الرد على ما زُعم أنه أدلة للتوسل بالنبيe والصالحين

لما كانت الوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المطلوب، وكان الدعاء هو سؤال العبد مطلوباته من الله U ، جاز أن يقدم الإنسان بين يدي دعائه وسيلةلتحصيل مطلوبه .
بيد أن الدعاء عبادة ، ومبنى العبادة على الشرع والتوقيف ، ولا مدخل للرأي والهوى فيها ، فلابد إذن أن تكون الوسيلة مشروعة ، إما عن الله تعالى ، أو عن رسوله e .
إذا تبين ذلك ، فاعلم - رحمني الله وإياك - أنه قد شاع بين الناس أنواع من التوسل ، منها ما هو مشروع ، ومنها ما هو ممنوع ؛ فأما المشروع منها : فالتوسل بأسماء الله وصفاته ، والتوسل بالأعمال الصالحة ، والتوسل بدعاء الصالحين .. هذا الذي جاءت الأدلة على مشروعيته .
ما عدا ذلك فليس هناك دليل صريح صحيح على مشروعيته ، وقد تمسك البعض بأشياء واهية وبكلام من ليس كلامه حجة في دين الله تعالى ، إذ الحكم بشيء أنه من الدين لا بد أن يكون عليه دليل صحيح صريح ، وما ليس بصحيح لا يثبت به حكم في دين الله تعالى ، ولذا لزم الرد على ما ادعاه البعض من أنه أدلة على التوسل برسول الله e والصالحين .
فنقول وبالله التوفيق :
ذكر الله تعالى لفظ الوسيلة في موضعين من كتابه العزيز :
الموضع الأول : في سورة المائدة ، قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[ ( المائدة : 35 ) . وروى الحاكم عن حذيفة t أنه سمع قارئا يقرأ هذه الآية ، قال : القربة . ثم قال : لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد e أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة ( [1] ) . ونقل ابن كثير - - في تفسيره عن ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد : أنها القربة . ثم قال : وهذا الذي ذكره الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه ( [2] ) .
الموضع الثاني : في سورة الإسراء : قال تعالى : ] أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [ ( الإسراء : 57 ) . قال القرطبي - - : ] يَبْتَغُونَ [ : يطلبون من الله الزلفة والقربة ، ويتضرعون إلى الله في طلب الجنة ، وهي الوسيلة .ا.هـ . وقـال السيوطي - - في ( تفسير الجلالين ) : الوسيلة : القربة والطاعة . وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود t قال : كان نفر من الأنس يعبدون نفرا من الجن ، فأسلم النفر من الجن ، واستمسك الأنس بعبادتهم ، فنزلت : ] أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ [ ، هذا لفظ مسلم ( [3] ) . والمعنى : أي استمر الأنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادتهم للجن ، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا ، وهم الذين صاروا ] يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ [ ، وهي القربة بالطاعة والعبادة ، أي يتقربون إلى الله في طلب ما يقربهم إليه . والمعنى : واطلبوا حاجتكم من الله لأنه وحده القادر على إعطائها .
وعلى هذا : فلا يخرج معنى الوسيلة في الآيتين عن القربة ، وهي : ما يتقرب به إلى الله تعالى من الطاعات والعبادات .
وقد نُقِل عن الخازن - - الاستدلال بهذه الآية على التوسل بالصالحين ، والمعروف أن الخازن اختصر تفسير البغوي ، وهذا كلام البغوي في تفسيره : وقوله : ]أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [ معناه : ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به ؛ وقال الزجاج : أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح .ا.هـ . فمعنى الأول يعود إلى الثاني بلا ريب ، لحديث ابن مسعود السابق وهو يوضح تفسير الآية بما لا يدع مجالا للشك .
واستدلوا بما رواه أحمد وابن ماجة : ثنا يزيد أنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري t عن النبي e : " من قال حين يخرج إلى الصلاة : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تنقذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له ، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته " ( [4] ) . هذا لفظ أحمد ؛ وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد ، وعطية ضعيف ، وفيه فضيل بن مرزوق، وهو - أيضًا - فيه ضعف بسبب الوهم ، وقد روي من طرق أخرى كلها ضعيفة . وهو على ضعفه لا حجة فيه ؛ لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين ، وبحق الماشين في طاعته ، وحق السائلين أن يجيبهم ، وحق العابدين أن يثيبهم ، وهو حق أوجبه الله على نفسه الكريمة بوعده الصادق ، باتفاق أهل العلم . وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم . وليس للمخلوق أن يوجب على الله تعالى شيئًا ؛ أفاده ابن تيمية .
وأقوى ما استدلوا به ما رواه البخاري عن أنس t أن عمر بن الخطاب t كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، فقال : اللهمإناكنانتوسلإليكبنبينافتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ، فاسقنا . فيسقون ( [5] ) ؛ وليس لهم فيه حجة ؛ إذ الاستسقاء : طلب السقيا ؛ وإنما يكون ذلك بالدعاء ، كما كان يفعل النبي e ، قال الحافظ ابن حجر - - : وقد بين الزبير بن بكار في ( الأنساب ) صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة ، والوقت الذي وقع فيه ذلك ، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال : اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولم يكشف إلا بتوبة ، وقد توجه القوم بي إليك لمكانتي من نبيك ، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ، ونواصينا إليك بالتوبة ، فاسقنا الغيث . فأرخت السماء مثل الجبال ، حتى أخصبت الأرض ، وعاش الناس . ا.هـ . و أخرج عبد الرزاق من حديث ابن عباس - - : أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس : قم فاستسق . فقام العباس فقال : اللهم إن عندك سحابا ، وإن عندك ماء ، فانشر السحاب ، ثم أنزل الماء ، ثم أنزله علينا ، فاشدد به الأصل ، وأطل به الزرع ، وأدرَّ به الضرع ، اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا ، اللهم إنا شفعنا إليك عمن لا منطق له ، عن بهائمنا وأنعامنا ، اللهم اسقنا سقيا وادعة ، بالغة ، طبقا ، عاما ، محييا ، اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب ، وغرم كل غارم ، وجوع كل جائع ، وعري كل عار ، وخوف كل خائف ، في دعاء له ( [6] ) .
