ولم أر من عيوب الناس عيب .... كعجز القادرين على التمام
كنت قد وضعت الجزء الأول من هذه المقالة قبل انقطاع الملتقى في موسم الحج ..... وانتهى الموسم وانقضت رحلة الحج ولكن هذه الرحلة لا تزال في بدايتها ولا تزال بحاجة لمن يدلها على طريقها حتى لا تضل وحتى تعود لديارها سالمة كما عاد الحجيج

هكذا فلتكن رحلة العمر ... (1 )
ها أنت يا نفس تتأهبين لرحلة العمر .....
فكوني من الحاج ّ ولا تكوني من الركب .... أجل ستكون رحلة العمر وسأحرص على أن تكون هذه الرحلة انطلاقتي الحقيقية .... لن تضيع أي دقيقة سدى بل سأستغل كل اللحظات إما في طاعة أو ذكر أو عمل نافع ... لن أهتم كثير بالمظاهر والكماليات بعد اليوم فلن أهتم بمظهري أكثر من اللازم ولن أهتم بمطعمي إلا بما أقوم به صلبي وسأنام أينما أجد لي مكان طاهر .... لا يهم إن نمت على سرير مرفه أو افترشت الأرض والتحفت السماء ....
لن أفكر بالدنيا وآلامها بل سأبذل قصارى جهدي أن أؤدي الشعائر و الطاعات كما يريد ربي ... لن أغضب وإن ضايقني الناس أو اشتد الزحام بل سأكون متسامحا معهم لين الجانب لأني أريد الله أن يعفوا عني لذا سأعفوا عنهم وسأوطن نفسي على مساعدتهم وإيثارهم على نفسي وإن أساءوا ....فأنا لم أعد أهتم كثير بالناس ولم أعد أتدخل بما لا يعنيني لأني أراه .... أراه .... أينما التفت وحيثما توجهت إنني أراه وإن أغمضت جفني لذا سأراقب أفكاري وخواطر قلبي أن تضل أو تزيغ وسأظل معه ... معه .... يؤنس وحشتي ويرحم عبرتي ويحفظني في غربتي .... فيزيد به يقيني ويطمئن به قلبي فيطوف في الملكوت قلبي ويردد لساني " لبيك اللهم لبيك .... لبيك لا شريك لك لبيك "

هكذا فلتكن رحلة العمر ...(2)
وقبل انطلاق رحلتي اذكرك يا نفس بإصلاح النية وتجديد التوبة والأوبة إلى الله
وها أنا أعلنها جهارا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك " ليعلو صوتها فوق كل صوت وأظل بها مرددا طول رحلتي ... في هبوطي ... في صعودي ... في كل أحوالي ... لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك .... ثم استقبلي البيت واسألي رب البيت العون والنصرة فإن أعانك فقد كُفيت " وإن ينصركم الله فلا غالب لكم " وأرملي في طوافك وإياك أن تثقل خطاك " يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض "
وانظري أين سار الحبيب عليه الصلاة والسلام فسيري لعل خطى على خطى وخف على خف وإن سعيت فتذكري هاجر بين الصفا والمروة كيف سعت تذكر أنه لا بد من السعي مع التوكل ... فالقلوب تتوكل والجوارح تعمل .
فإياك أن تنشغلي عن هذه الفرصة العظيمة برزقك ورزق عيالك ... ورددي معي " وفي السماء رزقكم وما توعدون "
وإن شربت ما زمزم فتضلعي واذكري أنه لا بد من الفرج بعد الشدة وأن مع العسر يسرا فالليل مهما طال لا بد من الفجر فثقي بربك القائل " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "

هكذا فلتكن رحلة العمر ... (3)
ما أعظم هذا اليوم إنه يوم عرفه وما أدراك ما عرفه ! هل عرفته يا نفس فما لي أراك لا زلت مقصرة ؟!! وعن ربك غافلة ؟!! أتعبت ِ؟ تذكري الراحة في مفارقة الراحة والنعيم لا ينال بالنعيم
فاصبري إنها أياما معدودات وسرعان ما تنقضي وينجلي الغبار ... فتتبين المنازل إذن فشمري للجنة وجدي في يومك هذا فسرعان ما تغيب الشمس وتنقضي نعمة كنتِ بها مغبونة
أوحسبتِ أن السفر راحة ؟! هيهات فمهما تقدم العلم والتكنولوجيا سيظل قطعة من عذاب فليس للمسافر راحة إلا في الإياب وليس له دارا يطمئن بها ويقر إلا داره ...
فبيتي لربك قائمة قانتة ليمدك بقوة ترمين بها الشيطان ووساوسه عندما يسفر الصبح وكلما وسوس فاقذفيه بحصا من اليقين والتوكل يندحر خائبا مدحورا
وبعدها اعمدي إلى هواك فاذبحيه بسكين الرضا والتسليم " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى "
وإياك أن تظني أن هناك من يستطيع أن ينوب عنك في هذه الأعمال .. لا .. بل أنت يا نفس وأنت فقط مكلفة بالقيام بأعباء هذه الرحلة ولا تسقط عنك بعد أن قامت عليك الحجة فسألي الله المعونة والثبات وأن تعودي إلى ديارك سالمة حيث لا بد لك أن تعودي فاستعدي للرحيل فقد أزف وودعي رفقاء رحلتك وكوني من الحياة على طرف ثم أحذري قطاع الطرق أن يغيروا وقد قربتِ من الوصول وبدت المعالم تتضح لك فلا اطمئنان إلا بعد أن تضعين قدمك في دارك التي تزينت لك وانتظرتْ قدومك " وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين "
وتنادَين ... " ادخلوها بسلام آمنين "
"ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون "

وعندها تتذكرين هذه الرحلة وقد انقضت أيام الغربة والعناء " لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين "
وزال التعب بلقاء الأحباب وطابت الجنات بجوار رب كريم للذنب غفورا وللقليل شكورا وبالعبد رحيما رؤؤفا وعندها فقط تنتهي رحلتك ويكون سعيك مشكورا .

فحي على جنات عدن فإنها ........ منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ........ نعود إلى أوطاننا ونسلم ؟؟