تعريف المسنَد، وما يتعلق به من العلو والنزول

قال : (والمسنَد: مرفوع الصحابي بسند ظاهره الاتصال، فإن قلَّ عدده: فإما أن ينتهي إلى النبي ، أو إلى إمام ذي صفة عَليّة كشعبة.
فالأول: العلو المطلق، والثاني: النسبي.
وفيه (الموافقة): وهي الوصول إلى شيخ أحدِ المُصَنِّفِينَ من غير طريقه، وفيه: (البَدَلُ): وهو الوُصُولُ إِلى شيخِ شيخه كذلك، وفيه: (المساواةُ): وهي استواء عدد الإسنادِ من الراوي إلى آخره مع إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفينَ، وفيه: (المُصَافحةُ): وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المُصَنِف، ويقابِلُ العُلُوَّ بِأَقسَامِهِ النُّزُولُ).
اشتملت هذه الجملة على مسألتين اثنتين:
الأولى: تعريف المسنَد.
الثانية: ما يتعلق به من علوّ ونزول، وما ينتج عن هذا العلو والنزول من أنواع.
قال المصنف :: (والمسند: مرفوعُ صحابيٍ بسندٍ ظاهرُه الاتصال).
فتضمنت كلمة الحافظ في تعريف المسند وصفين:
1 ـ أن يكون الحديث مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
2 ـ أن يكون الإسناد ظاهرُه الاتصال، ونصَّ الحافظُ على كلمة (بسندٍ ظاهرُه الاتصال)؛ لأن بعض الأحاديث لا يُكتشف انقطاعُها إلا بعد البحث.
وعليه: فإذا وجدنا حديثاً صورته صورة حديث مرفوع إلى النبي ج؛ فإننا ندخله في المسانيد، أما كونه يتبين لنا بعد البحث أنه منقطع فهذا لا يضر؛ لأن العبرة عندنا بظاهر الإسناد.
مثال ذلك: في مسند أحمد كثيراً ما يقول: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك، فهنا هذه السلسلة الأصل فيها الاتصال، لكن في بعض الأسانيد بعد التفتيش وجدنا فيها انقطاعاً، فهذا لا يؤثر في كونها مسندة، فندخلها في مسمى (المسند)؛ لأن ظاهرها أنها متصلة إلى النبي ج.
ثم قال الحافظ: (فإن قل عدده؛ فإما أن ينتهي إلى النبي ج، أو إلى إمامٍ ذي صفةٍ عليَّةٍ كـ: شُعبة؛ فالأول: (العلو المطلق)، والثاني: (النسبي)).
ولتوضيح هذه الجملة يقال:
الإمام أحمد مثلاً توفي سنة (241هـ)، وأحاديثه التي يرويها في المسند غالباً تدور على أربعة رجال، يعني يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام بأربعة رجال، وأحياناً ينزل، بمعنى: أنه تزيد حلقة الإسناد، فيكون خماسياً، وأقل منه أن يكون سداسياً، وأحياناً تقل حلقات الإسناد، وتكون ثلاثية ـ وهذا قليل جداً ـ وهو الذي يُعرف بـ"الثلاثيات"([1]).
وعليه: فالعلو والنزول تابع لطبقة الإمام المصنّف، فالأئمة: ابن أبي شيبة، وأحمد، والحميدي، متقاربون في الطبقة، والأئمة: البخاري، وأبو داود، ومسلم ، متقاربون في الطبقة.
فالعلو نقارنه بينهم، لا نقارن الإمام أحمد ـ مثلاً ـ بشيخه عبدالرزاق (ت:211)، أو الشافعي (ت:204)، ولا نقارنه بتلاميذه أيضاً.
والحاصل أن المصنف من المصنّفين إذا كان يصل إلى النبي ج بأربعة رجال، ثم وصله بخمسة أو ستة، فهذا يعتبر نزولاً، وإذا وصل إليه بثلاثة، فهذا يعتبر علوّاً.
ثم قال الحافظ :: (فإذا انتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعددٍ قليلٍ فهذا يسمى: (العلو المطلق) سمّي علواً مطلقاً؛ لأن أعلى من يُطلب في الأسانيد هو الرسول عليه الصلاة والسلام، أما غيره فالعلوّ فيه مقيد بإمام كشعبة ومالك ونحوهما.
وهناك أحاديث يَقصِد فيها المحدِّثون أن يصِلُوا إلى إمامٍ معيّنٍ بأقصر إسنادٍ ممكن، مثل: شعبة، والثوري، والأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، وغيرهم من هؤلاء المكثرين.
فإذا كان قصْدُ المحدِّث الوصولَ إلى إمامٍ من الأئمة وليس إلى النبي ج بإسنادٍ قليل؛ فهذا نُسميه علواً نسبياً؛ لأن المحدِّث حينما يطلب الإسناد إنما يطلب العلو هنا بالنسبة إلى إمامٍ معيّن، وليس إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
