الكلام على صيغ الأداء
قال الحافظ :
(وصيَغ الأداء: (سمعت) و(حدثني)، ثم (أخبرني)، و(قرأت عليه)، ثم (قرئ عليه وأنا أسمع)، ثم (أنبأني)، ثم (ناولني)، ثم (شافهني)، ثم (كتب إلي)، ثم (عن) ونحوها.
فالأولان: لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فإن جُمع فمع غيره، وأولها: أصرحها وأرفعها في الإملاء.
والثالث، والرابع: لمن قرأ بنفسه، فإن جمع: فهو كالخامس.
والإنباء: بمعنى الإخبار، إلا في عُرف المتأخرين فهو للإجازة كـ(عن)، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائهما - ولو مرة - وهو المختار.
وأطلقوا (المشافهة) في (الإجازة) المتلفظ بها، و(المكاتبة) في الإجازة المكتوب بها، واشترطوا في صحة (المناولة) اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة.
وكذا اشترطوا الإذن في (الوِجادة)، و(الوصية بالكتاب) وفي (الإعلام)، وإلا فلا عبرة بذلك - كالإجازة العامة - وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك).
هذه جملةٌ من المسائل تتعلق بخواتيم متصلة بعلم المصطلح، بعضها بالغ الأهمية جداً، وبعضها دون ذلك.
والعلماء اعتنوا بطرق التحمّل وصيغ الأداء؛ وسبب هذه العناية: لأثرها على الحكم في الأسانيد صحة وضعفاً.
وصيغ الأداء التي أشار إليها المصنف : على ثماني مراتب:
المرتبة الأولى: تتضمن صيغتين، وهما: (سمعت) و(حدثني).
وهذه تقال لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فإن جَمَع الراوي وقال: حدثنا فلان، أو سمعنا فلاناً يقول، فهذا يدل على أنه سمع من شيخه مع غيره، وقد تكون النون للعظمة، لكن هذا نادرٌ.
و(سمعتُ) هي أصرح صيغ الأداء مطلقاً؛ لأنها لا تحتمل غير السماع.
المرتبة الثانية: (أخبرني) و(قرأت عليه) وهذه الجملة (قرأت عليه) تقال لمن قرأ بنفسه على الشيخ، فإن جَمَع الراوي، كأن يقول: (أخبرنا)، أو (قرأنا عليه) فهذا تماماً كالمرتبة الثالثة الآتية، وهي (قرئ عليه وأنا أسمع)، وصيغة: (قرئ عليه وأنا أسمع)، وهذه الصيغة يفعلها النَّسائي فيما يرويه عن شيخه الحارث بن مسكين([1]).
المرتبة الثالثة: (أنبأني)، وهذا اللفظ في اصطلاح المتقدمين بمعنى الإخبار، أي أن الراوي في ذلك العصر إذا قال: (أنبأني، أخبرني) أو (أنبأنا، أخبرنا) فهما سواء، لكن عند المتأخرين صار هذا اللفظ (أنبأني) يقال في مقام الإجازة فحسب، مثل (عن).
ثم إن الحافظ لمّا ذكر هذه المرتبة، وأشار فيها إلى (العنعنة)، استطرد في مسألة مشهورة بـ(عنعنة المعاصر) فقال : : (وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس وقيل: يشترط ثبوت لقائهما -ولو مرة-، وهو المختار).
صورة المسألة: عندنا راوٍ اسمه (يزيد)، يعيش في الفترة من سنة (150 – 200 هـ) وجدناه يروي عن شيخٍ عاش في نفس الفترة تقريبا اسمه: (صالح)، وأمكن لقاؤهما، بأن يكونا في بلد واحدة مثلاً، أو في بلاد متقاربة كمكة والمدينة أو الطائف، فهل نعتبر رواية (يزيد) محمولة على السماع، أم لا بد أن نتأكد أن (يزيد) لقي شيخه (صالح) ولو مرّة واحدة؟
المصنّف رجح أنه لا بد من ثبوت اللقاء ولو مرةّ واحدة، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب جمهور الأئمة المتقدمين، وعلى رأسهم: ابن المديني، والبخاري.
المرتبة الرابعة: (ناولني)، أي: ناول الشيخُ تلميذه كتابه، ويأذن له بأن يحدث منه، ولهذا قال المصنف: (واشترطوا في صحة "المناولة" اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة).
المرتبة الخامسة: (شافهني) أي: في الإجازة.
المرتبة السادسة: (كتب إليّ) أي: بالإجازة.
وهاتان المرتبتان تدلان على أن الإجازة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يشافه الشيخ تلميذه بالإجازة، فيقول: أجزتك، فعندما يريد التلميذ أن يحدث فإنه يقول: شافهني فلان.
الصورة الثانية: أن يكتب له فيقول: أجزتك بمروياتي، فإذا أراد أن يحدث التلميذ بعد ذلك قال: كاتبني، أو كتب إلي.
المرتبة السابعة: (عن) ونحوها من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة، مثل: قال، ذكر، روى.
بعد أن قرر المصنّف اشتراط الإذن بالمناولة - التي سبق ذكرها في المرتبة الخامسة - قال: (وكذا اشترطوا الإذن في (الوجادة)) وهي: أن يترك المحدِّثُ كتاباً بخطه يجدها بعد موته من يأتي بعده من تلاميذه أو أهل بيته.
و(الوصية بالكتاب) فلا بد من إذن، والمراد بالوصية: إذا أراد المحدث أن يسافر أو خشي الموت، فيوصي بكتابه لشخص معيّن.
وفي (الإعلام) وهو: أن يُعلم الشيخُ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، أو هذا الكتاب عن فلان، فإن كان له من شيخه إجازة قُبل (وإلا فلا عبرة بذلك، كالإجازة العامة ) الإجازة العامة: مثلما يقول: أجزتُ لجميع المسلمين أن يرووا عني كتابي الفلاني! فهذه لا عبرة بها، وهذا من التوسع الشديد الذي انتقده الأئمة؛ كابن منده، والمِزِّي، وابن كثير، وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.
