من كتاب "الدرر الناضرة في الفتاوى المعاصرة"، للدكتور صبري بن محمد عبد المجيد، دار المؤيد، الطبعة الأولى 1426-2005، ص687-689
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المركمة في الفترة من يوم السبت 24 صفر 1408 هـ الموافق 17 أكتوبر 1987م إلى يوم الأربعاء 28 صفر 1408 الموافق 21 أكتوبر 1987م- قد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة الحرة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذا في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد الأجنبية؛ هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز؟ وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه، والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها.
وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلا في بلاد العالم نتيجة لممارسة الملاكم وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة- قرر مجلس المجمع ما يلي:
أولا: الملاكمة
يرى مجلس المجمع بالإجماع أن الملاكمة المذكورة التي أصبحت تمارس فعلا في حلبات الرياضة والمسابقة في بلادنا اليوم هي ممارسة محرمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاء بالغا في جسمه قد يصل به إلى العمى أو التأليف الحاد أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البليغة، أو إلى الموت، دون مسئولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى. وهو عمل محرم مرفوض كليا وجزئيا في حكم الإسلام؛ لقوله تعالى: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" [البقرة: 195]، وقوله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" [النساء: 29]، وقوله : "لا ضرر، ولا ضرار".
على ذلك، فقد نص فقهاء الشريعة على أن من أباح دمه لآخر فقال له: (اقتلني)- أنه لا يجوز له قتله. ولو فعل كان مسئولا ومستحقا للعقاب. وبناء على ذلك يقرر المجمع أن هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى ياضة بدنية، ولا تجوز ممارستها؛ لأن مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين دون إيذاء أو ضرر. ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية، ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية. كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية كيلا تتعلم الناشئة هذا العمل السيئ، وتحاول تقليده.
ثانيا: المصارعة الحرة
وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر والإضرار به- فإن المجلس يرى فيها عملا مشابها تمام المشابهة للملاكمة المذكورة وإن اختلفت الصورة؛ لأن جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة الحرة التي تجري على طريقة المبارزة، وتأخذ حكمها في التحريم.
وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية، ولا يستباح فيها الإيذاء- فإنها جائزة شرعا، ولا يرى المجلس مانعا منها.
ثالثا: مصارعة الثيران
وأما مصارعة الثيران المعتادة في بعض بلاد العالم التي تؤدي إلى قتل الثور ببراعة استخدام الإنسان المدرب للسلاح- فهي أيضا محرمة شرعا في حكم الإسلام؛ لأنها تؤدي إلى قتل الحيوان تعذيبا بما يغرس في جسمه من سهام، وكثيرا ما تؤدي هذه المصارعة إلى أن يقتل الثور مصارعه. وهذه المصارعة عمل وحشي يأباه الشرع الإسلامي الذي يقول رسوله المصطفى في الحديث الصحيح: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها إذا حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" [البخاري (3318) ومسلم (5815) وغيرهما من حديث أبي هريرة. والبخاري (3482)، ومسلم (5813) وغيرهما من حديث ابن عمر].
فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب دخول النار يوم القيامة فكيف بحال من يعذب الثور بالسلاح حتى الموت؟
رابعا: التحريش بين الحيوانات
ويقرر المجمع أيضا تحريم ما يقع في بعض البلاد من التحريش بين الحيوانات كالجمال والكباش والديكة وغيرها حتى يقتل أو يؤذي بعضها بعضا.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
والحمد لله رب العالمين.
"المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي"
"24 صفر 1408 هـ إلى يوم الأربعاء 28 صفر 1408 هـ