لستُ متخصصا في علوم القرآن حتى لا أكون عرُضة للثريب ، إنما أنا بشرٌ أدْرُس الهندسة ولم أتخصص فيها بعدُ
كل ما في الأمر ، إنني أحب القرآن ، وأشعر أن ألفاظه وتراكيبه ومعانيه تساعدني في تجريد نفسي ، وتُعنيني على خلعي من فوضى الحواس ..
القرآن وحده من يجعلني أفرّ من عالم العَرَض الزائل إلى عالم الجوهر الذي ظلّ لأجله الفيلسوفُ الكَلْبي ديوجين يحمل المصباح في رابعة النهار باحثا عنه !




قال تعالى : " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور "


كنتُ في الماضي أقف عند هذه الآية وقوف الأديب المنبهر بجمالها اللفظي و حسنها التصويري، و هذا لا يخفى على أيّ متدبر أطلق العنان لطيور خيالاته كي تحلق ، فالآية صوّرتْ لقارئها الأرضَ التي يسكنها وكأنها دابّة عظيمة.
قد يَستَصعِبُ امتطاءَها لو لم يكمل الآية ، فإذا ما أتمها تخلص من ذلك الوهم الكثيف ؛ ليجد أن هذه الحياة بأسرها قد ذُلّلت وأُنيخت له بِقُدرةِ القوي العزيز لتغدوَ ذلولا ، وصيغة المبالغة هذه - وهي ( فعول) - في هذا الوصف القرآني تُوحي لقارئها بمقدارٍ كبيرٍ من هذا الذل الذي قد لحق الأرض تكريما له وتقديرا ، ومن المعروف عند أهل اللغة أن الاسماء تدل على الثبات والاستمرار وأن الأفعال تدل على التجدد والحدوث ، مما يعني أن الذلّ الذي تلبسه الأرض هو على وجه الاستمرار والديمومة ، وهذا لا يمكن التعبير عنه بالأفعال لأنها تدل على الحصولِ أو التكرارِ الذي من شأنه أن يقع مرّة دون أخرى, والحاصل من هذا كله أن اختيار الاسم في هذا السياق يجعل الذل عَلَما على هذه الأرض وسِمَة لها ،
فكيف بالأسماء إن جاءت على صِيَغ المبالغة التي تدل على الكثرة من الفعل؟!

وكذلك قوله تعالى : " فامشوا في مناكبها " يُوحي بأن هذا الذل ليس كأي ذُلّ ؛ فالبغال و الحمير والدواب حين يريد المرءُ ركوبَها عليه أن ينيخها حتى يستطيع أن يمتطيَ ظهرَها ، بينما الأرض قد أنيختْ له طواعيةً حدّ أن يصبحَ المشيُ على مناكبها - لا ظهرِها - أمرا يسيرا لا مشقة فيه ، فسبحانك يا ألله .

إنني بعد أن أنتهيتُ من تأملي هذا وجدتُ أن من كمال الجور والظلم أن يقف القارئ لكتاب الله تعالى عند جماله اللغوي متجاهلا المعاني الكبيرة المندرجة و المنطوية تحت هذه الألفاظ البديعة.

أعدتُ حسابات التأمل بمفهومه الواسع من جديد فظهرتْ لي ثلاث نقاط سأذكرها باختصار :
الأولى وهي أن الأرض ما سُخِّرت لنا وما هُيئت بالإذلال عبثا واعتباطا بل لأن هناك أمرا عظيما في الآية الكريمة يعقبه وهو (فامشوا) ، والعجيب أن الله تعالى هنا لم يقل ( لتمشوا ) بل قالها بصيغة الأمر ، والأمر يُحْمَل على وجه الوجوب إذا كان متجرّدا عن القرائن كما هو الحال هنا أو يُحمل على وجه الندب على أقل تقدير ، والمهم من هذا كله أنّ الأمر موضعٌ للامتثال سواء كان على الوجوب أو الندب ، وكذلك محمولٌ على الفوريّة وسرعة المبادرة لا التراخي والبُطء ، ومن دلالاته أيضا هنا أنه على وجه التكرار وذلك حتى لا يكون المشي - أي : السعي - للحظاتٍ يُشعر المرءَ بأنّه قد أدى الذي عليه .