وقوله :: (على الأصح في جميع ذلك) أي أن المسائل السابقة المتعلقة بالإجازة، وقع فيها خلاف بين العلماء، وإنما ذكرتُ لك – في مسألة الإذن - الأصح من الأقوال فيها، والله أعلم.
أنواع الحديث المتعلقة بأسماء الرواة المشتبهة
ثم انتقل المؤلف إلى أسماء الرواة وما يقع فيها من أنوعِ علوم الحديث، وما صنف الأئمةُ فيها؛ لأن (علم الرجال) أحد أركان علم الحديث، فدقّقوا فيه جداً، ومن ذلك: أنهم بحثوا في أسماء الرواة الذين تتفق أسماؤهم وتختلف أعيانهم، ماذا يسمى هذا، وماذا يسمى هذا.
فقال : (ثُمَّ الرواةُ إنْ اتَّفَقَت أَسمَاؤهُم وأَسْماءُ آبائِهِم فَصَاعِداً واخْتَلَفتْ أَشخَاصُهُم فهو: (المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ)، وإِنْ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاْءُ خَطَاً واخْتَلَفتِ نُطْقَاً فهو: (المؤْتِلفُ والمُخْتَلِفُ)، وإِنْ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاْءُ واخْتَلَفتِ الآبَاءُ، أو بالعَكسِ فهُو: (المُتَشابِهُ)، وكذا إنْ وَقعَ الاِتْفاقُ فِي الاِسْمِ واسْمِ الأَبِ والاخْتِلافُ فِي النِّسْبَةِ).
هذه ثلاثة أنواع:
1 ـ المتفق والمفترق:
ـ تعريفه: بأن تتفق أسماء الرواة، وأسماء آبائِهِم فَصَاعِداً، وتخْتَلَف أَشخَاصُهُم.
ـ مثاله: في الرواة ثلاثة أشخاص اسم كل واحد منهم: عمر بن الخطاب، لكن كل واحد يختلف عن الآخر، فهذا يُسمى (المتفق والمفترق)([2])،أي: أن الاسم متفق، لكن عين الراوي وذاته تختلف.
ـ فائدة معرفته: حتى لا يظن الجماعة من الرواة واحداً، خصوصاً إذا كانوا في طبقة واحدة، أما إذا تفاوتت الطبقة كعمر بن الخطاب الصحابي لا يمكن أن يلتبس بغيره.
ـ المصنفات فيه: للخطيب البغدادي كتاب بنفس الاسم، وهو مطبوع.
2 ـ المؤتلف والمختلف:
ـ تعريفه: أن تتفق الأسماء خطًّا، وتختلف في النطق.
ـ أنواعه: قد يكون سبب الاختلاف عائداً إلى اختلاف:
1ـ النقط، مثل: الجَمَّال والحَمَّال.
2 ـ أو إلى الشَّكل - وهو الأكثر -: كبَشِير وبُشَيْر، وعُبَيدة وعَبِيْدة ولم يُسمّوا هذا النوع (المتفق والمفترق)؛ لأنه لم يتفق النطق بل اختلف، لكن ائتلفت أسماؤهم في الرسم واختلفت في النطق.
ـ فائدة معرفته: قال المصنف في شرح "النخبة": "ومعرفته من مهمات هذا الفن، حتى قال علي بن المديني: "أشد التصحيف ما يقع في الأسماء"، لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده".
ـ المؤلفات فيه كثيرة: منها: كتاب بنفس الاسم للدارقطني، ومن أجمعها: كتاب "الإكمال" لابن ماكولا.
3 ـ المتشابه:
ـ تعريفه: هو أن تتفق الأسماء وتختلف أسماء الآباء وأشخاصهم، أو بالعكس.
ـ مثاله: محمد بن عَقيل، ومحمد بن عُقيل - الأول نيسابوريي، والثاني فِريابي -.
فالأسماء الأولى متفقة، لكن يختلف الآباء أي: يحصل فيها شيء من الائتلاف والاختلاف، فالاسم الأول واحد، لكن الثاني حصل فيه اختلاف، فهذا يسمى المتشابه.
ومن المتشابه: أن تختلف الأسماء، وتتفق أسماء الآباء، مثل: شُرَيح بن النعمان، وسُريج بن النعمان، فالأول تابعي يروي عن عليٍّ س، والثاني من شيوخ البخاري.
ـ فائدته: رفع الاشتباه في أسماء الرواة.
ـ المؤلفات فيه: من أهمها كتابان:
1 ـ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لابن حجر (مطبوع في أربع مجلدات).
2 ـ توضيح مشتبه النسبة، لابن ناصر الدين الدمشقي.(مطبوع في عشر مجلدات).
يقول الحافظ: (وكذا إنْ وَقعَ الاِتْفاقُ فِي الاِسْمِ واسْمِ الأَبِ والاخْتِلاف فِي النِّسْبَةِ) أي: هذا كله داخل فيما سبق وهو(المشتبه)، مثال هذا: سليمان بن داود الطيالسي - صاحب المسند المشهور -([3])، وسليمان بن داود الهاشمي([4])، وسليمان بن داود العتكي([5])، كلٌ يقال له: سليمان بن داود! لكن فرَّقت بينهم النِّسبة.
ثم قال الحافظ :: (ويتَرَكَّبُ مِنْهُ وممَا قَبلَه أَنْوَاعٌ، منها: أَنْ يَحصُلَ الاتِّفَاقُ أو الاشْتِبَاهُ إلاَّ فِي حَرفٍ أَو حَرْفيْنِ، أو بالتَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ، أو نَحوِ ذَلِكَ).
قوله: (ويتَرَكَّبُ مِنْهُ) أي: مما تقدم (ومما قبله أنواع، منها: أن يحصل الاتفاق أو الاشتباه إلا في حرف أو حرفين) مثل: محمد بن سنان مع محمد بن سيّار، ومثل: محمد بن حُنين مع محمد بن جبير، ومثل: عبدالله بن زيد مع عبدالله بن يزيد.
وقد يقع الاختلاف بالتقديم والتأخير في اسم كامل مثل: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود.
(أو نحو ذلك) أي: يحصل هناك أشياء من التقديم، ونص العلماء على هذا؛ لأن الأسماء ليس فيها قياس، بل هي نقل محض، بخلاف علم الصرْف الذي يمكن ضبطه في الأعم الأغلب بموازين صرفية، وهذا غالباً لا يدرك ولا يضبط إلا بمشافهة الشيوخ – خاصة في الزمن السابق-؛ ولذلك اعتنى العلماء جداً بهذا الباب([6]).
وللحديث صلة إن شاء الله.