فظهر بهذا أن التوسل كان بدعائه لا بذاته . وعليه فلا ينصرف التوسل في حديث أنس إلى التوسل بذوات الصالحين ، كما فهم البعض ، وإنما التوسل بدعاء الصالحين لا بذواتهم ؛ ولهذا بوب البيهقي - - في السنن الكبرى ( باب الاستسقاء بمن ترجى بركة دعائه ) .
واستدلوا بما رواه أبو يعلى وابن السني الطبراني من حديث الحسن بن عمر عن معروف بن حسان عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي بريدة عن ابن مسعود t : أنه قال : قال رسول الله e : " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا ، يا عباد الله احبسوا ، فإن لله حاصرا في الأرض سيحبسه " فقد قال الحافظ ابن حجر : حديث غريب ، ومعروف ( يعني ابن حسان ) قالوا : منكر الحديث وقد تفرد به ، وفيه انقطاع أيضا بين أبي بريدة وابن مسعود انتهى ، وقال الهيثمي فيه معروف بن حسان ضعيف .ا.هـ . فالحديث ضعيف جدًا لا يحتج به .
ورواه الطبراني بإسناد ضعيف جدًا عن عتبة بن غزوان t بلفظ : " إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أعينوني ، فإن لله عبادا لا نراهم " .
واستدلوا بما رواه الحاكم قال : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي ، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، ثنا إسماعيل بن مسلمة ، أنبأ عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمر بن الخطاب t قال : قال رسول الله e : " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله : يا آدم و كيف عرفت محمدا و لم أخلقه ؟ قال : يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ، ونفخت في من روحك ، ورفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق ؛ فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إلي ، ادعني بحقه فقد غفرت لك ، و لولا محمد ما خلقتك " ؛ وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ؛ وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم في هذا الكتاب .ا.هـ . وتعقبه الذهبي في ( التلخيص ) فقال : بل موضوع ، وعبد الرحمن واه ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري ، ولا أدري من ذا .ا.هـ . وأورده الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) في ترجمة الفهري هذا ، وقال : خبر باطل ، رواه البيهقي في ( دلائل النبوة ) .ا.هـ ووافقه ابن حجر في ( لسان الميزان ) . وقال البيهقي في الدلائل : تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف .ا.هـ ( [7] ) . والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط من طريق عبد الرحمن بن زيد ثم قال : لا يُروى عن عمر إلا بهذا الإسناد ، تفرد به أحمد بن سعيد الفهري . ا.هـ وقال الهيثمي في ( المجمع ) : وفيه من لم أعرفهم .ا.هـ . ورواه أبو بكر الآجري في كتاب ( الشريعة ) من طريق الفهري وعبد الرحمن بن زيد موقوفا على عمر ( [8] ) . وقال ابن تيمية : رواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه ، فإنه نفسه قد قال في كتاب ( المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم ) : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة ، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه . قلت : وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم ، يغلط كثيرًا ، ضعفه أحمد بن حنبل ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم . ا.هـ ( [9] ) .
بهذا يُعلم أن الحديث باطل موضوع ، لا يصلح للاحتجاج ، ولا يجوز أن يذكره أحد إلا من باب التنبيه على وضعه . قال شيخ الإسلام - - : ومثل هذا لا يجوز أن تُبنى عليه الشريعة ، ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين ؛ فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا تُعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي e ، وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب ، لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين ، باتفاق المسلمين ، فكيف إذا نقلها من لا ينقلها عن أهل الكتاب ، ولا عن ثقات علماء المسلمين ؟! بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه . ا.هـ ( [10] ) .
وأختم بما قاله الشنقيطي - - في ( أضواء البيان ) : التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء ، من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة ، على وفق ما جاء به الرسول e ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا ، لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته . وبهذا التحقيق تعلم : أن ما يزعمه كثير من أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية : الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه ، أنه تخبط في الجهل والعمى ، وضلال مبين ، وتلاعب بكتاب الله تعالى .
واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار ، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ] مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [ ( الزمر : 3 ) ، وقوله : ] وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ ( يونس : 18 ) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله e ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل . انتهى المراد منه ( [11] ) .
اسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه ... اللهم من كان من أمة محمد على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ردا جميلا حتى يكون من أهل الحق . آمين .. وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله .

