الحديث المردود وأسباب رده

قال المصنف :
(ثم المردود: إما أن يكون لسقط أو طعن.
فالسقط: إما أن يكون من مبادئ السند مِن مصنِّفٍ، أو من آخره بعد التابعي، أو غير ذلك.
فالأول: المعلق، والثاني: هو المرسل، والثالث: إن كان باثنين فصاعداً مع التوالي فهو المعضل، وإلا فالمنقطع.
ثم قد يكون واضحاً أو خفياً.
فالأول: يدرك بعدم التلاقي، ومن ثم احتيج إلى التأريخ..
والثاني: المدلس، ويرد بصيغة تحتمل اللقي: كـ(عن، وقال) وكذا المرسل الخفي، من معاصر لم يلق من حدث عنه).
لما فرغ المصنف من الكلام على الحديث المقبول، انتقل إلى الكلام على الحديث المردود، فذكر أسباب الرد، ولخّص أسباب الرد في قسمين رئيسين: السقط في السند، أو الطعن في الراوي.
وهذان السببان في مقابل جميع شروط الحديث الصحيح، وهما: الاتصال، والعدالة، والضبط (والذي ينتج عن الإخلال به: الوهم والمخالفة = الشذوذ والعلة).
وهذا يبين لنا أن انخرام أي شرط من شروط الحديث الصحيح سينتج عنه أنواع من علوم الحديث، وكلما سقط شرط من شروطه ظهرت أنواع أكثر، ولهذا يمكن أن يقال: إن شروط الحديث الصحيح تمثل العمود الفقري لعلم المصطلح.
وفيما يخص (السقط) فلا يخلو أن يكون موضعه في أول الإسناد أو في آخره أو في أثنائه، وهذا ينتج عنه عدة أنواع، نتناولها كالآتي:
1) المعلّق:
تعريفه: هو ما سقط من مبدأ إسناده من جهة إمام مصنف ـ أي: يروي بالإسناد ـ راوٍ أو أكثر([1]).
وهذا الشرط أن يكون التعليق (من مصنِّفٍ) يعني: أن يكون التعليق من إمامٍ يروي بالأسانيد كالإمام البخاري، لا أن نأتي إلى كتاب مثل: (رياض الصالحين) ونقول في أحد أحاديثه: هذا الحديث معلَّق؛ لأنه سقط من إسناده مِن النووي إلى ابن عمر! لأن النووي أصلاً لم يروِ بالأسانيد، إنما نتحدث عن الأئمة الذين يروون بالأسانيد، كالبخاري ومسلم، وغيرهما.
مثال المعلّق: قول البخاري في باب وجوب صلاة الجماعة: وقال الحسن: «إن منعته أُمُّه عن العِشَاء في الجماعة شفقة لم يُطِعها»([2]).
فالبخاري ساق هذا الأثر عن الحسن من غير إسناد بينه وبين الحسن البصري، وهذا هو المعلق.
س/لماذا سمي بالمعلَّق بهذا الاسم؟
ج/ لأنه ليس هناك اتصال بين أعلى طبقة وآخر طبقة، وإن شئت فقل: ليس هناك اتصال بين المبتدأ والمنتهى، مثل الثريا، نراها معلقة بأعلى السقف، وليس لها اتصال بالأرض، هذا سبب تسمية المعلَّق بهذا الاسم باختصار.
2) المرسل:
ـ تعريفه: ما سقط من آخره راوٍ أو أكثر بعد التابعي.
وأصل الإرسال: الإطلاق، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾(مريم:83) أطلقناها عليهم, كأن المصنف بدأ بالإسناد من أوله إلى أن وصل للتابعي، وحين أردنا أن يتصل الإسناد بالنبي عليه الصلاة والسلام لم نجد هذه الحلْقة، فكأن السند أُطلق وفُكّ، ولم يبق هناك اتصال([3]).
ـ صورته: أن يقول التابعي: قال رسول الله ج.
ـ مثاله: عن عطاء أن النبي ج صلّى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة([4]).
فعطاء : تابعي، والإسناد منقطع = ضعيف.
ـ سبب ضعفه: جهالة الواسطة بين التابعي وبين النبي ج ، إذ قد يكون تابعياً أو أكثر من تابعي.
ـ أقسامه: ينقسم إلى قسمين:
1ـ مرسل الصحابي: وهو أن يروي الصحابة قولاً أو يحكي فعلاً لم يشهدهما، فهذا حكمه: صحيح؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
2 ـ مرسل غير الصحابي: وهذا كما سبق التمثيل به، وقد يكون المُرْسِلْ ممن دون التابعين، فهذا حكمه أنه مردود لماسبق، من جهالة الواسطة بين المُرسِل وبين النبي ج .
ـ إطلاقات مصطلح المرسل في كلام الأئمة:
