن يفهم طالب العلم أن كلام الحافظ هذا فيه نظر من جهة التطبيق، والأمر الآخر: أن هذه المسألة ليست من الأصول، أي لا يترتب عليها كبير شيء؛ لأن الغرض هنا: لماذا عبَّر الإمام بهذه الصيغة؟ وفي النهاية: هل الحديث صحيح أو حسن؟ فيبقى قول الإمامِ من الأئمة قولاً يُقارَن بغيره من الأقوال، فهو اجتهاد وقابل للنقاش.
أن هذه المسألة ليست مهمة، فلا ينشغل طالب هذا الفن فيها كثيراً.
ــــــــــــــ


زيادة الثقة

لمّا بين المصنف ما يتعلق بتعريف الحديث الصحيح والحسن، انتقل إلى الكلام على مسألة مهمة جداً، وهي مسألة زيادة الثقات، فقال: (وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق).
فقوله: (وزيادة راويهما) أي الصحيح والحسن، (مقبولة) بشرطين، الأول منهما: (ما لم تقع منافية) والثاني: أن يكون المُخَالِف أوثق، وهو ما عبر عنه بقوله: (من هو أوثق).
مسألة (زيادة الثقات)، من أهم مسائل هذا العلم، بل إن علم عِلل الحديث - الذي هو أصعب وأدق علوم الحديث - قائمٌ على هذه الجملة، ولذا لم يبرع في علم العلل إلا أئمة قلائل معدودون، وكان الحافظ ابن رجب، وابن حجر، والذهبي وغيرهم - على جلالتهم وحفظهم - يقولون: إن هؤلاء في علماء الحديث كالكبريت الأحمر يُذكر ولا يُبصر؛ تعبيراً عن ندرتهم، فهو علمٌ يحتاج إلى حفظٍ واسع.
والباحثون المعاصرون ينبغي أن يتركز جهدهم في فهم كلام الأئمة في التعليل، ولا بأس أن يبحث الواحدُ حديثاً، أو حديثين، أو ثلاثة، أو مائة، كما يُفعل في رسائل الماجستير والدكتوراه، لكن منزلة أولئك الحفاظ - الذين علومهم في صدورهم - هذه لا تتكرر! إلا أن يشاء الله ([3]).
وبخصوص كلام الحافظ، فهنا بعض التنبيهات:
¦ التنبيه الأول: اعلم أن زيادة الثقات تقع في الأسانيد وتقع في المتون أيضاً.
¦ التنبيه الثاني: في معنى المنافاة، وهو: أنه يلزم من قبولها إبطال الباقي.
صورة المنافاة: لو روى راوٍ بمشروعية صيام يوم السبت، ثم جاء آخر وقال: نُهي عن صيام يوم السبت! هذه منافاة؛ لأنه يلزم من قبول أحدهما رد الأخرى.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل هناك زيادة تتحقق فيها المنافاة بهذا المعنى؟
ج/ حسب البحث والسؤال في تعليلات الأئمة الكبار: لا يوجد زيادة بهذا الوصف الذي بينته آنفاً (منافاة) ولكن يوجد نوع منافاة، أو زيادة على الآخرين، أما المنافاة المحضة فلا.
وعلى هذا: فالصحيح أن الزيادة التي يبحثها الأئمة لا يشترط فيها أن تكون منافية، بل هم يتحدثون عن أي زيادة يتفرد بها أحد الثقات، ولو لم يكن لها أثر في الحكم، وسواء كان فيها نوع منافاة([4]) أم لا!
وسنوضح ذلك بمثالين:
المثال الأول لزيادة انتقدها بعض الأئمة ـ وليس فيها منافاة ولا نوع منافاة ـ:
روى أبو داود في سننه([5])، عن سلمان بن عامر س، قال: قال رسول الله ج: «إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد التمر فعلى الماء؛ فإن الماء طهور».
هذا الحديث رواه ثمانية من الحفاظ: (ابن عيينة، والثوري، وأبو معاوية الضرير، وحماد بن زيد، وشعبة، وابن فضيل، وعبد الرحيم بن سلميان، وثابت بن يزيد) عن عاصم الأحول، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.
وبعد البحث تبين أن الإمام سفيان بن عيينة زاد – بعد قوله "فليفطر على تمر" -: (فإنه بركة) ولهذا قال النسائي (في سننه الكبرى 2/254): "هذا الحرف (فإنه بركة) لا نعلم أن أحداً ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظاً"ا.هـ.
ففي نقد النسائي ما يؤكد أن الأئمة يفتشون عن الألفاظ الزائدة وإن لم يكن فيها منافاة، أو أثر في الحكم، فإن التعليل للفطر على التمر بأنه مبارك، لا يوجد فيه أي منافاة، ومع هذا فقد جزم النسائي بأن هذه الزيادة غير محفوظة، أي: شاذة.
المثال الثانية لزيادة انتقدها بعض الأئمة ـ وفيها نوع منافاة ـ:
روى أبو داود([6]) من طريق موسى بن عُلَيّ بن رباح، قال : سمعت أبي، أنه سمع عقبة بن عامر قال : قال رسول الله ج: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب».
هذا الحديث، روي عن جماعة من الصحابة ش، وليس فيه ذِكرٌ ليوم عرفة ألبتة، فجاء هذا الراوي (موسى بن عُليّ) ـ وهو وثقة على الراجح ـ فروى هذا الحديث بهذه الزيادة فأخطأ.
يقول ابن عبدالبر : في "التمهيد": "هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي، عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي e من وجوه: "يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق أيام أكل وشرب" وقد أجمع العلماء على أن يوم عرفة جائز صيامه للمتمتع إذا لم يجد هدياً، وأنه جائز صيامه بغير مكة"([7]).
فانظر كيف جزم ابن عبدالبر بخطأ هذا الراوي، وشذوذ هذه الجملة (يوم عرفة)، لأن فيها نوع منافاة؛ وعلل هذا بأنه خلاف النصوص التي تدل على أن يوم عرفة ليس يوم عيد، بل هو مما يصام لمن لم يجد الهدي، ومستحب صيامه لغير الحجاج.
& التنبيه الثالث: قرر الحافظ أن زيادة راوي الحديث الصحيح والحسن مقبولة بالشرطين المذكورين: 1 ـ أن تكون منافية. 2 ـ أن تكون منافية لمن هو أوثق.
والعجيب أن الحافظ خالف هذا التقرير في شرحه هو للنخبة، فقال ما نصّه: "والمَنقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ - كعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ الرازي، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم - اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ"([8]).
فتأمل قول الحافظ هنا : (اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها) ثم فسّرها بقوله بعد ذلك: (ولا يعرف عن أحدٍ منهم إطلاق قبول الزيادة).
وعلى هذا؛ فالقول الذي ذكره في "النخبة" من أن زيادة راوي الصحيح أو الحسن مقبولة إلا إذا وقعت منافيةً لمن هو أوثق غير دقيق، وكلامه في الشرح أصح من كلامه في المتن، والأمثلة التي ذكرناها توضح ذلك.
س/ بأي شيء يرجح الأئمة قبول أو ردّ زيادات الثقات؟
ج/ يرجحون بالقرائن، وهي كثيرة، لكن من أبرزها:
- كثرة الرواة الذين رووها، أي: خمسة، ستة، عشرة يخالفهم واحد، الأغلب أن الصواب يكون مع الكثرة.
- أو كونهم أحفظ من الذين لم يأتوا بها.
- أو كون الراوي أخص بالشيخ، مثل خصوصية محمد بن جعفر - المشهور بغُنْدَر – بشُعبة (وهو ربيبُه ابنُ زوجته) أو خصوصية إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي بجَدِّه، أو خصوصية أبي معاوية الضرير بالأعمش.
والخلاصة لما تقدّم:
أولاً: أن زيادة الثقات من أدق علوم الحديث وأغمضها.
ثانياً: أن زيادة الثقات، القول الراجح فيها أنه لا يُحكم عليها بقبول ولا بِرَد، وإنما يُنظر في القرائن، فإن تبين من القرائن ثبوتها قبلناها، وإن تبين ضعفها أو عدم ثبوتها رددناها، ولا يُشترط أن تكون منافية أو غير منافية، أو أن تكون مؤثرة أو غير مؤثرة.