والخلاصة: أقسام الخبر باعتبار عدد الرواة – أي: العلو والنزول -: إما أن ينتهي إلى النبي ج فهذا نسميه (العلو المطلق)، وإما أن ينتهي إلى أحدِ أئمة الحديث بصفة عليّة فهو (العلو النسبي).
ثم قال الحافظ :: (وفيه (الموافقة): وهي الوصول إلى شيخ أحدِ المُصَنِّفِينَ من غير طريقه، وفيه (البَدَلُ): وهو الوُصُولُ إِلى شيخِ شيخه كذلك، وفيه (المساواةُ): وهي استواء عدد الإسنادِ من الراوي إلى آخره مع إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفينَ، وفيه (المُصَافحةُ): وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المُصَنِف، ويقابِلُ العُلُوَّ بِأَقسَامِهِ النُّزُولُ).
قوله: (وفيه) أي: أن هذا العلو النِّسْبي - الذي يتعلق بالأئمة وليس بالنبي ج - نتجتْ عنه أنواعٌ عند المحدثين، أوضحها باختصار([2]):
مثلاً: عندما نقرأ في "تهذيب الكمال" للحافظ المِزِّي؛ نجد أنه إذا ترجم لبعض الرواة فإنه يسوق في ترجمته حديثا، رواه من طريق أحد الأئمة، ثم يقول: (فوافقناه بعُلُوٍّ)([3])، وأحياناً يقول: (صافحناه)([4])، فما المراد بذلك؟ والجواب كما يلي:
الأول: الموافقة: وهي الوصول إلى شيخ أحدِ المُصَنِّفِينَ بعلوّ من غير طريقه.
مثال: عندنا البخاري روى عن قتيبة، عن مالك.
فلو أن الحافظ : - وهو من أئمة القرن التاسع - روى حديثاً يريد أن يصل فيه إلى قتيبة - شيخ البخاري -، فبينه وبين قتيبة ثمانية رواة، فإذا أراد الحافظ أن يروي هذا الحديث بعينه لكن من غير طريق البخاري، بل من مِن طريق شيخٍ آخر - وهو أبو العباس السراج، عن قتيبة -؛ فهذا يسمى الموافقة، ووجه التسمية بالموافقة؛ كأنه وافق البخاري في الرواية عن شيخه قتيبة، مع العلو طبقة أو أكثر أحياناً.
الثاني: البَدَلُ: وهو الوُصُولُ إِلى شيخِ شيخه كذلك.
ففي المثال السابق: إذا أراد ابن حجر أن يروي ذلك الحديث لكن من طريق شيخ آخر غير شيخ البخاري في الحديث السابق، وهو هنا: القعنبي، عن مالك، فيكون القعنبي بدلاً من قتيبة، فترويه من غير طريق القعنبي، عن مالك بعلوّ.
والحاصل: أن البدل نفس الموافقة، لكن الموافقة تكون مع شيخ البخاري.
الثالث: المساواةُ: وهي استواء عدد الإسنادِ من الراوي إلى آخره مع إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفينَ.
مثَّل الحافظُ بإسناد موجودٍ وحقيقي، وهو أن النسائي عنده عُشاريات في سننه، أي: إسناد طوله عشرة رواة يبدأ من النسائي وينتهي بالنبي ج.
فالحافظ ابن حجر يقول: لو رويتُ أنا -وهو في القرن التاسع - إسناداً أصِلُ فيه إلى النبي ج بعشرة رجال، ثم روى ذلك الحديث نفسَه النسائيُّ عن النبي ج بعشرة رجال، فإنا تساوينا أنا وإياه في العدد.
إذن: استواء عدد رجال الإسنادِ من الراوي المتأخر إلى النبي r، مع رجال إسنادِ أَحَدِ المُصَنِّفينَ المتقدمين يسمى: (مساواة).
الرابع: المُصَافحةُ: وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المُصَنِّف) وهي نفس فكرة المساواة، لكن بدلاً من أن يساوي الإمام، ساوى تلميذه.
مثاله: ابن السني عن النسائي، فبدلاً من أن يساوي النسائي ساوى ابنَ السني، فتكون المساواة مع التلميذ، فيسمونها (مصافحة)، فابن حجر لما وافق تلميذَ النسائي كأنه صافحه، أي: كأنه أخذ عنه.
قال الحافظ: (ويقابِلُ العُلُوَّ بِأَقسَامِهِ النُّزُولُ) تماماً.
وللعلم، فإن هذه المصطلحات إنما وضحّناها لأن الحافظ ذكرها، وإلا فهي قليلة الفائدة بالنسبة لهذا العلم، ولا علاقة لها بالتصحيح والتضعيف، ولا ينبغي أن ينشغل بها الطالب كثيراً، فإن فهمها الطالب في هذه المرحلة فحسن، وإلا فلا يتعب نفسه، حتى يصلب عوده في هذا الفن.

