سلام عليكم وبعد ..

* أيها الأحبّة
إن هذا القرآن شفاء المؤمنين ، وإمام المتقين ،،
من اهتدى به هُدي ، ومن صُرف عنه شقي وابتلي ..

* ولكن.. لتعلموا :
أن أقواماً قرأوا القرآن ..
لا يعملون بسنته، ولا يتبعون لطريقته ..
أولئك يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون .

* لقد كان من تقدم يقرأ القرآن، ويقوم بالسورة منه طول ليلته، فإذا أصبح
عرف ذلك في وجهه .
وإن أحدهم يقرأ القرأن .. لا يتجاوز لهواته ! والله سبحانه يقول :
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُواآّيّاتِهِ (ص: 29)
أما والله ما هو حفظ حروفه، وإضاعة حدوده .

* وإن أحدكم يقول: قد قرأتُ القرآن .. ما أُسقِط منه حرفاً !!
- كذب لعمرُ الله ، لقد أسقطه كلّه ..
والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء ...
قال الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَولاً ثَقِيلاً (المزمل: 5)
أي: حلِّل حلاله، وحرم حرامه .
ولقد توفي رسول الله ، وما استكمل حفظ القرآن من
أصحابه -رضوان الله عليهم- إلا النّفر القليل ..
استعظاماً له، ومتابعة أنفسهم بحفظ تأويله، والعمل بمحكمه .

إن قُرّاء القرآن ثلاثة نفر :
- قوم اتخذوه "بضاعة" .. يطلبون به ما عند الناس .

- وقوم أجادوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدرّوا به أموال الولاة،
واستطالوا به على الناس .. -وقد كثر هذا الجنس من حملة القرآن- فلا
كثّرَ الله جمعهم، ولا أبعد غيرهم .

- وقوم قرأوا القرآن .. فتدبّروا آياته، وتداووا بدوائه، واستشفوا بشفائه،
ووضعوه على الداء من قلوبهم.. فهم الذين يستسقى بهم الغيث.. وتسدى
من أجلهم النعم.. وتُستدفع بهم النقم.. أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون.

* كان عثمان ، لا زال يرى "المصحف في حجره"، وكان
من أحفظ أصحاب النبي لكتاب الله ..
فعليكم بالنظر إلى "المصاحف" وقراءة القرآن فيها ...
فقد كان عثمان يقول: إني لأكره أن يمضي عليّ يوم، لا
أنظر فيه إلى عهد الله سبحانه -يعني: في المصحف- . فقيل له في ذلك فقال: "إنه مبارك" .

... ... ...

* قال تعالى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ (النساء: 82 ، محمد: 24)
وقال تعالى :وَاتَّقُوا يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ
وَهُم لا يُظْلَمُونَ (البقرة: 281)

أوّاه !!!
أيّ موعظة وعظ الله عباده .. لو كانوا قابلين !

* وقال تعالى : أَيَوَدُّ أَحَدُكُم أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الأَنهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُريَّةٌ ضُعَفَاء
فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم الآيَاتِ لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ (البقرة:266)
هذا مثل ضربه الله لعباده، انتفع به من أراده الله برشاده..
- يقول الله سبحانه:
مثل الرجل إذا كبرت سنه ، ورقّ عظمه ، وكثر عياله ، واحتاج لزرعه ؛
فأحرقته النار أحوج ما كان إليه: كمثل ابن آدم، يقوم يوم القيامة: وهو
عريان .. ظمآن .. فقير إلى ما قدم من عمل صالح توهّم أنه له.. وجده قد
أذهبته التبعات وأسقطته الخطايا ..
أحوج ما كان إليه، وأعظم ما كان رجاءً .. أن يعود نفعه عليه !
.......

* وقال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ
كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنشُورَاً ، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيبَاً (الإسراء: 13،14)
إيه يا ابن آدم ، قد عدل فيك .. من جعلك حسيب نفسك .

