أسباب الطعن في الراوي وما ينتج عنها من أنواع

يقول الحافظ ::
(ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه.
1 ـ فالأول: (الموضوع).
2 ـ والثاني: (المتروك).
3 ، 4 ، 5 ـ والثالث: (المنكر) على رأي، وكذا الرابع والخامس.
6 ـ ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق: فـ(المعلل).
7 ـ ثم المخالفة: إن كانت بتغيير السياق: فـ(مدرج الإسناد)، أو بدمج موقوف بمرفوع: فَـ(مُدرج المتن)، أو بتقديم أو تأخير: فـ(المقلوب)، أو بزيادة راو: فـ(المزيد في متصل الأسانيد)، أو بإبداله ولا مرجح: فالمضطرب - وقد يقع الإبدال عمداً امتحانا، أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحف، والمحرف، ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني، فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل.
8 ـ ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تَكثُر نعوته؛ فيُذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه "المُوَضِّح"، وقد يكون مُقِلّاً فلا يكثر الأخذ عنه، وصنفوا فيه "الوُحْدان"، أوْ لا يسمى اختصاراً، وفيه: "المبهمات"، ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح، فإن سُمّيَ وانفرد واحدٌ عنه فـ"مجهول العين"، أو اثنان فصاعداً، ولم يوثق: فمجهول الحال، وهو المستور.
9 ـ ثم البدعة: إما بمكفر أو بمفسق، فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني : يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته في الأصح إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار وبه صرح الجوزقاني شيخ النسائي.
10 ـ ثم سوء الحفظ: أ) إن كان لازماً فهو الشاذ على رأي، ب) أو طارئاً فالمختلط ومتى توبع سيء الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس: صار حديثهم حسناً لا لذاته بل بالمجموع).
كلام المصنف : يركز على القسم الثاني من أسباب ردّ الأحاديث والأخبار، وهو الطعن في الراوي، بعد أن استوفى الكلام على السبب الأول ـ وهو السقط في الإسناد ـ وخلاصة بحثه هنا في أسباب الطعن يتلخص في أربعة أمور:
1 ـ أن أسباب الطعن عشرة، وقد رتّبها ابن حجر على حسب شدتها، فلذلك اختلط ما يتعلق بالعدالة مع يتعلق بالضبط.
2 ـ أن هذه الأسباب متفاوتة وليست على درجة واحدة.
3 ـ أن هذه الأسباب تتردد بين شرطين من شروط الحديث الصحيح قد اختلّا، هما: العدالة، والضبط.
4 ـ أن هذه الأسباب ينتج عن بعضها نوعٌ أو أكثر من أنواع علوم الحديث ـ كما سيأتي تفصيله ـ إن شاء الله.

قال ::
(ثم الطعن إما أن يكون:
1 ـ "لكذب الراوي":
وهذا من خوارم العدالة، وللرواة أغراض في الوضع، مبسوطة في الشرح، لكنها على سبيل الإجمال تعود إلى:
  • أ ـ أسباب دينية كالترغيب والترهيب.
  • ب ـ أسباب سياسية كبعض الأحاديث الموضوعة في ذمّ بني أمية.
  • ج ـ أسباب مذهبية، كما يفعل بعض جُهال أتباع الأئمة المتبوعين من أصحاب المذاهب الأربعة ـ مثلاً ـ.
2 ـ (أو تهمته بذلك) أي تهمته بالكذب، وهذا من خوارم العدالة.
3 ـ (أو فحش غلطه) أي كَثُرَ، وكل شيء جاوز قدره فهو فاحش - كما يقول أهل اللغة([1])-،وهذا من خوارم الضبط.
4 ـ (أو غفلته) عن الإتقان لما يرويه، وهذا من خوارم الضبط.
5 ـ (أو فسقه) وهذا من خوارم العدالة.
والفسق في اللغة: الخروج عن الطاعة، تقول العرب: فسَقَت الرُطَبَة عن قشرها: إذا خرجت([2]).
والفسق يُطلق في الشريعة ويُراد به: الكفر الأكبر([3])، ويطلق ويُراد به: الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
ومراد الأئمة في هذا الباب، هو الفسق الذي سببه فعلُ المحرمات كعقوق الوالدين، أو حلق اللحية، أو ترك الواجبات الظاهرة، كترك صيام رمضان مثلاً.
أما الفسق في المعتقد - وهو المتعلق ببحث البدعة - فسيأتي البحث فيه قريباً.
6 ـ (أو وهمه) وهذا من خوارم الضبط، والمراد به: أن يروي على سبيل التوهم.
والظاهر أن الحافظ أراد بهذا حديثَ الثقة الذي تبيّن وهمه في حديثٍ ما، فيحمل هذا السبب على خطأ الثقات.
7 ـ (أو مخالفته) أي: لغيره من الثقات، وهذا من خوارم الضبط.
8 ـ (أو جهالته) أي: أن يكون الراوي مجهولاً غير معروف بجرح ولا تعديل، وهذا من خوارم العدالة، وسيأتي الكلام فيها بشيء من التفصيل قريباً بإذن الله.
9 ـ (أو بدعته) والبدعة نوعان: مفسِّقة، ومكفِّرة.
البدعة بحثها في الأصل عقدي، لكن لما كان لها أثر في نقد الرواة تكلم المحدِّثون فيها، وسيأتي التفصيل فيها إن شاء الله.
10 ـ (أو سوء حفظه) أي: يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا يتعلق بخطأ الضعيف، وهذا من خوارم الضبط.
والفرق بين سوء الحفظ وبين فاحش الغلط ـ فيما يظهر من صنيع المصنف ـ أن فاحش الغلط خطؤه أكثر من صوابه، بينما سيء الحفظ يخطئ لكنه خطأه أقل من صوابه.

وهنا نلاحظ أن هناك تداخلاً بين بعض الأسباب التي تعود إلى العدالة، والأسباب التي تعود إلى الضبط.

وقد بيّن المصنف ـ ـ سبب اختياره لهذا الترتيب فقال - في الشرح - :
"ولم يَحْصُلِ الاعتناءُ بتمييزِ أَحدِ القِسمينِ مِن الآخَرِ؛ لمصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلك، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدِّ على سَبيلِ التَّدلِّي".
ومع هذا فقد نوقش الحافظ : في هذا التفصيل الدقيق، وأنه يمكن إدخال بعض الأسباب في بعض، وبكل حال، فهذا اجتهاد من المصنّف :، قصد به تقريب الأمر للطالب المبتدئ في هذا العلم الشريف.

وللحديث صلة إن شاء الله.




([1]) ينظر: مقاييس اللغة (4/478).

([2]) مقاييس اللغة: (4/502).

([3]) ومن أمثلته الدالة على ذلك: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾(الكهف:50)، وكذلك أيضاً: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾(يونس:33).