ـــــــــــــــ


أنواع حديثية ناتجة عن رواية الرواة بعضهم عن بعض

ثم قال الحافظ :: (فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في السنِّ واللقيِّ فهو: (الأقرانُ)، وإنْ روى كلٌّ منهما عن الآخر: فـ(المُدَبَّج)، وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَـ(الْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ)، وَمِنْهُ: (الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ)، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ: (السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ).
وَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقِي الْاسْمِ ولم يتميزا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيَّنُ الْمُهْمَلُ.
وإن جحد مرويه جزماً: رد، أو احتمالاً: قبل في الأصح.
وفيه: من حدَّث ونسي.
وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء وغيرها من الحالات فهو المسلسل).
هذه جملة من الأنواع، تنتج عن رواية الرواة بعضهم عن بعض، وهي:
1 ـ رواية الأقران: أي اشتراك الرواة المتقاربين في السن ولقي المشايخ، فهذا يقال له: (رواية الأقرانِ)، مثل الإمام أحمد والحميدي متقاربين في السنّ، واشتركا في الرواية عن بعض المشايخ كابن عيينة.
2 ـ المدبج: وهو رواية الأقران بعضهم عن بعض، والتدبيج مأخوذ من ديباجتي الوجه؛ فيقتضي أن يكون ذلك مستوياً من الجانبين، ومن أشهر الأمثلة: رواية الثوري عن شعبة، وشعبة عن الثوري، فهذا يسمّى المدبّج.
3 ـ رواية الأكابر عن الأصاغر: وأشرف مثالٍ يمثَّل به لهذا: تحديث النبي ج لمّا صعد المنبر: «إن تميماً الداري حدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال» ثم ذكر قصة الجساسة([5])، فهي رواية من النبي عليه الصلاة والسلام عن تميم الداري.
وإنما نبه العلماء على ذلك؛ لأن الأصل هو رواية الأصاغر عن الأكابر.
فقد يجد طالب العلم إسناداً فيه رواية أب عن أبيه، أو شيخ عن تلميذه، فلا ينبغي أن يستعجل بالتخطئة، بل يتأكد؛ لأنه قد يكون من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ ولهذا قال المصنف ::(وَمِنْهُ) أي من رواية الأكابر عن الأصاغر (الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ) ثم قال: (وفي عكسه ـ أي: رواية الأصاغر عن الأكابر ـ كثرة) لأن رواية الابن عن الأب هو الأصل.
4 ـ رواية الابن عن أبيه، عن جدّه: وهذا النوع من السلاسل كثيرة جداً، ومن أشهرها: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وكذلك: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
5 ـ السابق واللاحق: وصورته وضّحها المصنف : بقوله: (وإن اشترك اثنان عن شيخٍ، وتقدم موت أحدهما: فهو (السابق واللاحق)).
مثال معاصر: الشيخ ابن باز ، ولد عام 1333هـ، ولنفترض أنه بدأ يحدّث بعد عشرين سنة، وهو عام 1353هـ، ففي تلك الفترة سمعه شيخٌ عمره تسعون سنة؛ فقال: حدثنا ابن باز، ثم ساق حديثاً، فمات هذا الرجل عام 1354هـ، وابن باز : مات عام 1420هـ، فلو جاء شاب من مواليد عام 1400هـ طلب العلم، وفي عام 1419هـ - قبل موت الشيخ بأشهر- قال: حدثنا ابنُ باز، وأعاد نفس حديث ذاك الشيخ ابن التسعين سنة الذي كان سمعه من الشيخ عام 1354هـ، وذلك الشاب مات سنة 1500هـ، فتشنا في الكتب وجدنا الشيخ الأول الذي مات منذ زمن يقول: حدثنا ابن باز، ثم رأينا هذا الإسناد وإذا هذا الشاب يقول: حدثنا ابن باز! وتبين أن بين الشاب الذي عُمّر وبين ذلك الشيخ الذي روى عن ابن باز نحواً من 150 سنة.
