يرى عدد من لابسي ثوب العقلانية من الحداثيين والليبراليين والعلمانيين ومقلديهم أن التأويل المتعسف فرصة سانحة لإظهارهم من باب: خالف تعرف.
تأمل أخي تأويل د. محمد البهي للجن بأن المقصود به: الغريب من الناس، وتأويل محمد أبو زيد للمسجد الأقصى بأنه ليس الذي نعرفه في فلسطين بل هو المسجد النبوي في المدينة، والهدهد: اسم رئيس الشرطة زمن سيدنا سليمان ، والبقرة التي رآها الملك في قصة سيدنا يوسف نوع من الطيور، وبقرة بني إسرائيل: طائر الغراب، والعجل الحنيذ الذي جاء به سيدنا إبراهيم لضيفه: هو ابنه سيدنا إسحاق . [1]
واتفقت عدد من تلك التأويلات مع تأويلات القاديانية، فقد أولوا الجن بطائفة من البشر الغرباء عن الجزيرة (يهود أفغانستان!) اجتمعت بالنبي في المدينة، [2] والهدهد: اسم رجل من مخابرات سليمان ، [3] والمسجد الأقصى ليس المعروف في فلسطين بل مسجد قاديان في باكستان. [4]
لقد صدق الشيخ محمد الذهبي في وصف ما يقوم به أولئك فقال: " مُنيَ الإسلام من زمن بعيد بأناس يكيدون له، ويعملون على هدمه بكل ما يستطيعون من وسائل الكيد، وطرق الهدم، وكان من أهم الأبواب التى طرقوها ليصلوا منها إلى نواياهم السيئة: تأويلهم للقرآن الكريم على وجوه غير صحيحة، تتنافى مع ما في القرآن من هداية، وتناقض ما هو عليه من محجة بيضاء، وتهدف إلى ما سوَّلته لهم نفوسهم من نِحَلٍ خاسرة وأهواء. مُنيَ الإسلام بهذا من أيامه الأولى، ومنيَ بمثل هذا في أحدث عصوره، فظهر في هذا العصر أشخاص يتأوَّلون القرآن على غير تأويله، ويلوونه إلى ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجاتٍ في نفوسهم، فأدخلوا فى تفسير القرآن آراء سخيفة، ومزاعم منبوذة، تقبَّلها بعض المخدوعين من العامة وأشباه العامة، ورفضها بكل إباء مَن حفظ الله عليهم دينهم وعقولهم ".
ثم علل سبب قيامهم بذلك الصنيع العجيب: " اندفع هؤلاء النفر مِن المؤولة إلى ما ذهبوا إليه من أفهام زائغة فى القرآن بعوامل مختلفة، فمنهم مَن حسب أن التجديد ـ ولو بتحريف كتاب الله ـ سببٌ لظهوره وشهرته.. ومنهم مَن تلقَّى من العلم حظاً يسيراً، ونصيباً قليلاً، لا يرقى به إلى مصاف العلماء، ولكنه اغتر بما لديه، فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم، ونسي أنه قَلَّ في علم اللُّغة نصيبه، وخفَّ في علم الشريعة وزنه، فراح ينظر في كتاب الله نظرة حُرَّة لا تتقيد بأيِّ أصل من أصول التفسير، ثم أخذ يهذي بأفهام فاسدة، تتنافى مع ما قرره أئمة اللُّغة وأئمة الدين، ولأول نظرة يتضح لمن يطلع عليها أنها لا تستند إلى حُجَّة، ولا تتكئ على دليل.