* وقال تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيهِم إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُم عَدَّاً (مريم: 84)
- عباد الله ..
إن آخر العدد: خروج النفس
آخر العدد: فراق الأحبة والولد
آخر العدد: دخول القبر
فالمبادرة -عباد الله- ؛ إلى الأعمال الصالحة .

* عباد الله ..
إنما هي الأنفاس: لو قد حبست ؛ لانقطعت الأعمال التي تتقربون بها ..
فرحم الله امرءاً :
حاسب نفسه ، وخاف ربّه ، واتقى ذنبه .

*وقال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلَّنَاهُم جُلُودَاً غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ (النساء: 56)
- عباد الله ..
روي أن النار تأكل لحومهم .. كل يوم سبعين مرة، ثم يقال لهم: عودوا؛ فيعودوا !
اللهم إنا نعوذ بك من النار ، ومن عمل يستوجب النار .

* وقال تعالى: سَلامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرْتُم فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (الرعد: 24)
فهؤلاء: صبروا عن فضول الدنيا، وزهدوا في الفاني ؛ فنالوا الآخرة،
وحسُنت لهم العاقبة .

* وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعُونُ وَقَومُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون (الأعراف:137)
فيا عجباً لمن يخاف ملكا، أو يتقي ظالماً .. بعد إيمانه بهذه الآية !

* أما والله .. لو أن الناس إذا ابتلوا صبروا؛ لفرّج الله عنهم كربهم،
ولكنهم جزعوا؛ فوكلوا إلى الخوف !
ونعوذ بالله من شر البلاء.

*وقال تعالى: تّلْفَحُ وُجُوهَهُم النَّارُ وَهُم فِيهَا كَالِحُونَ (المؤمنون: 104)
سبحان الله !
أي منظر عباد الله !
ما أسوأه؛ فاحذروه !

* روي: أن النار تلفح وجوههم لفحة فلا تدع لحما ولا جلدا ؛ إلا ألقته على
العراقيب، وأبقت الوجوه كالحة !
نعوذ بالله من عذاب النار، وبئس المصير .

* وقال تعالى: إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (فاطر:10)
عباد الله ..
إن العبد إذا قال قولاً حسناً، وعمل عملاً صالحاً؛ رفع الله تعالى قوله بعمله،
وإذا قال قولاً حسناً، وعمل عملاً سيئاً؛ ردّ الله سبحانه القول بالعمل .

* وقال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوتُ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنهُ تَحِيد (ق:19)
إيه يا ابن آدم !
فاسق في الدنيا، حايد حين لات حيدة، ولا يمكن هرب ولا غيبة ؟!

* وقال تعالى: وَاسْأَلْهُم عَن القَرْيَةِ الّتِي كَانَت حَاضِرَةَ البَحْرِ.. (الأعراف: 163)
عباد الله ..
"حوت" حرّم الله عليهم صيده يوماً، وأحله فيما سوى ذلك من الأيام،
فكان يأتيهم يوم التحريم، من أجل المحنة والبلية.. والاختبار بالطاعة ..
فجعلوا يلهون بأخذه، ثم يمسكون مخافة وتعبداً، ثم أخذوه وأكلوه أوخم أكلة ...
أكلها قوم.. فنادوا ثلاثاً وهم نائمون.. ثم نودوا: "يا أهل القرية" .
فانتبه الرجال والنساء والصبيان.. فقيل لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (البقرة: 65)
فكانوا كذلك !

* وأيمُ الله .. لحرمة "عبد مؤمن" يُقتل ظلماً .. أعظم عند الله من كل "حوت" خلق ..
ولكن الله عجّل العذاب لهؤلاء، وجعل موعد قومٍ: "الساعة" ..
والساعة أدهى وأمرّ ..!

