العاقل ومواسم الخير

إن للعاقل من توالى الأيام وتكرار الأعوام عظة وعبرة ، فهو على يقين من أن عمره ينقص في كل يوم يمضي ، وبذلك يقترب من أجله ، ويدنو من حسابه ، وإنها لجنة نعيم أو عذاب أليم . ولله در القائل :

وما أدري وإن أملت عمرا ..... لعلي حين أصبح لست أمسي


أما ترى أن كل صباح يوم ....... وعـمرك فيه أقصر منه أمسِ

فعلى العاقل أن يهتبل الفرص لنجاته ، ويستزيد من الخير في أيامه ، ليكون ذلك ذخرًا له يوم يلقى الله تعالى ، فيفوز بجنات النعيم ، وينجو من العذاب العظيم .

وقد جعل الله تعالى في أيام عباده مواسم يرتجى الخير فيها ؛ وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته ، يُتقرب بها إليه ، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والليالي والساعات ، وتقـرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار ، وما فيها من اللفحات .
روى الطبراني في ( الكبير والأوسط ) ، والبيهقي في ( شعب الإيمان ) ، وأبو نعيم في ( الحلية ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد ) عَنْ أَنَسٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ".
فعلى العاقل أن لا يضيع في هذه المواسم وقته ، بل يغتنم ليلها ونهارها في طاعة الله تعالى ، عسى أن ينال من فضل الله تعالى ما لا يشقى معه أبدًا .
وها نحن – أيها المسلمون – بعد ليال معدودات نستقبل شهر رمضان : شهر الخيرات ، شهر القربات ، شهر زيادة العبادات من صيام وقيام وذكر وصدقات ودعوات ، شهر المغفرة والرحمة والعتق من النيران ؛ شهر الانتصارات : على النفس ، وعلى الشيطان ،وعلى أعداء الله من مشركين ومنافقين وكفار .
فكيف يكون استقبالنا له ؟ إنه سؤال يحتاج إلى إجابة ، ومع الإجابة برنامج عمل ، فما أكثر الأقوال وأقل الأعمال ! وهل يفيد قول بلا عمل ؟!