1 ـ يطلق المرسل ـ في كلام الأئمة ـ على المعنى الذي تقدم بيانه.
ومن المؤلفات فيه: كتاب أبي داود السجستاني ـ صاحب السنن ـ "المراسيل".
2 ـ ويطلق على معنى آخر وهو: مطلق الانقطاع في أي مكانٍ من السند، أي لا يوجد اتصال في الإسناد، بغض النظر عن موضع هذا الانقطاع، هل هو في أوله أم أثنائه؟ وهذا المعنى يراعي المعنى اللغوي للمرسل.
ومن المؤلفات فيه: كتاب للإمام ابن أبي حاتم، اسمه "المراسيل" أيضاً، ومن الأمثلة التي حواها كتابه: بقية بن الوليد لم يسمع من ابن عجلان شيئاً، أو ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئاً، أو محمد بن إسحق لم يسمع من مجاهد...وهكذا.
والخلاصة: أن المرسل ـ الذي يريده المصنف هنا ـ: هو الذي سقط من آخر إسناده بعد التابعي، أي الصحابي أو تابعي ثانٍ، وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين.
ونلاحظ أنه قال: (بعد التابعي) ولم يقل: سقط من إسناده الصحابي؛ لأنه أحياناً يكون الذي سقط تابعي أو أكثر ثم صحابي، فكانت العبارة دقيقة.
3) المعضل:
ـ تعريفه: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي.
وهو الذي عبّر عنه المصنف: بقوله: (والثالث: إن كان باثنين فصاعداً مع التوالي فهو المعضل، وإلا فالمنقطع).
ـ مثاله: سيأتي ذكره بعد قليل.
ـ من الكتب التي يوجد غيها معضلات: كتاب سنن سعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا([5]).
4) المنقطع:
ـ تعريفه: ما سقط من إسناده راو فأكثر على أي وجه كان، وفي أي موضع كان.
ـ مثاله: سيأتي ذكره بعد قليل.
وحاصل كلام المصنف : في كلامه على السقط الذي يوجد في وسط الإسناد، أنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون باثنين مع التوالي، فهذا يسمى المعضل([6])، كما سبق.
الحال الثانية: أن يكون السقط باثنين فأكثر ولكنه غير متتابع فهذا لا يسمى معضلاً، وإنما منقطعاً.
مثال توضيحي للنوعين:
يقول الإمام أبو داود في السنن: حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، يبلغ به النبي ج قال: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»([7]).
فإن حذفنا (مُسَدَّداً) صار الحديث معلقاً؛ لأنه من مبادئ السند.
وإن حذفنا مسدداً وسفيان صار معلقاً ومعضلاً في نفس الوقت؛ لأن الحذف وقع من مبادئ السند، وبراويين متتاليين.
س/ متى نسمي هذا الإسناد منقطعاً فقط؟
لو قال الإمام أبو داود: حدثنا مسدد عن الزهري عن جبير بن مطعم س، نسمي هذا منقطعاً فقط؛ لأنه ليس على التوالي.
س/ كيف نستطيع أن نقرأ هذا الإسناد على تعريف المرسل؟
ج/ نقول: حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان عن الزهري، عن النبي ج، لأن الزهري تابعي صغير.
والخلاصة: أن الأنواع الأربعة السابقة - المعلق والمرسل والمعضل والمنقطع -: كلها من قبيل الحديث المردود؛ للجهل بالساقط في الإسناد.
ثم قال : : (ثم قد يكون واضحاً أو خفياً.
فالأول: يدرك بعدم التلاقي، ومن ثَم احتيج إلى التاريخ.
والثاني: (المدلس) ويرد بصيغة تحتمل اللقي كـ(عن، وقال)، وكذلك المرسل الخفي من معاصر لم يلق).
لما بيّن المصطلحات التي تنتج عن السقط في الإسناد، انتقل إلى الحديث عنها من جهة وضوحها وخفائها، فبيّن أنه لا يخرج عن هذه القسمة: إما أن يكون السقط واضحاً أو خفيّاً.
قال: (الأول يُدرك بعدم التلاقي، ومن ثَمَّ احتيج إلى التأريخ) بالهمز، قال الإمام سفيان الثوري : : لما استعمل الرواة الكذب؛ استعملنا لهم التأريخ([8]).