([1]) مثال لحديث رواه العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة س ، وأعرض عنه مسلم لوجود علّة خفية، وهو حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" فهذا مما استنكر على العلاء بن عبدالرحمن، ولهذا أعرض عنه الإمام مسلم، مع أنه أخرج في صحيحه من هذه السلسلة أحاديث كثيرة.

([2]) هذا التركيب في الحكم على الأحاديث: (حسن صحيح) موجود في كلام ابن المديني، والإمام أحمد، ويعقوب بن شيبة، والإمام البخاري، لكنه نادر بالنسبة لكثرة استعمال الترمذي.

([3]) ومن الأمثلة على ذلك: كتاب (العلل) للإمام الدارقطني، هو مطبوع الآن في نحو ستة عشر مجلداً! إذا قرأتَه تحتاج إلى تركيز شديد وأنت تقرأ فقط! مِن تشابك الطُرُق واختلافِها، وهذا الراوي زاد، وهذا نقص، وأوجه عجيبة جداً، ثم يزداد عجبك إذا علمت أن الدارقطني أملى هذا الكتاب من رأسه، كما ذكره البرقاني - أحد تلامذة الدارقطني.
ينظر: تاريخ بغداد: (13/ 487)، تاريخ دمشق: (43/ 102)، ولتصنيف الدارقطني هذا الكتاب قصة لطيفة، انظرها في التاريخين المذكورين.

([4]) التعبير بنوع المنافاة أدق من التعبير بالمنافاة؛ لأنه تقرر أن المنافاة المحضة غير موجودة، وإنما الذي قد يوجد هو نوع المنافاة، مثل: تقييد مطلق، أو تخصيص عام، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون مرادهم بنوع المنافاة: تقييد ال

([5]) أبو داود ح( 2355 ).

([6]) سنن أبي داود ح (2419).

([7]) التمهيد 21/163.

([8]) نزهة النظر: (96).