* وقال تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ التِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ ، يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَحَمِيمٍ آَنٍ
(الرحمن:43،44)
عباد الله ..
ما ظنكم بقوم وقفوا .. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم من الجوع والعطش والخوف ؛
أُمر بهم إلى: نار وجحيم وحميم ؟!
اللهم بك العياذ ، وأنت المعاذ ، وإليك الملجأ ، وعليك التوكل ؛ فنجّنا برحمتك من عذابك ..
يا أرحم الراحمين .

* أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلَهِ النَّاسِ ، مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ ، الّذِي
يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ (سورة الناس)

- صدق الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا يموت ، وبلّغتِ الرسل
الكرام ، ونحن على ما قال ربنا ومولانا من الشاهدين ..

والحمد لله رب العالمين .. وصلى الله على آله الطاهرين .. وأصحابه
المنتجبين .. وأزواجه أمهات المؤمنين ..

- اللهم إنك علمتنا القرآن ،، قبل رغبتنا في تعليمه .. واختصصتنا به قبل
معرفتنا بفضله.. ومننت علينا به، قبل علمنا بنفعه .
- اللهم فهب لنا رعاية حقّه، وحسن تلاوته، وحفظ آياته، والعمل بمحكمه،
وتبيين متشابهه .

- اللهم اهدنا بهدايته ، ونوّر قلوبنا ببصيرته .
- اللهم إنك أنزلته شفاء لأوليائك، و شقاء على أعدائك، وعمى على أهل معاصيك؛
فاجعله دليلاً لنا على عبادتك ، وحصناً حصيناً من عذابك ،
وحرزاً منيعاً من سخطك وعقابك ، وعصمة مانعة من غضبك ،
ونوراً نهتدي به يوم لقائك ، ونستضيء به بين خلقك ، ونجوز به صراطك ،
ونصل به إلى جنتك .

- اللهم إنا نعوذ بك من العمى عن علمه، والحور عن قصده، والتقصير دون حقه.
- اللهم احمل عنا ثقله ، ويسر لنا حفظه ، واجعلنا ممن يقوم بحقه ،
ويؤدي فرائضه ، ويؤمن بمتشابهه ، ويستن بسنته ، ويحل حلاله ، ويحرم حرامه .

- اللهم وانفعنا بما صرفت فيه من الآيات، وذكرنا بما ضربت فيه من
الأمثال، وكفّر بتلاوته السيئات، ولقّنا به البشرى بعد الممات .

- اللهم انفعنا بالقرآن العظيم، وبالآيات والذكر الحكيم .
- اللهم إنا نعوذ بك من قساوة قلوبنا ، ونسأل العفو عن جرائمنا وذنوبنا .
- اللهم إنك جعلت القرآن مباركاً؛ فارزقنا به من كل بركة .. ونجّنا به من كل هلكة .

- اللهم اجعله لنا شافعاً مشفّعاً، ونوراً وشفاء وهدى وموعظة .
- اللهم ألزم قلوبنا به السكينة والوقار، ويسّر لنا به كثرة الاستغفار،
واجعل لقلوبنا ذكاء في تفهمه، ولذّة في تردده، وعبرة عند ترجيعه ..
حتى لا نبتغي به بدلاً، ولا نشتري به ثمناً، ولا نؤثر عليه من الدنيا غرضاً..
إنك سميع الدعاء.. قريب مجيب .

- اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وشفاء صدورنا ، ونور أبصارنا ،
وجلاء أحزاننا ، وذهاب همومنا وغمومنا ، وقائدنا ودليلنا إلى جنات النعيم .

- اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته،
ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته،
ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة: لك فيه رضى ، ولنا فيها فائدة ؛ إلا أتيت على
قضائها.. في يسر منك وعافية ..

- يا أرحم الراحمين ..
- يا غياث المستغيثين ..
- يا مجيب دعوة المضطرين ..

وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الطاهرين ..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



من كتاب / رسائل مبكية
من كلام الشيخ الحسن البصري -- .