وبالتأريخ كُشف الكذابون، الذين قد يدّعي أحدُهم أنه روى عن فلان وفلان وهو لم يدركه، وبعض الرواة أحياناً يحدّث بقصة ويقول: لقيت فلاناً وفلاناً ناسياً أن هذا الرجل الذي يحدث عنه قد مات قبل أن يولد هو.
ومن العجائب: أن راوياً يقال له: رتن الهندي، ممن وُجد في القرن السابع الهجري، ادعى أنه رأى النبي ج، وكتب كتاباً، والغريب ليس في كذبه، لكن الغريب أن يُصدَّق! فوجد أحداً يصدقه، يقول الذهبي : "رتن الهندي، وما أدراك مارتن! شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون! وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألّفت في أمره جزءا"([9]).
ثم قال :، موضحا معنى الانقطاع الخفي، وأنه قسمان:
(والثاني: المدلس، ويَرِد بصيغة تحتمل اللقي: كـ(عن، وقال)، وكذا المرسل الخفي).
المدلَّس أحد الصور التي تندرج تحت الانقطاع الخفي، وهو قسمان:
1ـ المدلَّس.
2 ـ المرسل الخفي.
فما هو المدلس؟ وما هو المرسل الخفي؟ وهل هما متشابهان أو بينهما فرق؟
المدلَّس، أصله مأخوذ من الدَّلَس وهو الظلمة، وسمي (خِيار التدليس) ـ في الفقه ـ؛ لأن البائع أخفى عيباً في السلعة، فثبت للمشتري خيار التدليس، وهنا في علم الحديث نجد شيئاً من الخفاء استحق هذا الوصف اللغوي.
والرواة نوعان: رواة ثبَتَ لنا بيقينٍ سماعُهم لشيوخهم، لكنهم أحياناً تفوتهم بعض الأحاديث عن شيوخهم، فيروونها بصيغة تحتمل السماع ـ مثل (عن، قال)، ولا يُصرِّحون باسم الذي حدثهم بالواسطة, هذا النوع من الرواة هم الذين يصدق عليهم بأنهم مدلسون.
مثال: سمعتُ شيئاً كثيراً من كلام شيخنا ابن عثيمين مشافهة وفي الدرس، لكني غبتُ مجلساً، أو مجلسين، أو ثلاثة، وقد تكلم الشيخ في تلك المجالس التي غبتها بكلام في بعض المسائل، أو أفتى فتوى فاتتني، فلم أسمعها، فحينما أُحدِّث وأنسِب هذا الكلام للشيخ، وأنا لم أسمعه، فلا يمكن أن أقول: سمعته - وإلا أكون كاذباً - فآتي بصيغة تحتمل السماع، فأقول: إن شيخنا يقول كذا، فأنا ما كذبت! فهو قد قال ذلك، لكنني سمعتُ زميلي ينقل عن الشيخ أنه قال كذا وكذا، فأسقطتُ زميلي وانتقلت مباشرة للشيخ, فإذا قال لي طالب ذكي: هل أنت سمعت هذا من الشيخ؟ فيجب أن أقول: لا، بل حدثني فلان!
ومعنى كوني دلّست، أي: أخفيت الصيغة التي توحي بالسماع الصريح، أو أسقطت وأخفيت الواسطة الذي حدّثني، فالحديث المدلَّس هو: أن يروي الراوي عمن سمع منه أصلاً شيئاً لم يسمعه منه، بصيغة تحتمل السماع.
وهذا النوع يسمى تدليس الإسناد، وهو المتبادر عند الإطلاق في كلام الأئمة؛ لأنه أكثر الصور وقوعاً؛ ولذا اقتصر عليه ابن حجر : .
* مثال تطبيقي من صنيع الأئمة:
سئل الإمام يحيى بن معين، عن أحاديث يرويها هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: "النظر في مرآة الحجام دناءة"... الخ، فقال الإمام يحيى: سمعها هشيم من إبراهيم بن عطية الواسطي عن مغيرة([10]).
فبيّن ابن معين أن هشيماً ـ وإن كان قد سمع مغيرة ـ إلا أنه هنا لم يسمع منه، بل بينهما واسطة.
س/ كيف عرف الأئمة أن فلاناً مدلس؟
الجواب/ يعرفونه بسبر المرويات وتتبعها، والتفتيش في الأسانيد؛ فيجدون أن هذا الرجل مرة يروي هذا الإسناد عن شيخه بواسطة، ومرة يسقط الواسطة، فإذا أسقطها والموضع الثاني ليس فيه صيغة التصريح بالسماع؛ معناه أنه تدليس.
والأئمة لهم حرص شديد جداً على تتبع الروايات المدلسة، والتدليس من الأنواع الدقيقة في هذا العلم والمتعِبَة.
ذكر الخطيب البغدادي : في كتابه "الكفاية" أن سعيد بن المسيب قال: "إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام"([11]) أي أتأكد منه.