ومما يجدر الإشارة إليه الآن بعد أن ذكرتُ شيئا من معاني فعل الأمر (فامشوا) هو استخدام حرف الجر (في) عند قوله تعالى : (في مناكبها) إذ إن وجود هذا الحرف هنا يحْقن القارئ بمصلٍ يبعث فيه روح النشاط والحيويّة العارمة التي تجعله مستعدا للركض الحثيث والجري وشقّ الآفاق وطيّ الأراضي بقوة وعزم طلبا للقوت بنوعيْه الحسي والمعنوي ؛ فالموقف هنا موقف جد واجتهاد على خِلاف موضعٍ آخر في القرآن كان الموقف فيه يغلبه الذل والخشية والخضوع من قِبِل العباد لربهم عند قوله : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) ؛ فقد جاء هنا حرف الجر الدال على الاستعلاء وهو (على) ليختزل في جنبيه تعبيرا بلاغيا يتواءم مع سياق النص ، لأنه يعطي القارئ انطباعا بخفّة هؤلاء الأتقياء عند ملامستهم للأرض بسبب الخشوع الذي يلف أرواحهم مكسبا إياها خفة الهائمين بحب الله ..المتعلقين به في كل حين. وهكذا هو القرآن دائما تأتي لغتُه بما يلائم روح النص ، ولا غروَ في هذا فالذي أنزله هو الله .

إن هذه الآية الكريمة ترسم لنا ملامحَ مفهوم رئيس في ديننا وهو أنْ ليس في الإسلام شيءٌ يُدعى أنِ اجمدْ أوِ اخمدْ أوِ امكثْ مكانك دون تحرّكٍ ولا تجدّد ، بل تحرّكْ وتجدّدْ وكافحْ وسِرْ وقلّبْ ناظريك في أرجاء الكون متأملا ومتفكرا ، واكتسبْ خبراتٍ عديدة وابحثْ عن حلقات الحق الضائعة منك وافتحْ خزائن المعرفة المحجوبة عنك ، واجعل لك في كل يوم شأنا ، لكن المشي ينبغي أن يكون كمشي العارف الذي يستحضر وجود الله ومراقبته في كل وقت وحين لا مشي الغافل اللاهي ، وكأن لسان حال الماشي ينشد أثناء رحلته :
فإن تكلّمتُ لم أنطـــــق بغيــــركمُ وإن ســـكــــتُ فشـــغلي عنكمُ بكمُ

وتعليق القلب بالله أثناء قطع رحلة الحياة نستطيع أن نجده بجلاء عندما نسب الله الرزق إليه في هذه الآية قائلا : ( فكلوا من رزقه)، فالله لم يجعل ضمير الغائب المتصل عائدا إلى الأرض ولا إلى أي شيء آخر يعوّل عليه كثيرٌ من الناس ، وما كان هذا إلا لتظل القلوب متوكلة عليه وحده ، مذعنة لقوته وجبروته ؛ فهو المتحكم في نواميس هذا الكون وقوانينه ، وهو الذي بيده أن يوقف الأسباب الدنيويّة عن العمل أو يجريَها .


إن معنى التجدد والسعي يتأكّد في ذهن القارئ خصوصا وأن علة الصعوبة منتفية من وجهين ، فالكون قد أ ُنيخ له وذُلّل ؛ وهذا يقلل كمية المشقة والتعب التي ظلّ يضخّمها ويُعمْلقها بخيالاته الواهمة ؛ ليصبح حينها ليس محتاجا إلا أن يخطوَ بقدمه خطوة إلى الأمام لاكتشاف أسرار هذه الحياة واجتناء أرزاقها ، والوجه الآخر الذي ينفي صعوبة السير في الأرض هو الوجه الجسماني ؛ فالله خلق الإنسان في أحسن تقويم وفي أجمل حلة
(( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ))
إذن لا حُجّةَ للكسل وضمور عضلات النشاط و خمود نيران العقل.

