فاتحة الكتاب فضلها وتفسيرها للشيخ عبد الباري الثبيتي حفظه الله

--------------------------------------------------------------------------------

ملخص الخطبة

1- فضل القرآن الكريم. 2- من فضائل سورة الفاتحة. 3- تفسير السورة. 4- قسمة الصلاة بين العبد وبين الله تعالى.


الخطبة الأولى


أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قالَ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

كتابُ ربِّنا يهدي إلى أقومِ سبيلٍ، ويحقِّق للسائرين على نهجِه الفوزَ العظيم. ومن القرآنِ سورةٌ قصيرةُ الآياتِ عظيمةُ المعنى جليلةُ المبنى، تسكُب في النفس السكينةَ، وتفيض على القلبِ طُمأنينة، فيها عقيدةٌ وعبادة وجزاء ومَثوبة ووَعد ووعيد، هي الواقية لأنها تقِي قارئها السوءَ، وهي الشِّفاء يُستشفَى بها العليل، هي الصلاةُ لأنّه لا صلاةَ بدونها، وهي السبعُ المثاني لأنها تثَنَّى وتكرَّر في الصلاة.

اشتملت على إصلاحِ النّفس وإصلاحِ المجتمع، وأرست أسُسَ الأمن والاستقرار والسعادةِ في الأرض، هي خيرُ ما أنزِل، فعن أبيّ بن كعب أنه قال له الرّسول : ((لأعلِّمنَّك سورةً ما أنزِلَ في التوراة ولا في الإنجيلِ ولا في الفرقان سورة كانت خيرًا منها))، قال: ((فاتحةُ الكتاب هي السبعُ المثاني والقرآن الذي أوتيتُه))[1].

هي أحَدُ النّورَين، فعن ابن عبّاسٍ قال: بينَما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماءِ فتِح اليومَ، لم يفتَح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلكٌ نزل إلى الأرضِ لم ينزِل قطّ إلاّ اليوم، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَين أوتيتَهما لم يؤتاهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب وخواتيمُ سورة البقرة، لن تَقرَأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطيتَه. رواه مسلم[2].

هي رُقيةٌ، فعن أبي سعيدٍ الخدريّ أنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ أَتَوا على حيٍّ من أحياء العرَب فلم يَقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدِغ سيِّد أولئك فقالوا: هل معَكم من دواءٍ أو راقٍ؟ قالوا: إنّكم لم تقرونا، ولا نفعَلُ حتى تجعَلوا لنا جعلاً، فجَعَلوا لهم قطيعًا من الشّاء، فجعل يقرَأ بأمِّ القرآن ويجمع بزاقَه ويتفِل فبرَأ، فأتوا بالشاءِ فقالوا: لا نأخُذه حتى نسألَ النبيَّ ، فسألوه فضحِك وقال: ((وما أدراكَ أنها رقية؟! خذوها واضرِبوا لي معكم بسهمٍ)) رواه البخاري[3].

إنَّ سورةً بهذا الفضل والمقامِ نتطلَّع إلى أن نقفَ على كنوزِها وندرِكَ معانيَها ونوثِّقَ صِلَتَنا بها ونهتدِيَ بهُداها لنحقِّق أثرَها.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ثناءٌ على الله بما أنعَمَ علينا وما أعطانا. الثّناءُ حقٌّ لله سبحانه، هو المستحِقّ للحَمدِ بسبَبِ كَثرةِ نِعَمه وأنواعِ آلائه على العباد. الحمدُ فيه معنى الاعترافِ الذي هو إقرارٌ مِنَ العبدِ بتقصيرهِ وفقرة وحاجتِه واعترافٌ للهِ جلّ وعلا بالكمالِ والفضل والإحسان، وهذا من أعظمِ ألوانِ العبادة؛ ولهذا قد يعبُد العبد ربَّه عبادةَ المعجَبِ بعمَلِه فلا يقبَلُ منه؛ لأنَّ الإعجابَ لا يتَّفق مع الاعترافِ والذّلِّ، ولا يدخل العبدُ على ربِّه من باب أوسَعَ وأفضل من بابِ الذّلِّ له والانكسار بين يدَيه، ذلك أنَّ من أعظم معاني العبادةِ الذلَّ له سبحانه؛ ولهذا كان نبيّنا كثيرَ الاعتراف لله على نفسِه بالتَّقصير والظلمِ، كان يقول: ((اللّهمّ إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفِر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم)) أخرجه البخاري ومسلم[4].

