(1) صحيح البخاري وشرحه
حَدَّثَنَا سَعِيدُبْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِشِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِيالْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ. فَقُلْتُ: لِمَنْهَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُفَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَاللَّهِ!
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني
وَقَوْله: "أَعَلَيْك أَغَارَ" مَعْدُودمِنْ الْقَلْب, وَالْأَصْل "أَعْلَيْهَا أَغَارَ مِنْك؟"
(2) حاشية الصبان
قوله تعالى: إِنَّالْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الحجر: 45، الذاريات: 15]، حقيقية بالنسبةإلى الجنات مجازية بالنسبة إلى العيون، فيلزم استعمال كلمة "في" حقيقة ومجازًا، فماوجهه عند مانع ذلك؟ أجيب بأنه يجعل من عموم المجاز بجعل "في" مستعملة في ظرفيةمجازية تناسبهما، وهي مطلق الملابسة. ومن المكانية الحقيقية أدخلت الخاتم في أصبعي،والقلنسوة في رأسي إلا أن فيهما قلبًا؛ لأنه لما كان المناسب نقل المظروف للظرفوالأمر هنا بالعكس قلبوا الكلام رعاية لهذا الاعتبار. ونظيرهما في القلب عرضتالناقة على الحوض؛ لأن المعروض ليس له اختيار، وإنما الاختيار للمعروض عليه فقديقبل وقد يرد. لكن لما كان المناسب أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه، والأمر هنابالعكس قلبوا الكلام رعاية لهذا الاعتبار، وقيل: المقلوب عرضت الحوض على الناقة،وقيل: لا قلب في واحد منهما.
(2) "اللباب في علوم الكتاب" لأبي حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي
أ-قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) مبتدأ وخبر،وسوَّغَ الابتداء بالنكرة العموم والإضافة.
والجمهور على "ذَائِقَةٌ المَوْتَ" بالتنوين والنَّصْب في "الْمَوْتِ" على الأصل. وقرأ الأعمشُبعدم التنوين ونَصْب "الْمَوْت" وذلك على حَذْف التنوين؛ لالتقاء الساكنين وإرادتهوهو كقول الشاعرِ [المتقارب]:
1704 - فأَلْقَيْتُهُغَيْرَ مُسْتَعْتَبٍ * وَلاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّقَلِيلا
بنصب الجلالة، وقراءة مَنْ قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدٌ اللَّهُ) [ الإخلاص: 1، 2] بحذف التنوين من" أحَدٌ" لالتقاءالساكنين.
[ونقل] أبو البقاء فيها قراءةً غريبةً، وتخريجاًغريباً، قال: "وتقرأ شاذاً - أيضاً - ذَائِقُهُ الْمَوْتُ على جعل الهاء ضمير "كل" على اللفظ، وهو مبتدأ وخبرٌ، وإذا صحت هذه قراءةٌ فتكون "كل" مبتدأ، و"ذَائِقُة" خبر مقدَّم، و"الْمَوْتُ" مبتدأ مؤخرٌ، والجملة خبر "كُلّ" وأضيف "ذائق" إلى ضمير "كل" باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب القلب في الكلام؛ لأن النفس هي التي تذوقالموت وليس الموت يذوقها، وهنا جعل الموت هو الذي يذوق النفس قَلْباً للكلامِ؛ لفهمالمعنى، كقولهم: عَرَضْتُ الناقة على الحوض. ومنه قوله: (وَيَوْمَ يُعْرَضُالَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ) [ الأحقاف: 34]. وقولك: أدخلت القلنسوة فيرأسي.
وقول الشَّاعرِ [البسيط]:
1705 - مِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ* نَجْرَانَ، أوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ
الأصل: عرضت الحوض علىالناقة، ويوم تُعْرَض النار على الذين كفروا، وأدخلت رأسي في القلنسوة، وبلغتسوآتهم هَجَرَ، فقلبت.
وكان أبو البقاء قدقَدَّم قبل هذا التأنيث في "ذائقة" إنما هو باعتبار معنى "كلٍّ" قال: لأن كل نفسنفوس، فلو ذكر على لفظ "كل" جاز، يعني أنه لو قيل: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ) جاز،وقد تَقَدَّمَ أول البقرة أنه يجب [ اعتبار ] لفظ ما يُضافُ إليه إذا كان نكرة ولايجوز أن يعتبر "كل".

ب- (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِيفَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَلَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَوَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةًفَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ وَلَقَدِاسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّاكَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).