ومنهم مَن لَم يرسم لنفسه نِحْلَة دينية، ولم يسر على عقيدة معروفة، ولكنه لعبت برأسه الغواية، وتسلَّطت على قلبه وعقله أفكار وآراء من نِحَلٍ مختلفة، فانطلق إلى القرآن وهو يحمل فى قلبه ورأسه هذه الأمشاج من الآراء، فأخذ يُؤوِّله بما يتفق معها، تأويلاً لا يُقره العقل ولا يرضاه الدين ". [5]
مخالفة المعهود المتبادر إلى الذهن هو جوهر منهج الحداثة، والحداثة: " فنٌّ يجعل اللغة تقول ما لم تتعود أن تقوله "، [6] فمن الضروري عند الحداثيين: " أن يُعاد فهم النصوص بنفي المفاهيم التاريخية الاجتماعية الأصلية، وإحلال المفاهيم الأكثر إنسانية وتقدماً ". [7] هكذا يحاولون تحويل القرآن الكريم إلى كتاب: " بإمكان كلِّ مَن يستنطقه أن يقرأ ذاته فيه.. ويندر ألا يجد إنسان في النص مقالته أياً كان مذهبه، وأياً كان صنفه وأنموذجه ". [8] " وعلى هذا تصبح قيمة النص فيما تُحدِثه من إشارات في نفس المتلقي، وليس أبداً فيما تحمِلُه الكلمات من معانٍ مجتلبة من تجارب سابقة "؛ [9] لأن " القرآن نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لأي تفسير ـ أو تأويل ـ أن يُغلقه، أو يستنفذه بشكل نهائي ". [10]
وتطور الأمر بالجابي إلى الزعم بأن مِن أصول التفسير: مخالفة المعنى القرآني للمعنى المتبادَر إلى الذهن، قال: " لقد تبادر لأذهان المفسرين القدماء أنَّ هاروت وماروت كانا ملَكين من ملائكة الله تعالى ولم يكونا من البشر، وقد وقعوا في هذا الخطأ بسبب جهلهم بمنهجية القرآن الكريم وأصول تفسيره، فمن أصول التفسير أنَّ المعنى المُتبادر لذهن القارئ لا يكون هو المعنى المقصود، ولا يُكتشف المعنى إلا بتدبر كلام الله تعالى وفق منهجيته وأصول تفسيره، ومن خلال تدبرنا لهذه الفقرة ندرك بأنَّ المقصود هنا بالمَلَكين: رجلين صالحين كيوسف ". [11]
إنَّ الذي يترجح تعليلاً لتمسك العلمانيين والحداثيين بالدعوة إلى الرمزية وعدم التزام معهود العرب في الخطاب واعتماده تفسيراً صحيحاً للقرآن الكريم، هو التمهيد لإقصاء القرآن الكريم ومنْعِ جعلِهِ دستوراً ناظماً للحياة الدنيوية؛ فالنص الرمزي ـ المبني على المجازات ـ لا يمكن أن يصلح قانوناً واضحاً ليحكم البشر، هذا ما ختم به محمد أركون كتابه حول تاريخية الفكر العربي الإسلامي: " إنَّ القرآن ـ كما الأناجيل ـ ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إنَّ هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، وأما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس ـ اعتقاد الملايين ـ بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغَّال وفعَّال، ومبادئ محددة، تُطبَّق على كل الحالات، وفي كل الظروف ". [12]
بل أحكام القرآن الكريم أحكامٌ واضحةٌ مُحكمةٌ مِن عند الله ، وهي المصدر الأول لتكليف العباد، وحتى يصح تكليفُ المكلفِ شرعاً يُشترَط " أن يكون قادراً على فهم دليل التكليف، بأن يكون في استطاعته أن يفهم النصوص القانونية التي يكلف بها من القرآن والسنة ـ بنفسه أو بالواسطةـ؛ لأن مَن لم يستطع فهم دليل التكليف لا يمكنه أنْ يمتثل ما كُلِّفَ به، ولا يتَّجه قصدُه إليه ". [13]
ورحم لله الآلوسي حين ردَّ احتمال تأويلٍ يخالف ظاهرَ حديثٍ في الرزق ـ عند تفسيره لسورة الفاتحة ـ، قال: " ومثلُ هذا الاحتمال إنْ قدحَ في الاستدلال لا يبقَى على وجه الأرض دليلٌ! ". [14]
وقبله قال الغزالي متحدثاً عن الإجماع: " لو فُتح باب الاحتمال لبطُلت الحجج ". [15]
إنْ كان للحداثيين قدوةٌ، فقدوتهم طائفة من أصحاب الفكر المنحرف الباطني الذي ألحد في تفسير القرآن الكريم، وتوسعَ الإمام الشاطبي في التمثيل على شذوذهم في كتابه الموافقات، ومن الأمثلة التي ذكرها: تأويل معنى الأنداد والطاغوت بأن المقصود بكل واحد منها: النفس الأمَّارة بالسوء، والشجرة التي نهى الله آدم وزوجه أن يأكلا منها: صرف الهمة عن الله، والجار ذي القربى: القلب، والجار الجنب: النفس، والصاحب بالجنب: العقل، وابن السبيل: الجوارح.. وغير ذلك مما لا يعرفه العرب لا مَن آمن منهم ولا مَن كفر، ولو كان عندهم معروفاً لنُقِل. [16]
كل ما زعموه يخالف تيسير القرآن الكريم للذكر " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر " [القمر: 17]، ويخالف أمر الله تعالى لنبيه أن يبين القرآن للناس الضروري مما يعجزون عن فهمه: " لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " [النحل:44].