الْحَمْدُ لِلَّهِ
شُعورٌ يفيض به قلبُ المؤمِنِ بمجرَّدِ ذكرِه لله، فإنَّ وجودَه ابتداءً ليس إلاّ فيضًا مِن فيوضاتِ النِّعمة الإلهية التي تستجِيش الحمدَ والثناءَ، في كلِّ لمحةٍ في كلِّ لحظةٍ في كلِّ خُطوة تتوالى آلاءُ الله على العبد وتتواكب وتغمُر خلائقَه كلَّها وخاصّةً هذا الإنسان، ومن ثَمَّ كان الحمدُ لله ابتداءً وكان الحمد لله ختامًا دليلَ الإيمان، وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ [القصص:70].

ومع هذا يبلُغ من فضلِ الله سبحانه على عبدِه المؤمن أنه إذا حمِد الله حمدًا يليق بجلالِه كتبَها له حسنةً ترجحُ كلَّ الموازين، ففي سننِ ابن ماجه عن عبد الله بن عمَرَ أنَّ رسول الله حدّثهم: ((إنَّ عبدًا من عبادِ الله قال: يا ربِّ لك الحمدُ كما ينبغِي لجلال وجهِك ولعظيم سلطانك، [فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء] وقالا: يا ربَّنا إنَّ عبدَك قد قال مقالةً لا ندرِي كيفَ نكتبُها، قال الله عزّ وجلّ وهو أعلم بما قال عبدُه: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربِّ، إنّه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهِك وعظيم سلطانك، فقال الله عزّ وجلّ لهما: اكتبَاهَا كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزِيَه بها))[5].

لفظ الجلالة (الله) هو الاسمُ الأعظم للهِ عزّ وجلّ على قولِ طائفةٍ مِن أهلِ العلم، الذي تلحَق به الأسماءُ الأخرى، ولا يشاركه فيه غيره. ومن معاني (الله) أنه الإله المعبودُ المتفرِّد باستحقاقِ العبادة.

رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: ربّ كلِّ شيءٍ وخالقه والقادِر عليه، كلُّ ما في السموات والأرض عبدٌ له وفي قبضَتِه وتحت قَهرِه.

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،

اسمُ الرحمن كاسمِ الله؛ لا يُسمَّى به غيرُ الله ولم تسمَّ به أحد، فالله والرّحمن من الأسماء الخاصّة به جلّ وعلا، لا يشاركه فيها غيرُه، أمّا الأسماء الأخرى فقد يسمَّى بها غير الله كما قال سبحانه عن نبيِّه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]. والرّحمن والرّحيم مأخوذان منَ الرّحمة، فالرّحمن رحمةُ عامّة بجميع الخلقِ، والرّحيم رحمةٌ خاصّة بالمؤمنين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صِفةٌ تستغرِق كلَّ معاني الرحمةِ وحالاتها ومجالاتها، تتكرَّر في صُلب السّورة في آيةٍ مستقلَّة لتؤكِّدَ السّمَةَ البارِزة في تلك الرّبوبيّة الشاملة.

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

وقُرئ مَلِكِ، والفَرقُ بين الوصفَين بالنّسبة إلى الربِّ سبحانه أنّ الملِك صِفةٌ لذاتِه والمالِكَ صِفةٌ لفِعلِه، ويومُ الدين يومُ الجزاء من الربِّ سبحانه، وهو يوم يدين الله العبادَ بأعمالهم أي: يجازِيهِم بها.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

أي: نخصُّك بالعبادة، ونخصّك بالاستعانة، لا نعبد غيرَك، لا نطلُبُ إلاّ عونَك، لا نستعِين بغيرك، لا نستَغني عن فضلِك، وقدِّمت العبادة على الاستعانَةِ لكون الأولى وسيلةً إلى الثانية، وقرِنَت العبادةُ بالاستعانة للدّلالة على أنَّ الإنسانَ لا يستطيع أن يقومَ بعبادةِ الله إلاّ بإعانةِ الله له وتوفيقِه، وهو إقرارٌ بعجزِ الإنسان عن القيامِ بالعباداتِ وعن حملِ الأمانةِ الثَّقيلة إذا لم يُعِنه الله، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