([1]) وقصة الحارث بن مسكين والنسائي: أنه جاء النسائي إلى مصر يطلب علم الحديث، فوشى بعضُ الوشاة إلى الحارث بن مسكين أن النسائي ينقل الحديث إلى السلطان! - نمام قتّات - فطرده الحارثُ بن مسكين من المجلس، ولكن النسائي من ورعه : ؛ كان يجلس خلف الستار، فيسمع من التلاميذ الذين يقرؤون على الحارث، فمن ورعه أنه لم يكن يقول: حدثنا الحارث بن مسكين، وإنما يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، فمن ورعه أنه كان يقول ذلك.

([2]) فتح المغيث: (3/ 274): ومن أمثلته: أيوب بن سليمان ستة عشر، وإبراهيم بن يزيد ثلاثة عشر، وإبراهيم بن موسى اثنا عشر، وعلي بن أبي طالب تسعة، وإبراهيم بن مسلم ثمانية، وعمر بن الخطاب سبعة، وأنس بن مالك ستة، وأبان بن عثمان خمسة، ويحيى بن يحيى أربعة، وإبراهيم بن بشار ثلاثة، وعثمان بن عفان اثنان.

([3]) توفي سنة: 204 هـ.

([4]) توفي سنة:219هـ، روى عنه البخاري في(خلق أفعال العباد).

([5]) توفي سنة: 234هـ.

([6]) فمثلاً السمعاني في كتابه "الأنساب" تجده يدقق جداً في ضبط النسبة بالحروف؛ حتى يزول اللبس تماماً.