الحمد لله وحده..

فهذا تقرير عقوبة المرتد بكلام علماء المسلمين،مع الحرص على النقول المحررة المحققة عنهم ؛تعضيداً لما سبق ذكره بالنقل والعقل عن هذه العقوبة،مع ملاحظة أني سأذكر أقوالهم في تقرير عقوبة المرتد بقطع النظر عن قول من يقول بعدم قتل المرتدة وبقطع النظر عن خلافهم هل يستتاب أم لا؛لأن كل العلماء حتى الذين يقولون بعدم قتل المرتدة وحتى الذين يقولون بالاستتابة ويرفعون مدتها إلى شهر أو شهرين(وهو أقصى ما ثبت عن الأئمة) كل هؤلاء يقرون أن بعد هذه المدة اليسيرة يقتل المرتد ولو لم يكن محارباً وهذا هو محل الحجة على المخالفين في ذلك من المعاصرين..


الإمام أبو حنيفة :


1-(قلت(أي لأبي حنيفة) أَرَأَيْت الرجل الْمُسلم إِذا ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام كَيفَ الحكم فِيهِ قَالَ يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَإِن أسلم وَإِلَّا قتل مَكَانَهُ إِلَّا أَن يطْلب أَن يُؤَجل فتؤجله ثَلَاثَة أَيَّام قلت فَهَل بلغك فِي هَذَا أثر قَالَ نعم بلغنَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قتل الْمُرْتَد نَحْو من هَذَا وبلغنا عَن عَليّ بن أبي طَالب وعبد الله بن مَسْعُود ومعاذ بن جبل نَحْو من هَذَا وَهَذَا الحكم وَالسّنة) (السير الصغير ص/197).



2-وسئل : أَرَأَيْت الْمُرْتَد هَل تُؤْكَل ذَبِيحَته قَالَ لَا قلت وَإِن كَانَ نَصْرَانِيّا قَالَ وَإِن كَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ أَلا ترى أَنه لَا يتْرك على دينه حَتَّى يسلم أَو يقتل)(السير الصغير ص/200).

الإمام مالك

لم يرو في باب المرتد سوى حديث واحد هو أنه قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ، ثُمّ قَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ مُغْرِبَةٍ خَبَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَهَلا طَبَقْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا، ثَلاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، فَاسْتَتَبْتُمُوهُ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيَرْجِعُ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي ".
قَالَ مُحَمَّدٌ بن الحسن : إِنْ شَاءَ الإِمَامُ أَخَّرَ الْمُرْتَدَّ ثَلاثًا إِنْ طَمِعَ فِي تَوْبَتِهِ أَوْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمُرْتَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ الْمُرْتَدُّ، فَقَتَلَهُ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ.

ولم يُفرد صاحب المدونة مسألة لعقوبة المرتد؛وبكنه ناقش كل الفروع الفقهية انطلاقاً من مسلمة قتل المرتد ومنها قوله: (فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى ارْتِدَادِهِ أَيَأْتِي الْقَتْلُ عَلَى جَمِيعِ الْحُدُودِ الَّتِي عَلَيْهِ إلَّا الْفِرْيَةَ،
فَإِنَّهُ يُجْلَدُ ثُمَّ يُقْتَلُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَيَأْتِي الْقَتْلُ عَلَى الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ لِلنَّاسِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ). (المدونة 2/28).




الإمام الشافعي : :



1- (فلم يختلف المسلمون أنه لا يحل أن يفادى بمرتد بعد إيمانه ولا يمن عليه و لا تؤخذ منه فدية و لا يترك بحال حتى يسلم أو يقتل).(الأم 6/169).


2- وقال: (وَقَدْ آمَنَ بَعْضُ النَّاسِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَتَلَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ الْإِيمَانَ)(الأم 6/180).



