يوم الجمعة

الجمعة من الأيام ما يلي الخميس ؛ وهي بِضَمِّ الْمِيم عَلَى الْمَشْهُور ، وَقَدْ تُسَكَّن ؛ وجمع الجمعة : جُمَعٌ وجمعات ، ويقال : جمَّع القوم بتشديد الميم ، يجمِّعون ، أي : شهدوا الجمعة فصلوها .
وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَة الْيَوْم بِذَلِكَ - مَعَ الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّة (الْعَرُوبَة) ؛ قال أبو جعفر النحاس في كتابه ( صناعة الكتاب ) : ومعناه اليوم البين المعظم ، من أعرب إذا بيَّن .ا.هـ .
قال النووي في ( تهذيب الأسماء ) : وسمي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه ، هذا هو الأشهر في اللغة .ا.هـ . وَقِيلَ : لِأَنَّ خَلْق آدَم جُمِعَ فِيهِ ؛ فعَنْ سَلْمَانَ t قَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ e : " يَا سَلْمَانُ ، مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ؟ " قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ! قَالَ رَسُولُ اللهِ e : " يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ جُمِعَ فِيهِ أَبَوَاكُم - أَوْ أَبُوكُمْ " ( [1] ) ؛ قال ابن حجر - : وَهَذَا أَصَحّ الْأَقْوَال ، وَيَلِيهِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَيْهِ فِي قِصَّة تَجْمِيع الْأَنْصَار مَعَ أَسْعَد بْن زُرَارَةَ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم الْعَرُوبَة ، فَصَلَّى بِهِمْ وَذَكَّرَهُمْ فَسَمَّوْهُ الْجُمُعَة حِين اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مَوْقُوفًا ( [2] ) ؛ وقال ابن حزم في ( المحلى ) : الجمعة اسم إسلامي لليوم ، لم يكن في الجاهلية ، إنما كان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية ( العروبة ) ، فسمى في الإسلام ( يوم الجمعة ) ، لأنه يجتمع فيه للصلاة ، اسما مأخوذًا من الجمع ( [3] ) . قال ابن حجر : وَفِيهِ نَظَر ، فَقَدْ قَالَ أَهْل اللُّغَة : إِنَّ الْعَرُوبَة اِسْم قَدِيم كَانَ لِلْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَالُوا فِي الْجُمُعَة : هُوَ يَوْم الْعَرُوبَة ، فَالظَّاهِر أَنَّهُمْ غَيَّرُوا أَسْمَاء الْأَيَّام السَّبْعَة بَعْد أَنْ كَانَتْ تُسَمَّى : أَوَّل ، أَهْوَن ، جُبَار ، دُبَار ، مُؤْنِس ، عَرُوبَة ، شِيَار ؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : كَانَتْ الْعَرَب تُسَمِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ أَهْوَن فِي أَسْمَائِهِمْ الْقَدِيمَة ، وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّهُمْ أَحْدَثُوا لَهَا أَسْمَاء ، وَهِيَ هَذِهِ الْمُتَعَارَفَة الْآن كَالسَّبْتِ وَالْأَحَد إِلَى آخِرهَا . وَقِيلَ : إِنَّ أَوَّل مَنْ سَمَّى الْجُمُعَة الْعَرُوبَة كَعْب بْن لُؤَيّ وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاء وَغَيْره ، فَيَحْتَاج مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ غَيَّرُوهَا إِلَى الْجُمُعَة فَأَبْقَوْهُ عَلَى تَسْمِيَة الْعَرُوبَة ، إِلَى نَقْل خَاصٍّ ( [4] ) .
ولا مانع أن يجتمع المعنى اللغوي مع ما جاء في حديث سلمان t ؛ فتكون أصل التسمية من حديث :" يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ جُمِعَ فِيهِ أَبَوَاكُم - أَوْأَبُوكُمْ " ، ويتضمن - أيضًا - المعنى اللغوي في اشتقاقه من الجمع ؛قال ابن كثير - رحمه الله : إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع ؛ فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار ([5] ) .
وليوم الجمعة من الخصائص والفضل ما ليس لغيره ، ففيه كمل جميع الخلائق ، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ، وفيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، وفيه تقوم الساعة ، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه ، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحاح ؛ وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الحديث عن ذلك .
ومن أهم خصائص يوم الجمعة : صلاة الجمعة التي هي صلاة مستقلة - على الصحيح من قولي أهل العلم - في وقت صلاة الظهر ؛ قالالله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [ [ الجمعة : 9 ] ؛ وخُصَّت هذه الصلاة بخطبتين بين يديها ، وهو المراد من قوله تعالى : ] فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[عند جمهور العلماء .

[1] - ورواه البزار ( 2526 ) ، وابن خزيمة ( 1732 ) ، والحاكم ( 10 28 ) وصححه ؛ ورواه أحمد : 5 / 440 ، والطبراني في الكبير : 6 / 237 ( 6089 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2984 ) وفيه أن القائل : ( يَوْمُ الْجُمُعَةِ ... الخ ) سلمان ، وإسناده جيد .

[2]- انظر ( فتح الباري ) : 2 / 350 .

[3]- المحلى : 5 / 45 .

[4]- انظر ( فتح الباري ) : 2 / 350 .

[5]- انظر ( تفسير ابن كثير ) عند الآية ( 9 ) من سورة الجمعة .