تأمَّل قول الطبري: " كلام الله لا يوجَّه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أنْ تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلَّم لها؛ وذلك أنه ـ جل ثناؤه ـ إنما خاطبهم بما خاطبهم به؛ لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به ". [17]
والرد عليهم عقلاً أن مِن البدهي القول بأن النص يصل إلى المتلقي عن طريق اللغة؛ فاللغة وسيلة حمل المعنى للمتلقي، والمعنى الذي تنقله اللغة إلى السامع موضوعٌ مسبقاً وفق قواعد معلومة لدى المتلقي، وبهذا يكون دور المتلقي مقتصراً على حمل المعنى، لكن قد ينشأ إشكالٌ مِن التوسع في دَور اللغة في النص، وهنا لا بد من تحديد دورها، أهو الأداء أم التلقي؟
فإن كان الأول فلا بد من البحث عن مراد المتكلم، وإن كان الثاني فيمكن للسامع أن يفهم ما يشاء مِن فهمٍ. وبهذا ينفصل الكلام عن المتكلم ويصبح مِلكاً للمتكلم، وهذا يفضي إلى العبث؛ إذ ليس للمتلقي أن يتجاوز ما يقصده المتكلم، [18] وهذا الأمر وإن بدا واضحاً إلا أنه صار مجالاً للأخذ والرد عند الحداثيين.
قال ابن تيمية: " ينبغي أن يقصد إذا ذكِر لفظ من القرآن والحديث، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث، وسُنة الله ورسوله التى يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه. ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره، وكانت النظائر كثيرة؛ عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة، لا يختص بها هو ، بل هي لغة قومه، ولا يجوز أن يُحملَ كلامُه على عادات حدثت بعده في الخطاب، لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه ". [19]
وقال الشاطبي: " فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصّة؛ فبه يوصَلُ إلى علم ما أودعَ من الأحكام الشرعية، فمَن طلَبَه بغير ما هو أداةٌ له ضلَّ عن فهمه، وتقوَّل على الله ". [20]
لكن لا يُحجر على الاجتهاد للتفسير بالرأي، فالتفسير بـ " الرأي قسمان: قسم جار على موافقة كلام العرب ومناحيهم فى القول، مع موافقة الكتاب والسُنَّة، ومراعاة سائر شروط التفسير، وهذا القسم جائز لا شك فيه، وعليه يُحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي، وقسمٌ غير جارٍ على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية، ولا مستوف لشرائط التفسير، وهذا هو مورد النهي ومحط الذم ". [21]
ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هُم أعرف بالتفسير منهم، وهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة. [22]
وصدق الله العلي العظيم حيث يقول رداً على تخرصاتهم: " بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ " [العنكبوت: 49]، فآيات القرآن الكريم بينات واضحات لا تحتاج تعسفاً في التأويل، ولا يجحد هذا الأمر إلا ضالٌّ ظالم لنفسه ومضلٌّ ظالم لغيره.

الحواشي :
----------------
1) انظر: تحريف المصطلحات القرآنية، أ.د. فهد الرومي، ص54-82.
2) انظر: الجن حقيقة أم خيال، سليم الجابي، ص49.
3) انظر: المرجع السابق، ص170.
4) انظر: المتنبئ القادياني، المفتي محمود، ص21.
5) التفسير والمفسرون، د. محمد الذهبي2/522.
6) زمن الشعر، أدونيس، ص17. وذكر ص129-133 أن مهمة الحداثي تنحصر بإفراغ الكلمات من دلالاتها السابقة، وشحنها بدلالات جديدة، ولا نفهمها إلا بتأويلها؛ فلا ينبغي أن نفسرها بحرفيتها، بل برمزيتها.
7) نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد، ص133.
8) نقد الحقيقة، علي حرب، ص45-47.
9) تشريح النص، عبدالله الغذامي، ص13.
10) تاريخية الفكر، محمد أركون، ص145.
11) القرآن الكريم كتاب وأي كتاب؟ - تفسير سورة البقرة، سليم الجابي 1/172.
12) تاريخية الفكر، محمد أركون، ص299.
13) علم أصول الفقه، خلاف، ص134.
14) روح المعاني، الآلوسي 1/117.
15) المستصفى، الغزالي، ص150.
16) انظر: الموافقات، الشاطبي 3/397-403. وانظر: مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية، ص86.
17) جامع البيان، الطبري 7/ 53.
18) انظر: معايير القبول والرد، عبد القادر الحسين، ص111.
19) مجموع الفتاوى، ابن تيمية 7/115.
20) الموافقات، الشاطبي 2/81.
21) التفسير والمفسرون، د. محمد الذهبي 1/265.
22) انظر: الموافقات، الشاطبي 3/402.