الإمام أحمد :


1- في مسائله برواية ابنه الفضل: (وَقَالَ أبي الْمُرْتَد يُسْتَتَاب ثَلَاثَة أَيَّام حَدِيث عمر أَلا أدخلتموه بَيْتا وَابْن مَسْعُود استتاب وَقتل وَحَدِيث أنس يروي عَن عمر أدخلهم من الْبَاب الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ أحب إِلَيّ من كَذَا وَكَذَا وقصة معَاذ قدم الْيمن وَقد كَانَ أَبُو مُوسَى استتاب الرجل شهرا فَقَالَ معَاذ لَا أنزل حَتَّى أضْرب عُنُقه، وَقَالَ أبي التبديل الْإِقَامَة على الشّرك فَأَما من تَابَ فَإِنَّهُ لَا يكون تبديلا أَرْجُو).(2/476)


2- وفي مسائل عبد الله: (سَمِعت ابي يَقُول فِي الْمُرْتَد يُسْتَتَاب ثَلَاث فَإِن تَابَ والا قتل على حَدِيث عمر بن الْخطاب).(1/430).



الإمام الترمذي :


(عن عكرمة أن عليا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( من بدل دينه فاقتلوه)).. هذا حديث صحيح حسن و العمل على هذا عند أهل العلم في المرتد(سنن الترمذي1458).



الإمام ابن جرير الطبري :


قال في تفسيره: ( المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه و سلم أنه أكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام و حكم بقتلهم إن امتنعوا منه و ذلك كعبده الأوثان من مشركي العرب و كالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر).(تفسير الطبري 3/17).



الإمام ابن عبد البر :


قال (( التمهيد)) : ( من ارتد عن دينه حل دمه، و ضربت عنقه، و الأمة مجتمعة على ذلك، و إنما اختلفوا في استتابته .. فالقتل بالردة - على ما ذكرنا - لا خلاف بين المسلمين فيه و لا اختلفت الرواية و السنة عن النبي صلى الله عليه و سلم فيه )(التمهيد 5/306-318 ).


الإمام أبو محمد ابن حزم :


قال في (( المحلى )) : («هَذِهِ الآيَةَ لَيسَت عَلَى ظاهِرِها لأََنَّ الأُُمَّةَ مُجمِعَةٌ عَلَى إكراهِ المُرتَدِّ عَن دِينِهِ فَمِن قائِلٍ يُكرَهُ وَلاَ يُقتَلُ وَمِن قائِلٍ يُكرَهُ وَيُقتَلُ».



الإمام المنذري :


«الناس مخيرون بين إحدى ثلاث كما جاء عند المصنف (الإمام مسلم) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، إما الإسلام فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال، ولذلك لا إكراه في الدين البقرة: ٢٥٦ ولم يعرف في تاريخ المسلمين أنهم أكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام، اللهم إلا أن يكون ذلك في المرتدين فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو يقتلون».(مختصر مسلم 1/5).


الإمام ابن قدامه :


قال : ( المرتد : هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر ... و أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد).(المغني (9/16).


أبو الحسن الماوردي :


قال في (( الحاوي)) : ( فإذا ثبت خطر الردة بكتاب الله تعالى فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و إجماع صحابته .(الحاوي 13/147)



الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد :


قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا يحل دم إمرىء مسلم .. إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني و النفس بالنفس و التارك لدينه المفارق للجماعة )).. و المراد ﺒ (( الجماعة )) : جماعة المسلمين و إنما فراقهم بالردة عن الدين و هو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق الرجل ) (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (4/84).


الإمام النووي :


قال : ( و يقتل المرتد بضرب الرقبة .. و لا خلاف أنه لا يخلى في مدة الإمهال بل يحبس و لا خلاف أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قبل مضى مدة الإمهال لم يجب بقتله شىء و إن كان القاتل مسيئا بفعله ) (روضة الطالبين (10 /76).


