أخطر مزالق العقل، ومنتهى منازل الجهل، وأحط مسالك الهلكة: أن يَستحب الإنسان العمى على الهدى، ويُؤْثر الغواية على الجهالة، ويستبدل بالرشاد التيه والضلال.
ولقد حكى القرآن العظيم قصة أمة بأكملها استحبت العمى على الهدى بعد أن جاءها الدليل وقامت عليها الحجة، فحلت بها عقوبة الجحود والتنكر والاستحمار:[وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [فصلت: 17] ، والهدى المذكور في الآية: هو هدى الدلالة والبيان، لا هدى التوفيق والاصطفاء، أي إنه تبين لهم بالحجة القاطعة والبرهان الساطع أن صالحاً مرسل من ربه ومبلغ عنه، فجحدوا دعوته وكذبوا به، فأصابهم ما أصاب أسلافهم من العتاة والمكذبين والمتكبرين.
وإذا كان عقاب من تبينت له الطريق ووضحت له الحجة جاء (في سياق الحديث عن قوم ثمود) بصيغ متعددة وألفاظ متنوعة، مثل: الصاعقة، والصيحة، والرجفة، والتدمير، والدمدمة، والطاغية.. مما يؤكد عظم الذنب وحجم الخطيئة مع أنهم لم يكفروا بعد إيمان، ولم يرتدوا بعد إسلام فكيف بمن يؤثر العمى على الهدى إذا كان هدى توفيق واصطفاء وإسلام؟ ! .
إن من النّخب الفكرية والثقافية في وطننا العربي من تريد تكثير سواد حملة لواء (استحباب العمى) ، وتنويع قاعدة الأتباع لتشمل فئات المجتمع بأكملها، مع التركيز على الناشئة وصناع القرار؛ لتكتمل منظومة صياغة (جيل العمى) باسم التنوير، وهي نخبة تجيد فن صياغة الشخصية، وتعدد الأقنعة، وتلون الغايات، تقتات في بيئة الخوف والذل والصغار والانكسار، لكنها واضحة وصريحة في هجومها على دعاة الهدى والإنقاذ من العمى.
فهل يَعْقل تعدد أدوار هذه النخبة، وتلوّن رموزها، وتنوع أقنعتها.. مَن يملك قرار اجتثاثها، وتخليص الأمة من مكائدها؟ ! .