والإمام يحيى ابن معين : ورث عن والده ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم([12])، فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسه، رحمة الله عليه([13]).
وسمع شعبة يوماً أحد الرواة يحدث بحديث، فقال شعبة: من حدثك؟ قال: فقال مسعر بن كدام عبد الله بن عطاء بمكة قال شعبة: فرحلت إلى مكة، فلقيت عبد الله فسألته؟ فقال: سعد بن إبراهيم، حدثني، قال شعبة: ثم لقيت مالك بن أنس؛ فقال: سعد بالمدينة لم يحج العام، قال شعبة: فرحلت إلى المدينة - أكثر من ثلاثة آلاف كيلو، فلما وصله ليته ظفر بحاجته – قال: فلقيت سعداً فسألته؛ فقال: الحديث من عندكم؛ زياد بن مخراق حدثني! قال شعبة: فلما ذكر زياد قلت: أي شيء هذا؟ الحديث بينما هو كوفي! إذ صار مكياً! إذ صار مدنياً! إذ صار بصرياً! قال شعبة: فرحلت إلى البصرة - رجع كل هذه المسافة ثلاثة آلاف كيلو أو أكثر من أجل التثبت من سماع - فلقيت زياد بن مخراق فسألته؛ فقال: ليس الحديث من بابتك! ـ يعني: ليس من الذي تبحث عنه ـ قلت، حدثني به؟ قال: لا تريده! قلت، حدثني به! قال: حدثني شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر عن النبي ج ، قال شعبة: فلما ذكر شهراً قلت: دمر علي هذا الحديث!([14])
ولهم في ذلك أخبار عجيبة، رحمة الله عليهم.
* أغراض التدليس، أو لماذا يقع بعض المحدثين في التدليس؟
الجواب: هو شغف علماء الحديث وطلاب علم الحديث بالرواية وعلو الإسناد يحملهم على ذلك، هو لا يكذب، لكنه لا يرتضي أن يذكر زميله أو تلميذه مثلاً, وأشد ما يكون التدليس حينما يكون بإسقاط راوٍ ضعيف، أما إذا أسقط ثقة فالأمر سهل، لكن إذا أسقط ضعيفاً، ولم يبين ذلك، فهذا لا يجوز.
واعلم أن عدداً من الأئمة الكبار وقع في التدليس، كأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، والثوري، وغيرهم ـ ـ.
س/ هل المدلسون على طبقة واحدة؟
الجواب: لا، فمن الرواة من لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان بن عيينة مع ندرة تدليسه، ومن الرواة من يدلس عن المتروكين والكذابين، مثل: الحجاج بن أرطأة، فهم ليسوا على درجة واحدة، فمن لا يدلس إلا عن ثقة أمره أسهل بكثير.
ثم انتقل الحافظ للكلام على الصورة الثانية من صور الانقطاع الخفي، وهي صورة المرسل الخفي، فقال: (المرسل الخفي من معاصر لم يلق مَن حدّث عنه).
ـ صورته: رجلُ أدرك شيئاً من حياة ابن عباس، لكنه لم يسمع منه، ولم يلقه أبداً، مع إمكان اللقاء، لكونهما متعاصرين، وفي بلدان متقاربة أو ربما في بلد واحد، لكن لم يثبت أنه لقيه يوماً من الدهر.
فيحدث مثل هذا عن ابن عباس فيقول: قال ابن عباس، أو: عن ابن عباس.
فحدّث بعبارة تُوهم اللقي، فهذا سميناه خفياً لأن المعاصرة موجودة، واللقاء غير موجود.
س/ ما الفرق بين المدلس والمرسل الخفي؟
المدلَّس يختلف عن المرسل الخفي بأن المدلَّس اللقاء فيه ثابت، أي: التلميذ معروف بالرواية عن شيخه، لكنه في بعض الأحاديث يدلسها ويسقط الواسطة، أما المرسل الخفي, فالمعاصرة موجودة، وقرائن اللقاء قد تكون موجودة لكنه لم يلقه أصلاً.
* حكم رواية المدلس؟
في هذه المسألة بحث طويل، خلاصته، أن في ردّ عنعنته أو قبولها قولان:
الأول: رد عنعنة من عرف بالتدليس ولو مرة واحدة.
الثاني: ردّ عنعنة المدلس في حالين:
الأولى: أن يكون مكثراً من التدليس، معروفاً به.
الثانية: أن يدلس عن الضعفاء والمتروكين.
وهذا هو الأقرب، وفي المسألة تفاصيل كثيرة، تطلب في المطولات.
وللحديث صلة بإذن الله في الدرس القادم.