قوله تعالى: (خُلِقَالإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) الآية. في المراد بالإنسانقولان:
أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ). (والمعنى أن ينتبه من العجلة وعليها طبع كماقال: (وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً) [ الإسراء: 11]. فإن قيل: مقدمة الكلام لا بدوأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه، فلمرتب على هذه المقدمة قوله: (فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ)؟ فالجواب أنه تعالى نبه بهذاعلى أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها.
القول الثاني: أنالمراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضربن الحرث. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المرادآدم . وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل شيء من آخرنهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمارالجنة فوقع فقيل: (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ). والقول الأول أولى؛ لأن الغرضذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: "من عجل" فيهقولان:
أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خُلِقَ العَجَلُمِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له، وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءةعبد الله: "وَخُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ". والقلب موجود في كلامهم قالالشاعر:
3714 - حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِآخذُهُ
يريد: حسرت السربال عنكفي.
ومثله في الكلام: إذا طلعت الشِّعرى استوى العود علىالحِرْبَاء، وقالوا: عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصهبالضرورة وتقدم فيه ثلاثة مذاهب.
والثاني: أنه لا قلبفيه، وفيه ثلاث تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة.
3-" تفسير البحر المحيط"لأبي حيان
(وَيَوْمَ يُعْرَضُ): أي يعذب بالنار، كما يقال: عرضعلى السيف، إذا قتل به. والعرض: المباشرة، كما تقول: عرضت العود على النار: أيباشرت به النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم: عرضتالناقة على الحوض، يريدون عرض الحوض عليها، فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاءبهم إليها فيكشف لهم عنها. انتهى. ولا ينبغي حمل القرآن على القلب؛ إذ الصحيح فيالقلب أنه مما يضطر إليه في الشعر. وإذا كان المعنى صحيحاً واضحاً مع عدم القلب،فأي ضرورة ندعو إليه؟ وليس في قولهم: عرضت الناقة على الحوض، ولا في تفسير ابن عباسما يدل على القلب؛ لأن عرض الناقة على الحوض، وعرض الحوض على الناقة- كل منهم صحيح؛إذ العرض أمر نسبي يصح إسناده لكل واحد من الناقةوالحوض.
4- قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة
1- يتوارد على أقلامالكاتبين مثل قولهم: كلفت البناء مالاً كثيراً، أو كلفت الكتاب كذا من المال. والأصل في التكليف أو التكلِفة أن يقال: كلفني البناء كذا، أو كلفني الكتاب كذا، أياقتضى مني كلفة وجهداً من المال أو الوقت أو نحو ذلك. وعلى هذا يعد التعبير بإسنادالتكليف إلى الشخص وإيقاعه على العمل عكساً للمعنى المقصود؛ إذ المراد أن العمل هوالذي يكلف الشخص، لا العكس.
2- والذي نستظهره منسنة العربية أن هذا الصنيع ليس فيها بدعاً، فهو من ظواهر الاتساع في التصرف،والتجوز في الاستعمال، وقد نوه به البيانيون وفقهاء اللغة، وقيل بأنه كثير في كلامالعرب، بل قيل بجوازه عند أمن اللبس وعدُّوه نوعاً من القلب المكاني.
ومنهم من قسم القلب إلى لفظي ومعنوي، أو قلب في الكلمةوقلب في القصة. فمن القلب اللفظي أو القلب في الكلمة نحو جذب وجبذ، وطمس وطسم. ومنالقلب المعنوي أو القلب في القصة أمثلة من فصح العربية يتناقلها اللغويون. فمنها فيالقرآن قوله تعالى: "ما إنّ مفاتِحَه لتنوءُ بالعصبة أولى القوّة"، وإنما العصبةأولو القوة تنوء بالمفاتيح. ومنها قول الفرزدق: كما كان الزنا فريضة الرجم، أي كماكان الرجم فريضة الزنا. ومنها قول الشاعر: "وتشقى الرماح بالضباطرة الحمر"، أيوتشقى الضباطرة الحمر بالرماح. ومنها قول العرب: عرَض الدابة أو البعير على الحوض،أي عرضها أن تشرب، والمراد عرض الحوض على الدابة أو البعير، ومن الأمثلة قولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في أصبعي، وأدخلت الجورب في رجلي، وأدخلتالقبر الميت، وكل هذا يفسرونه بأنه من المقلوب.
3- بذلك يتبين أنالتعبير العصري المعروض من قَبيل القلب الذي تعددت أمثلته في فصيح كلام العرب، حتىنُصَّ على أنه كثير، وصرح بأنه جائز عند أمن اللبس.