قال ابن القيِّم : "إنَّ موضعَ الرّقيَةِ منَ السورة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ولا ريبَ في أن هاتين الكلِمَتين من أقوى أجزاءِ هذا الدواء؛ فإنَّ فيهما من عمومِ التّفويضِ والتوكُّل والالتجاء والاستعانةِ والافتقار والطّلَب والجمع بين أعلَى الغايات ـ وهي عبادةُ الربّ وحدَه ـ وأشرفِ الوسائل ـ وهي الاستعانةُ به على عبادته ـ ما ليس في غيرِها، وتأثيرُ الرُّقَى بالفاتحَةِ وغيرِها مِن علاج ذواتِ السّموم سِرٌّ بديع، ونفسُ الراقي تفعل في نفسِ المرقيّ، فيقع في نفسِها فِعلٌ وانفعال كمَا يقَع بين الداءِ والدّواء، فتقوَى نفس الراقي وقوَّتُه بالرّقيَة على ذلك الدواء، فيدفعه بإذن الله"[6].

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
دعاءٌ صريح، حظُّ العبد من الله، وهو التضرُّع إليه والإلحاح علَيه أن يرزقَه هذا المطلبَ العظيم الذي لم يُعطَ أحدٌ في الدّنيا والآخرة أفضل منه، كما منَّ الله على رسوله بعدَ الفتحِ بقوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح:2]. أي: قوِّ هدايَتَنا، وفِّقنا إلى معرفةِ الطريق الصحيح والاستقامةِ عليه، ثبِّتنا حتى لا ننحرفَ أو نزيغَ عنه، فقد يكون الإنسانُ اليومَ مهتديًا وغدًا من الضالّين.

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ،

لا دعاءَ مفروضٌ على المسلم قولُه غير هذا الدعاء، فيتوجَّب على المسلم قولُه عِدّةَ مرّات في اليوم، وهذا يدلّ على أهمّيّة الطّلَب الذي له أثرُه في الدنيا والآخرة. وفي قوله: اهْدِنَا ولم يقل: "اهدِني" تربِيةٌ للمسلم على تذكُّر إخوانِه وتقوية معاني الأُلفة، وفيه إِزالةٌ لمشاعِرِ الأثَرَة والأنانية، فكما أنّك تحبّ لإخوانِك ما تحبّ لنفسك فادعُ لهم بما تدعو لنفسِك. والاجتماعُ على الهدى مطلَبُ المؤمِنين، وكَثرةُ السّالكين أُنس وثباتٌ للسّائرين، والسّالِكُ وحدَه قد يضعُف وقد يملّ أو يسقُط أو تأكلُه الذّئاب.

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

وهم رسولُ الله وأصحابُه، يعني: الذين حازوا الهدايةَ التامّة ممّن أنعم الله عليهم من النّبيِّين والصِّدِّيقين والشّهداءِ والصالحين، ولا يخرُج المكلَّفون عن هذه الأصنافِ، فكلُّ الخَلقِ ينتمي لواحدٍ من هذه الأصناف: الذين أنعَم الله عليهم هم الذين سلَكوا الصراطَ المستقيم وعرفوا الحقَّ وعمِلوا بمقتَضَاه، أمّا الذين عرَفوا الحقَّ وخالفوه فهم المغضوبُ عليهم، والعامِلون بلا عِلمٍ هم الضالّون، قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104]. قدِّمَ المغضوبُ عليهم على الضّالّين لأنَّ أمرَهم أخطر وذنبَهم أكبَر، فإنَّ الإنسانَ إذا كان ضلالُه بسبَبِ الجهل فإنّه يرتفِع بالعلم، وأما إذا كان هذا الضّلالُ بسبب الهوَى فإنّه لا يكاد ينزِع عن ضلاله، ولهذا جاء الوعيد الشديدُ في شأنِ من لا يعمَل بعَمَلهِ.

خاتمةُ سورةِ الفاتحة هي مناسِبَة لكلِّ ما ورد في السّورة من أوَّلها إلى آخرها، فمَن لم يحمَدِ الله تعالى فهو مغضوبٌ عليه وضالّ، ومن لم يؤمِن بيومِ الدِّين وأنَّ الله مالِكُ يومِ الدّين ومَلِكه ومَن لم يخصَّ الله تعالى بالعبادةِ والاستعانةِ ومن لم يهتدِ إلى الصراط المستقيم فهم جميعًا مغضوبٌ عليهم وضالّون.

