.. من كتاب "كيف نكتب التاريخ الإسلامي" للأستاذ محمد قطب، دار الشروق، ص40-47
(1)
أطلق الأستاذ سيد قطب مصطلح الجاهلية على ما يحدث في مجتمعاتنا فرفض ذلك الكثيرون، وقد تحدث أخوه الأستاذ محمد قطب عن هذه الكلمة المصطلح حديثا أجلى جوهرها إجلاء لا أظننا نختلف عليه، وإني لأرجو ممن يرفض ما سيقرؤه أن يكتب أسباب رفضه.
وهاكم ما ورد في كلام الأستاذ محمد قطب في كتابه المشار إليه سابقا بتصرف ينتقي ما يلائم الموضوع من الصفحات 40-47.
(2)
يقول الأستاذ محمد قطب:
استخدم العرب الجهل ومشتقاته في معنيين اثنين: الجهل الذي هو ضد العلم وهو حالة عقلية، والجهل الذي هو ضد الحلم وهو حالة نفسية سلوكية.
ولكنهم لم يستخدموا لفظ الجاهلية ولم يرد في أشعارهم ولا كلامهم، لكن القرآن استخدمها ومشتقاها في معنيين: إما الجهل بحقيقة الألوهية وهو الحالة العقلية، وإما اتباع غير ما أنزل الله وهو الحالة النفسية السلوكية.
قال تعالى:وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138]، وقال: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: 154]، وقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: 33]، وقال:أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
وهكذا حيث وجدنا في القرآن لفظ الجاهلية ومشتقاتها أو اللفظ المرادف "لا يعلمون"، فلن تخرج عن هذين المعنيين الاصطلاحيين: الجهل بحقيقة الألوهية، أو عدم اتباع ما أنزل الله.
وعلى ذلك يتحدد لنا جوهر الجاهلية سواء الجاهلية العربية أو أي جالهية غيرها في التاريخ البشري.
إن الجاهلية ليست محصورة في عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر وغارات السلب والنهب، إنما هذه كلها كانت مظاهر الجاهلية في الجزيرة العربية قبل الإسلام، أما الجاهلية ذاتها فهي الجوهر الذي تصدر عنه هذه المظاهر، وقد تصدر عنه مظاهر مختلفة تماما في مكان آخر أو زمان آخر كما حدث خلال التاريخ.
ولكن الجوهر هو الجوهر في جميع الحالات: الجهل بحقيقة الأولهية، واتباع غير ما أنزل الله.
هذا الجوهر هو حالة عقلية تجهل الحق وتتمسك بالخرافة، وحالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله، ووضع تنظيمي سلوكي يرفض اتباع منهج الله، وهو ظاهرة بشرية تحدث للبشر في أي مكان أو زمان لا يكون الإسلام هو الحاكم في تصورات الناس ومشاعرهم وواقع حياتهم، وليس منحصرا في زمان ولا مكان ولا بيئة ولا وضع اقتصادي أو اجتماعي أو سيساسي أو حضاري معين.
فكما أن الإسلام يمكن أن يوجد في أي زمان ومكان وبيئة حين يعبد الناس الله حق عبادته ويتبعون شريعته كما حدث في واقع الأرض على يد آدم ونوح والنبيين من بعده- فكذلك الجاهلية يمكن أن توجد في أي زمان أو مكان أو بيئة أو وضع حين يرفض الناس الاهتداء بهدي الله ويتبعون غير منهج الله. وقد وجدت في عصور شتى وأماكن شتى وبيئات شتى ذكر القرآن منها الجاهلية الفرعونية وجاهلية قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم تبع وغيرهم، ولكن القرآن لم يذكر كل الجاهليات على سبيل الحصر كما لم يذكر كل الرسل الذين أرسلوا لتلك الجاهليات.
ولا بأس بل قد ينبغي أن ندرس نماذج من الجاهليات البشرية الأخرى غير الجاهلية العربية كالجاهلية الفرعونية والهندية واليونانية والرومانية والفارسية، وكلها جاهليات حفظ التاريخ وقائعها- على أن نبرز نقطتين:
1- أن مظاهر الجاهلية تختلف اختلافا بينا من بيئة لبيئة ومن عصر لعصر، ولكنها تستوي جميعا في أنها كلها تجهل حقيقة الألوهية وتتبع غير ما أنزل الله.
2- أن أي جاهلية من جاهليات التاريخ لم تخل من براعات بشرية في مختلف نواحي الحياة ولم تخل من تحقيق بعض الخير للناس، ولكن هذا الخير الجزئي لا يؤتي ثماره الكاملة في حياة الناس ويضيع أثره في النهاية بسبب الشر الجوهري الأكبر وهو رفض الهدى الرباني واتباع منهج للحياة غير منهج الله.
وفي الجاهلية العربية في جزيرة العرب ينبغي الالتفات إلى أنها لم تتركز في عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر وغارات السلب والنهب فقط، بل كانت إلى جانب العبودية الواضحة للأصنام ثلاث عبوديات أخرى ذات أثر بعيد في حياتهم: العبودية للقبيلة، والعبودية لعرف البيئة وموروثات الآباء والأجداد، والعبودية للهوى والشهوات.
يقول شاعرهم:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد
ويقول الله تعالى:وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة: 170].