فالذي لا يعرف (السابق واللاحق) يقول: ذِكرُ الشيخِ هنا وهْمٌ وغلط! والواقع أنه ليس بغلط، ولذلك اهتم العلماء بموضوع (السابق واللاحق)، وأقصى مدة – كما يقول المصنف : - وقفنا فيها على الفرق بين الراوي الذي مات قديماً، والراوي الذي مات أخيراً مائة وخمسين سنة، وكلاهما روى عن شيخٍ واحد!
س/ ما سبب عناية الأئمة بهذا النوع؟
الجواب: يعتني الأئمة بـ(السابق واللاحق) حتى لا يُظن أن هناك سقط في الإسناد، كما سبق بيانه.
ثم قال :: (وإن روى عن اثنين متّفقي الاسم ولم يتميزا، فباختصاصه بأحدهما يتبيّن المُهمل).
مراد المصنّف أن من الرواة من يروي عن شيوخ يتفقون في الاسم، ثم نجد في الكتب أن هذا الراوي لا يميز بين أسماء شيوخه، فكيف نعرف أنه يريد هذا الشيخ ولا يريد ذاك الشيخ؟
مثال تطبيقي: أن بعض الرواة قد يروي عن الحمّادَين: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، أو عن السُّفيانَين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، فأشار الحافظ هنا إلى طريقة معرفة الشيخ إذا لم يصرح باسمه كاملاً([6]).
قال الحافظ : مبيّناً طريقة معرفة الشيخ: (فباختصاصه بأحدهما يتبيّن المُهمل).
مثال: شيخ أبي داود يُكنى أبا سلمة التبوذكي([7])، وهذا الشيخ التبوذكي دائماً يقول: حدثنا حماد ويقف، فهذا هو حماد بن سلمة؛ لأنه نادر جداً أن يروي عن حماد بن زيد، يقول المزي: يقال إنه روى عنه حديثاً واحداً([8]).
إذن: صار أبو سلمة التبوذكي هذا مختصاً بحماد بن سلمة، يقول الحافظ: (فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل) المُهمَلُ: هو الذي لم ينسب إلى أبيه، مثل: حماد، سفيان، أحمد.
وإذا كثر الاشتراك، احتاج الباحث إلى جهد أكبر للكشف عن الراوي المهمل.
وبناءً على هذا فالبحث لا يجري فيمن روى عن أحد الحمادين أو السفيانين؛ لأنه لا لبس فيه، كما لو قال الإمام أحمد: حدثا سفيان، فهنا لا لبس فيه؛ لأن الإمام أحمد لا يروي عن سفيان الثوري، فقد ولد بعد موته بثلاث سنين.
6 ـ جحد الرواية: وقد عبّر عن ذلك بقوله: (وإن جحد مرويه جزماً رُدّ، أو احتمالا: قبل في الأصح، وفيه: من حدث ونسي).
والمعنى: أن الراوي إذا عن شيخه حديثاً، فجحد الشيخُ ما رواه عنه تلميذه، فلا يخلو جَحْدُ الشيخ من حالين:
الحال الأولى: أن يجزم الشيخ بالرد، كأن يقول: كذبَ عليّ، أو: لم أروِ هذا، ونحو هذه العبارات، فإن الرواية حينئذٍ تُردُّ؛ لأن أحد الطرفين ـ الشيخ أو التلميذ ـ مخطئٌ يقيناً، ولم يترجح لنا من هو المخطئ والواهم، فنرده احتياطاً للسنة([9])، ولا يقدح هذا في التلميذ.
الحال الثانية: أن يردّ الحديث احتمالاً، كأن يقول: لا أذكر هذا، أو لا أعرفه، فإن الحديث يُقبل (في الأصحّ)، ويُحمل ردّ الشيخ على النسيان.
وفي قوله: (في الأًصح) إشارة إلى الخلاف في هذه المسألة، ولكن الراجح هو ما ذكره المصنف :، وفي المسألة تفاصيل مبسوطة في المطولات.
قال :: (وفيه) أي في هذا النوع من أنواع علوم الحديث، صنّف بعض الأئمة فيه كتاب (من حدّث ونسي) وهو للإمام الدارقطني.
7 ـ المسلسل: وصورته أن (يتفق الرواة في صيغ الأداء) كـ: سمعتُ فلاناً، قال: سمعتُ فلاناً، أو قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان ... الخ. (أو غيرها من الحالات) كأن تُحكى الرواية بصيغة فعلية أو قولية، فهذا يسمى المسلسل.
ومن الأبيات اللطيفة في "البيقونية":
مسلسلٌ قُل ما على وصفٍ أتى مثلُ: أما والله أنباني الفتى
كذاك حدثنيه قائماً أو بعد أن حدثني تبسَّما