([1]) ويقال: إن أول من أطلق هذا الاسم الإمام الدارقطني، ينظر: "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح: (76).

([2]) صحيح البخاري (1/131).

([3]) وفَهْم المعنى اللغوي يعين على فهم المعنى الاصطلاحي، حتى لو نُسي المصطلح تتبقى بعض المعلومات بسبب الربط اللغوي، فأنت بلغة عربية لها مآخذها واشتقاقاتها، وهذه من عظمة هذه اللغة.

([4]) المراسيل لأبي داود، رقم (432).

([5]) قاله السيوطي، ينظر: تدريب الراوي (1/214).

([6]) وإطلاق هذا المصطلح بهذا المعنى الذي ذكره الحافظ نادر جداً في كلام الأئمة المتقدمين.

([7]) أبو داود ح(1698)، والحديث في مسلم ح(2556).

([8]) الكامل: (1/169).

([9]) ميزان الاعتدال، الترجمة رقم: (2759).

([10]) تاريخ ابن معين "رواية الدوري": (4/389).

([11]) الكفاية في علم الرواية: (ص: 402).

([12]) يعني مليون درهم وخمسين ألف درهم.

([13]) تاريخ دمشق لابن عساكر: (65/ 11).

([14]) ينظر: الكامل (5/ 57)، وتنظر قصة رحلة علي بن المديني لليمن في "تهذيب الكمال": (21/ 15-16).
فهذه نماذج مشرقة جداً، وهي مفخرة لهذه الأمة، يقرؤها الإنسان ويشعر بالفخر، ويترحم ويترضى عن هؤلاء الأئمة الكبار رحمة الله تعالى عليهم، ورضي عنهم، ويعرف ما هو الجهد العظيم الذي بذلوه، وبنفس الوقت يستحي من نفسه على التقصير الذي نعيشه مع تيسر سبل العلم والتحصيل, فلو يغِب شيخُك عنك في أقصى الدنيا ترسل له رسالة وفي لحظات يأتيك الرد منه!
ومع هذا الواحد يشعر أنه قد نضح العرق من الجهد والتعب، وهو لم يبذل عُشر معشار ما بذله أولئك! ولذلك أنا أوصيكم أن تقرؤوا في هذه الأخبار لثلاث فوائد:
1. شحذ الهمة. 2. معرفة منازل أولئك الأئمة. 3. ولأجل أنك تحقر ما قد تبذله أنت لدينك، وتحقر ما تبذله في العلم، وتعرف أنك ما زلتَ في الشبر الأول.
وأوصي بكتاب جيد وقيم في هذا الباب اسمه: "صفحات من صبر العلماء على شدائد التحصيل" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة :، وأنبه إلى أنه ذكر في الكتاب: أن بعضهم ترك الزواج بسبب طلب العلم، فهذا مما لا يمدح، فقط خذوا العبرة من كونه تعب وحصل وتعلم وعلم، أما كونه ما تزوج، فالقدوة المطلقة النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾(الرعد:38).