بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده ، أما بعد
قال الله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) .[ سورة البقرة : الآية 180].
اختلف العلماء في نسخ هذه الآية وفي ناسخها فقال بعضهم : إنها منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث ، وقيل إنها منسوخة بالسنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام "لاوصية لوارث" ، وقيل إنها محكمة ولم تنسخ مطلقا ، وقيل أنها من قبيل العموم الذي خصص .
ومن خلال ماسبق يتبين لنا أن للعلماء في هذه الآية أربعة أقوال :
القول الأول : أن الآية منسوخة بأية المواريث ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .. الآية ) ، وقد نسب هذا القول لابن عمر ـ ، وكذلك الإمام مالك ـ .[1]
وقال ابن عبد البر ـ ـ "وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن أن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين ، وجماعة من أهل العلم .[2]
وقال الشيخ عبدالعظيم الزرقاني "ورأيي أن الحق مع الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث أما القول بإحكامها فتكلف ومشي في غير سبيل"[3]
وقال العلامة الشنقيطي :" التحقيق أن النسخ واقع فيها يقينا في البعض لأن الوصية للوالدين الوارثين والأقارب الوارثين رفع حكمها بعد تقرره إجماعا وذلك نسخ في البعض لا تخصيص قصر العام على بعض أفراده لدليل, أما رفع حكم معين بعد تقرره فهو نسخ لا تخصيص كما هو ظاهر, وقد تقرر في علم الأصول إن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ..."[4]
وللفائدة فإن الشنقيطي يرى أن آية المواريث ناسخة لأية الوصية وأن الحديث " لاوصية لوارث" بيان لرفع النسخ [5].
وقال شيخ الإسلام ـ ابن تيمية ـ :" فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن، والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث، كما اتفق على ذلك السلف.[6]

القول الثاني : أن الأية منسوخة بقول النبي عليه الصلاة والسلام " لاوصية لوارث " وهذا القول على من قال بجواز وقوع نسخ القرآن بالسنة . [7]
قال ابن عبدالبر :" وأمَّا الكوفيون الذين يجيزون نسخ القرآن بالسنة ، وقالوا : كلٌّ من عند الله ، فإنهم قالوا : نَسخَ الوالدين والأقربين الوارثين من الوصية قولُه : " لا وصية لوارث " )[8]
قال السايس :" فقد نُسخت هذه الآية بالحديث المستفيض وهو قوله « ألا لا وصية لوارث » ولا ناسخ إلا السنّة .[9]

القول الثالث : أن الأية محمكة ولم يدخلها لا نسخ ولا تخصيص وممن قال به أبو مسلم الأصفهاني ومحمد رشيد رضا وغيرهم من المعاصرين .
قال الذهبي ـ ــ نقلا عن محمد رشيد رضا "وصفوة القول: أن الآية غير منسوخة بآية المواريث، لأنها لا تعارضها، بل تؤيده، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث، لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهى محكمة، وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصاً بمن لا يرث من الوالدين أو الأقربين كما روى عن بعض الصحابة، وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فينبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله: (حَقّاً عَلَى ?لْمُتَّقِينَ).[10]

القول الرابع : أن الأية ليست منسوخة بالإصطلاح الذي عليه المتأخرون، وإنما هي من قبيل العام والخاص ،وعلى هذا فالآية محكمة غير منسوخة ، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالديناللذين لايرثان بأحد أسباب المنع من الإرث كالقتل واختلاف الدين والرق ، وفي القرآبة غير الورثة ، وهذا القول اختاره الطبري والعلامة السعدي وابن عثيمين وغيرهم .
قال العلامة السعدي ـ ـ واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث[11]، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري، ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث، بعد أن كان مجملا وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، فبهذا الجمع، يحصل الاتفاق، والجمع بين الآيات، لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح .[12]
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ـ ــ ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن الوصية للأقارب غير الوارثين واجبة؛ لأن الآية صريحة، والنسخ ليس بالأمر الهيِّن أن يُدَّعى مع هذه الصراحة، ومع إمكان الجمع بين هذه الآية وآية المواريث، والجمع أن آيات المواريث صريحة في أنها من بعد وصية، وكيف نلغي هذه الأوصاف العظيمة: (كُتِبَ )، (حَقًّا)، (عَلَى الْمُتَّقِينَ) مع إمكان العمل بآيات المواريث وهذه الآية؟! ولأنه لا دليل على النسخ.[13]
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن القول بالتخصيص هو الراجح ؛ لأن النسخ لايصار إليهإلاَّ عند التعارض ، وقد قال ابن عبدالبر - - : ( ولاينبغي لعالم أن يجعلشيئاً من القرآن منسوخاً إلاَّ بتدافع يمنع استعماله وتخصيصه(
فآية الوصية عامة في تناولها للوالدين والأقربين ، ولكن خرج من عمومها الوالدانوالأقربون الوارثون بدلالة آيات المواريث وبيان وتفسير السنة " لا وصية لوارث " وبقي منها ماعدا ذلك كمن منع من الإرث لسبب أو لم يدخل في آية المواريث .

والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

[1] تفسير القرطبي 2/263 .

[2] التمهيد 14/292.

[3] ـ مناهل العرفان 2/184 .

[4] دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب 1/11.

[5] ـ ذكر هذا في مذكرة في أصول الفقه .

[6] ـ مجموع الفتاوى 5/211.

[7] ـ وفي المسألة خلاف ومن أراد الإستزادة فليرجع إلى ( مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ، مذكرة أصول الفقه للعلامة الشنقيطي وغيرها

[8] ـ الاستذكار 7/264 .

[9] ـ أيات الأحكام 1/41.

[10] ــ نقله الذهبي صاحب كتاب التفسير والمفسرون 2/148.

[11] ـ كأنه يشير إلى قوله تعالى في سورة النساء ( يوصيكم الله في أولادكم ........الأية ) .

[12] ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/85 .

[13] ـ الشرح الممتع على زاد المستقنع 11/135 .