( إنما ) في حديث ( إنما الأعمال ) هل هي للحصر المطلق أم للحصر المخصوص؟

" إنما " كلمة موضوعة للحصر مركبة من ( إن ) المؤكدة و ( ما ) الكافة ، ولكن ( ما ) تحمل معنى النفي ، قال بهاء الدين السبكي في ( عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح ) : والغالب أن الحرفين إذا ركبا وصار المعنى آخر ، يلاحظ في المعنى التركيبي معنى كلٍ وهو منفرد ، فلما كانت ( ما ) في الأصل للنفي ، و ( إن ) للإثبات قصد عند التركيب المحافظة عليهما ؛ قال : وقول النحاة أن ( ما ) كافة لا ينافي هذا ، لأن الكف حكم لفظي لا ينافي أن يقارنه حكم معنوي . انتهى المراد منه ( [1] ) . وقال النووي : قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم : لفظة ( إنما ) موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه ( [2] ) .ا.هـ.
قال ابن دقيق العيد في (إحكامالأحكام) : كلمة (إنما) للحصر على ما تقرر في الأصول ، كما فهم ابن عباس الحصر من قوله " إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " ( [3] ) ، وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارض في فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر ( [4] ) .ا.هـ. قال بهاء الدين السبكي في ( عروس الأفراح ) : ومن أوضح أدلة الحصر قوله تعالى : ] وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [ [ آل عمران : 20 ] ، إذ لو لم تكن للحصر كانت بمنزلة : إن تولوا فعليك البلاغ ، وهو e عليه البلاغ تولوا أم لا . وإنما رتب على توليهم نفي غير البلاغ مما يتوهم نسبته له e ( [5] ) .ا.هـ.
ومعنى الحصر في ( إنما ) كما قال علماء العربية والأصول : إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عما سواه .
الحصر المطلق والحصر المخصوص :
قال ابن دقيق العيد : إذا ثبت أنها للحصر فتارة تقتضي الحصر المطلق ، وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا ، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق ، كقوله U : ] إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [ [ الرعد : 7 ] ، فظاهرذلك حصره e في النذارة، وهو لا ينحصر في ذلك، فله أوصاف جميلة كثيرة كالبشارة وغيرها، ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن ، ونفي كونه قادرًا على إنزال ما اقترحه الكفار من الآيات ؛ وكذلك قوله e : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ " ( [6] ) معناه حصره في البشرية بالنسبة للإطلاع على بواطن الخصوم لا بالنسبة إلى كل شيء ، فإن للرسول e أوصاف أخر كثيرة ؛ وكذلك قوله تعالى : ] إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ [ محمد : 36 ] ، يقتضي الحصر باعتباره من آثارها ؛ وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سبيلا إلى الخيرات ، أو أن يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل . فإذا وردت لفظة " إنما " فاعتبرها ، فإن دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص فاعمل به ، وإن لم يدل على الحصر في شيء فاحمل الحصر على الإطلاق . ومن هذا قوله e : " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " ( [7] ) .ا.هـ.
قلت : الذي يظهر أن ( إنما ) في الحديث تقتضي حصرًا مخصوصًا ، لأن المراد بـ (الْأَعْمَالُ ) الأعمال الشرعية لا العادية ، ولعدم اشتراط النية لبعض الأعمال كالتروك وغيرها بأدلة مقررة ؛ وأما الحصر المطلق فكقوله تعالى : ] إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [ [ النساء : 171 ] ... والعلم عند الله تعالى .

[1] - عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح : 2 / 193 .

[2] - شرح مسلم : 13 / 54 .

[3] - البخاري ( 2179 ) ، ومسلم ( 1596 ) ، واللفظ له .

[4] - إحكام الأحكام : 1 / 8 .

[5] - عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح : 2 / 194 .

[6] - البخاري في مواطن منها : ( 2458 ، 6967 ، 7185 ) ، ومسلم ( 1713 ) .

[7] - إحكام الأحكام : 1 / 8 .