بارَك الله لي ولَكُم في القرآنِ العَظِيم، ونَفَعني وإيَّاكم بما فيهِ مِنَ الآيات والذِّكر الحكيم، أقول هذا القولَ، وأستغفِر الله واستغفِروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.





--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه الترمذي في التفسير (3125)، والنسائي في الافتتاح (914)، وعبد الله في زوائد المسند (5/114) بنحوه، وصححه ابن خزيمة (500، 501)، وابن حبان (775)، والحاكم (2048)، وهو في صحيح سنن الترمذي (2499). وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد بن المعلى .

[2] صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين (806).

[3] صحيح البخاري: كتاب الطب (5736)، وهو عند مسلم أيضا في السلام (2201).

[4] صحيح البخاري: كتاب الدعوات (6326)، صحيح مسلم: كتاب الذكر (2705) عن أبي بكر أنه قال للنبي : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا)) الحديث.

[5] سنن ابن ماجه: كتاب الأدب (3801)، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير (12/343) والأوسط (9249)، والبيهقي في الشعب (4/94)، قال البوصيري في الزوائد (4/130): "هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات"، وأورده الألباني في ضعيف الترغيب (961).

[6] الطب النبوي (ص139).






الخطبة الثانية


الحَمد لله الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لاَ إلهَ إلاّ الله وَحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ سيّدَنا ونبيَّنا محمّدًا عَبده ورَسوله، صلَّى الله عَليه وعَلَى آله وصَحبه.

أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوَى الله.

ورد في صحيح مسلِمٍ عن أبي هريرةَ قال: سمِعت رسولَ الله يقول: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصفين ولِعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تعالى: حمِدَني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجَّدَني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عَبدي ولِعبدي ما سأَل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال: هذا لِعبدي ولِعبدي ما سأل))[1]. ولعلَّ هذا الحديثَ الصحيح يبيِّن مِن سِياق هذه السّورةِ ويكشِف سِرًّا من أسرارِ اختِيارها ليردِّدَها المؤمِن سبعَ عشرةَ مرّة في كلِّ يوم وليلة أو ما شاء الله أن يردِّدَها كلَّما قام يدعوه في الصلاة.

حّرِيّ بهذه السورَة التي تُعَدّ ركنًا من أركان الصلاة أن يقرَأَها المصلِّي بتُؤَدةٍ وتأنٍّ وتدبُّر وخشوعٍ وحضور قَلبٍ، مستحضِرًا معانيها، محقِّقًا مخارِجَ حروفها في الصّلاة السّرّيَّة والجهريّة، عن وائلِ بنِ حجر قال: سمعتُ النبيَّ قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقال: ((آمين)) ومدَّ بها صوتَه[2]. ومعنى (آمين): اللّهمّ استجِب، وهي ليست من السورة. ويُستحَبّ للقارِئِ الفّصلُ بسكتَةٍ بين آخرِ السّورة وقولِ آمين، وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: ((إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غفِرَ له ما تقدَّم من ذَنبِه)) رواه البخاري ومسلم[3].

ألا وصلّوا ـ عباد الله ـ على رسولِ الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابِه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارض عن الخلفاء الأربعة الراشدين...





--------------------------------------------------------------------------------

[1] صحيح مسلم: كتاب الصلاة (395).

[2] أخرجه أحمد (4/315)، وأبو داود في الصلاة (932)، والترمذي في الصلاة (248)، والنسائي في الافتتاح (879)، وابن ماجه في الصلاة (855)، والدارمي في الصلاة (1247)، وحسنه الترمذي، والنووي في المجموع (3/369)، وصححه الدارقطني (1/687)، وابن حبان (1805)، وهو في صحيح سنن الترمذي (205).

[3] صحيح البخاري: كتاب الدعوات (7402)، صحيح مسلم: كتاب الصلاة (410) عن أبي هريرة .


من موقع المنبر



http://www.alminbar.net/alkhutab/kh...p?mediaURL=7787


للاستماع
http://media.islamtoday.net/real/m/1057.ram

للحفظ
http://media.islamtoday.net/real/m/1057.zip