فقوله : (أنباني) = صيغة قولية، و(قائما)= فعلية، و(تبسّما) = فعلية.
فالمسلسل إذن: أن تتصل حلقاتُ الإسناد على صفةٍ واحدة: إما قولية أو فعلية.
مثاله: روى ابنُ خزيمة في صحيحه([10]) من طريق عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن الصنابحي، عن معاذ بن جبل س أنه قال: أخذ رسول الله ج يوماً بيدي، فقال لي: «يا معاذ والله إني لأحبك» فقلت : بأبي أنت وأمي، والله إني لأحبك، قال: «يا معاذ! إني أوصيك، لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
قال ابن خزيمة: وأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن الحبلي، وأوصى به أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم([11]).
وللحديث صلةٌ إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــــــ

([1]) التي جمعها السفاريني وشرَحَها (ثلاثيات مسند أحمد) أي: الأحاديث التي ليس بين أحمد ورسول الله r إلا ثلاثة رجال فقط، منهم الصحابي.

([2]) ولا نريد أن نستغرق فيها؛ لأنها أصبحت تاريخاً، ولا علاقة لها بالصحة ولا بالضعف، لكن لأنها ستمر بك في كتب الرجال كلما تقدمت في طلب العلم إن شاء الله تعالى.

([3]) ينظر مثلاً: تهذيب الكمال: (3/367)، (7/ 318).

([4]) ينظر: تهذيب الكمال: (9/334)، (12/303)، تهذيب الكمال: (23/ 533) وهو مثال طريف.

([5]) مسلم ح(2942).

([6]) وفي آخر المجلد السابع من "سير أعلام النبلاء"؛ ذكر بعض الفوائد في التمييز بين الحمادين والسفيانين.
وهناك بحوث متخصصة كُتِبت في التمييز بين الرواة الذين يروون عن السفيانَين والحمّادَين، كبحث أ.د.علي الصياح

([7]) المتوفى سنة: 223هـ.

([8]) تهذيب الكمال: (29/22).

([9]) وهذا إذا كان الشيخ وتلميذه ثقتين، أما إذا كان أحدهما ضعيفاً فلا شك في تقديم الأحفظ والأوثق.

([10]) صحيح ابن خزيمة (1/369)، والحديث رواه أبو داود ح(1522)، النسائي ح(1303)

([11]) فائدة: لمّا كان الرواة يحرصون على بقاء السلسلة على صورة موحدة، صارتْ أكثر السلاسل ضعيفة؛ لأن حرص الرواة يتجه إلى بقاء صفة المسلسل! بغض النظر هل الحديث صحيح أم ضعيف،وهل هو ثقة أم غير ثقة!