حتى يغيروا ما بأنفسهم

سنة من سنن الله تعالى ماضية في التغيير نجدها في آيتين من القرآن العظيم ؛ الأولى : قوله تعالى: ] إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [ [ الرعد : 11 ] فيخبر Y عن هذه السنة الماضية في خلقه ، وهي أنه تعالى لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء ، بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طهارة وصفاء بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصي ، نتيجة الإعراض عن كتاب الله ، وإهمال شرعه ، وتعطيل حدوده ، والانغماس في الشهوات ، والضرب في سبيل الضلالات .
فهل وعى الناس سبب تغيير النعم ، أم أن البعض لا يزال في غيه ، يظن أن النعم تُجلب بالمعاصي ، والخروج عن حدود الشرع ؟
قال صاحب ( أضواء البيان ) : بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة ، أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله ؛ والمعنى : أنه لا يسلب قومًا نعمة أنعمها عليهم ،حتى يغيروا ماكانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح ، وبيَّن هذا المعنى في مواضع أخركقوله : ] ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ [ الأنفال : 53 ].ا.هـ .
وهذه هي الآية الثانية ؛ وتغيير النعمة تبديلها بنقمة بالسلب لها أو تعذيب أهلها ؛ فقوله تعالى : ] ذَلِكَ[ إشارة إلى العذاب الذي حلَّ بمن ذكرهم قبل هذه الآية ، بسبب ذنوبهم وكفرهم : ] فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ [ الأنفال : 52 ]، أي : ذلك الأخذ بسبب أعمالهم التي تسببوا بها في زوال نعمتهم ، وذلك جرى على سنة الله أنه لا يسلب نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ وفي الآية – كما يقول الشيخ الجزائري - إشارة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة، وإلى بيان سنته في عباده وهي أنه تعالى لم يكن من شأنه أن يغير نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء ، أو الطهر والصفاء ، حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بأن يكفروا ويكذبوا ، ويظلموا أو يفسقوا ويفجروا ، وعندئذ يغير تلك النعم بنقم ، فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء ، ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد ؛ هذا إن لم يأخذهم بالإبادة الشاملة والاستئصال التام .
قال ابن تيمية - : وهذا التغيير نوعان ؛ أحدهما : أن يبدو ذلك فيبقى قولا وعملا يترتب عليه الذم والعقاب .
والثاني : أن يغيروا الإيمان الذي في قلوبهم بضده من الريب والشك والبغض ، ويعزموا على ترك فعل ما أمر الله به ورسوله ، فيستحقون العذاب هنا [ النوع الثاني ] على ترك المأمور ، وهناك [ النوع الأول ] على فعل المحظور .
وكذلك ما في النفس مما يناقض محبة الله والتوكل عليه والإخلاص له والشكر له يعاقب عليه ؛ لأن هذه الأمور كلها واجبة ، فإذا خلَّى القلب عنها واتصف بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات.ا.هـ .
ففي هذه الآية وعيد شديد وإنذار رهيب قاطع بأنه إذا انحرف الآخذون بالدين والمنتمون إليه عن جادته المستقيمة ، ومالوا مع الأهواء ، وتركوا التمسك بآدابه وسنته القويمة ؛ حل بهم ما ينقلهم إلى المحن والبلايا ، ويفرق كلمتهم ، ويوهي قوتهم ، ويسلط عدوهم ؛ قاله القاسمي في تفسيره .
وأشار القرطبي – – أن الآية الأولى تدل على أن الله لا يغير ما بقوم حتى يقع تغيير ؛ إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب ؛ كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم .. فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير ؛ كما قال e وقد سئل : أنهلك وفينا الصالحون ؟! قال : " نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ " ؛ وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك : إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا حوَّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون ؛ ثم قال : إن تصديق ذلك في كتاب الله : ] إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [.
إنها رسالة لا بد أن تصل إلى الجميع : غيروا ما بأنفسكم إلى الخير ، يغير الله ما بأحوالكم ، عالجوا القلوب من أمراضها ، يصلح الله الأبدان والأحوال .