[1] - المستدرك : 2 / 312 ، رقم ( 3216 ) ، قال الذهبي في ( التلخيص ) : على شرط البخاري ومسلم .

[2] - انظر تفسير ابن كثير : 2 / 48 . وكذا انظر تفسير القرطبي : 6 / 159، وتفسير الخازن : 1/454، وفتحالقدير:2/41،والتحريروالتنوير:6/187،وأضواءالبيان:2/86،87.وغيرهامنالتفاسير .

[3] - البخاري ( 4714 ، 4715 ) ، ومسلم ( 3030 ) .

[4] -أحمد:3/21،وابنماجة(778)،والطبرانيفيالدعاء(421)،وانظرالعلللابنأبيحاتم:2/ 184، وقال : ورواه أبو نعيم عن فضيل عن عطية عن أبي سعيد موقوفا.قالأبي:والموقوفأشبه . ا.هـ. وضعفه النووي في الأذكار : 32 ،وانظرالسلسلةالضعيفةللألباني (24) فقدأطالالكلامفيهفأجادوأفاد.

[5] - رواه البخاري ( 1010 ، 3710 ) .

[6] - مصنف عبد الرزاق ( 4913 ) . وذكره ابن حجر في الفتح : 2 / 495 عنه مختصرا .

[ 7 ] – الحاكم : 2 / 215 ، ودلائل النبوة : 5 / 488 ، وميزان الاعتدال : 2 /504 ، ولسان الميزان : 3/141،142.

[ 8 ] – الطبراني في الصغير ( 971 ) ، والأوسط ( 6502 ) ، والمجمع : 8 /253 ، والشريعة ( 193 ) .

[9] - انظر مجموع الفتاوى : 1 / 254 ، 255 .

[10] - انظر مجموع الفتاوى : 1 / 257 ، 258 .

[11] - أضواء البيان : 2 / 87 .