أيضا النقطة الثانية التي ظهرتْ لي من خلال الاستظلال بدوحة هذه الآية الوارفة هي أن السفر والترحال فيهما فوائد جمّة ؛ ولهذا أمر الشارع سبحانه بالمشي في الأرض والتجول في أرجائها في مواضع عدة من القرآن الكريم:
(( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ))
(( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ))

وكما هو معلوم ، إن الهجرة بنوعيها الروحيّ والجسديّ تزيد المحزون سلوةً، والمحبَّ شوقا وتحنانا لمن أحبّ ، وتعلمّ المرء التحلّي بالصبر، وتهبه كذلك مفتاح التفكر في آيات الله ، و تقوده أيضا للتعرف على شريحة واسعة من الناس قد تُثري خبراتِه المعرفية ، وقد تؤذيه وتضرّه لتكون أبلغ درس له في تعلّم الصبر والتحمل والتجلد.

وفي هذا السياق أذكر أبياتا جميلة منسوبة للشافعي - رحمة الله عليه - تكرّس هذا المعنى :

ما في لمقــــام لذي عـقــل وذي أدبٍ من راحةٍ فــدعِ الأوطـــــان واغتربِ
ســـافرْ تجد عِوضا عمّـــن تفــارقـــهُ وانصبْ فإن لذيذ العيش في النصــبِ
إني رأيتُ وقوف المـــاء يفســـــــدهُ إن ساح طاب وإن لم يجــرِ لم يطــبِ
والأُسْد لولا فراق الأرض ما افترست والســـهم لولا فراق القوس لم يُصِبِ
والشـــمس لو وفقتْ في الفلك دائمةً لملّها النــاس من عــجم ومن عـــربِ
والتبر كالتُرْب مُلــقى فـــــي أمـــاكنه والعـــود في أصله نــوع من الحـطبِ
فإن تغـــرّب هـــذا عــــزّ مطــــلبــه وإن تغــــرّب هــــذا صـــار كالذهــبِ

لا أخفيكم ، إنني في آخر هذه الآية وجدتُني قد توقفتُ كثيرا عند ((وإليه النشور)) ؛ إذ أخذتُ أقبض بكفيّ على شعري بقوة وهذه طبيعتي متى ما كنتُ عاجزا عن اكتشاف شيء أو حل معضلة ما، فملامح المعنى لم تتضح لي هنا ، لكنني مع هذا كله متيقن في قرارة نفسي ألّا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل ، وإن وُجِد شيء من هذا فهو في الظاهر لقِصَرِ عقل المتأمل عند الجمع .

وبعد فترة وجيزة من التأمل ظهرتْ لي النقطة الثالثة وهي أن كثيرا ممن ينغمسون في مضمار الحياة قد يعتريهم من نسيان حقيقة الوجود قدرٌ كبيرٌ ؛ ولهذا جاء الشارع سبحانه مذكّرا بالهدف الأول المتمثّل في قوله : "وإليه النشور " ليقول لكل من أغرته الحياة الدنيا : إن هناك حياةً عُليا تنظره بشغف الأطفال ، ولمن لم يحالفه الحظ فتعثّر في رحلة مشيه على الأرض : إنّ ثمة نشورا يحمل إليه حقائبَ مكتظة بالجمال الخالد، وليقول لكل حزين مطرق الرأس : إن أُنْسا سوف يقشع غيمة يأسه وغمّه ، ولكل سعيدٍ مفعمٍ بالروحِ : إنّ الآخرة سوف تكون له أسعد وأجمل ، ولكل مظلومٍ مكسور الجناحين : إن هناك محكمة عادلة سوف تسترد له حقه ، ولكل جبار ظالم يبطح الضعفاء والمساكين : إن هناك يوما سوف يُبطح فيه أمام الخلائق .

إن كلمة النشور ، في حقيقة أمرها ، توسّع حياةَ كلَّ من كان في ضيق من العيش ، وفي المقابل تضيّق حياةَ كل من كان في سعة من العيش .
ومن هنا أجدني راضيا بعد سخطي على نفسي من ذنبي الأول حين اشتغلتُ بجمال الآية اللغوي بعيدا عن حقائقها العظيمة.

.

سلطان مهيوب