و في ( شرح صحيح مسلم ) : ( قوله في اليهودي الذي أسلم : (ثم ارتد .. فأمر به فقتل ) . فيه : وجوب قتل المرتد و قد أجمعوا على قتله لكن اختلفوا في استتابته ،هل هي واجبه أم مستحبة ؟ ) (شرح النووي على صحيح مسلم (12/208).



شيخ الإسلام ابن تيميه :


قال في الصارم المسلول: (مجرد الخروج من الدين يوجب القتل وإن لم يفارق جماعة الناس)1/320.


و قال : ( و قد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة : منها : أن المرتد يقتل بكل حال ) .(الفتاوى الكبرى 3/555) انتهى


و يقول شيخ الإسلام في (( مجموع الفتاوى )) : ( طائفة كانت مسلمه فارتدت عن الإسلام .. و هؤلاء أعظم جرما عند الله – و عند رسوله و المؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة . فإن هؤلاء يجب قتلهم حتما ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه لا يجوز أن يعقد لهم ذمة و لا هدنه و لا أمان و لا يطلق أسيرهم و لا يفادى بمال و لا رجال و يقتل من قاتل منهم و من لم يقاتل كالشيخ الهرم و الأعمى و الزمن – باتفاق العلماء .. فالكافر المرتد أسوأ حالا في الدين و الدنيا من الكافر المستمر على كفره .. و فيهم صنف رابع شر من هؤلاء . و هم قوم ارتدوا عن شرائع الإسلام و بقوا مستمسكين بالانتساب إليه .


فهؤلاء الكفار المرتدون و الداخلون فيه من غير التزام لشرائعه و المرتدون عن شرائعه لا عن سمته : كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين حتى يلتزموا شرائع الإسلام و حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله و حتى تكون كلمة الله – التي هي كتابه و ما فيه من أمره و نهيه و خبره – هي العليا . هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم فكيف إذا استولوا على أراضى الإسلام من العراق و خراسان ..... و الروم ؟! فكيف إذا قصدوكم و صالوا عليكم بغيا و عدوانا ؟ ! (مجموع الفتاوى (28/413- 416 ).



الإمام ابن رجب :

قال في كتابه (( جامع العلوم و الحكم )) : ( النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس )) .. و القتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين ) (الفتاوى الكبرى 3/555).



الإمام الشوكاني :


قال : ( قتل المرتد عن الإسلام متفق عليه في الجملة )( السيل الجرار (4/ 372).


العلامة الطاهر ابن عاشور :


قال: «حكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئا زاجرا مثل توقع الموت، فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: لا إكراه في الدين البقرة: ٢٥٦على القول بأنها غير منسوخة، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام».(التحرير والتنوير2/319).



الشيخ محمد متولي الشعراوي :


قال: «الذين اعترضوا على القصاص اعترضوا أيضاً على إقامة حَدّ الردَّة، ورأوا فيه وحشية وكَبْتاً للحرية الدينية التي كفَلها الإسلام في قوله تعالى: لا إكراه في الدين البقرة: ٢٥٦


والحقيقة أن الإسلام حينما شرع حَدَّ الردة، وقال بقتل المرتد عن الدين أراد أن يُصعِّب على غير المسلمين الدخول في الإسلام، وأن يُضيِّق عليهم هذا الباب حتى لا يدخل في الإسلام إلا مَنْ أخلص له، واطمأنَّ قلبه إليه، وهو يعلم تماماً أنه إنْ تراجع عن الإسلام بعد أن دخل فيه فجزاؤه القتل.


فهذه تُحسَب للإسلام لا عليه؛ لأنه اشترط عليك أولاً، وأوضح لك عاقبة ما أنت مُقدِم عليه.


أما حرية الدين والعقيدة فهي لك قبل أن تدخل الإسلام دخولاً أولياً، لا يجبرك أحد عليه، فلك أنْ تظلَّ على دينك كما تحب، فإنْ أردتَ الإسلام فتفكّر جيداً وتدبّر الأمر وابحثه بكل طاقات البحث لديك».(تفسيره).