أخرج الخطيب البغدادي - - في (الجامعفيآدابالراويوالسامع) عن الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه ( [1] ) ؛ واستبعد ذلك الحافظ في ( الفتح ) وقال : يحتمل أنه يريد بهذا القدر المبالغة .ا.هـ . وتعقبه السيوطي في ( منتهى الآمال ) قائلا : وليس كذلك ( [2] ) ، وأورد سبعين مسألة تدخل فيها النية ؛ وذكرها أيضًا في ( الأشباه والنظائر الفقهية ) قال : وَهَذَا ذِكْر مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْأَبْوَاب إجْمَالًا : مِنْ ذَلِكَ رُبْع الْعِبَادَات بِكَمَالِهِ ، كَالْوُضُوءِ ، وَالْغُسْل فَرْضًا وَنَفْلًا ، وَمَسْح الْخُفّ فِي مَسْأَلَةِ الْجُرْمُوقِإذَامَسَحَالْأَعْلَى،وَهُوَضَعِيف، فَيَنْزِل الْبَلَل إلَى الْأَسْفَل ، وَالتَّيَمُّم ، وَإِزَالَة النَّجَاسَة عَلَى رَأْيٍ ، وَغُسْل الْمَيِّت عَلَى رَأْي ، وَالْأَوَانِي فِي مَسْأَلَة الضَّبَّة بِقَصْدِ الزِّينَة أَوْ غَيْرهَا ، وَالصَّلَاة بِأَنْوَاعِهَا : فَرْض عَيْن وَكِفَايَة ، وَرَاتِبَة وَسُنَّة ، وَنَفْلًا مُطْلَقًا ، وَالْقَصْر ، وَالْجَمْع ، وَالْإِمَامَة وَالِاقْتِدَاء وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر ، وَخُطْبَة الْجُمُعَةِ عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ ، وَالْأَذَان عَلَى رَأْي ، وَأَدَاء الزَّكَاة ، وَاسْتِعْمَال الْحُلِيِّ أَوْ كَنْزه ، وَالتِّجَارَة ، وَالْقِنْيَة ، وَالْخِلْطَة عَلَى رَأْي ، وَبَيْع الْمَال الزَّكَوِيِّ ، وَصَدَقَة التَّطَوُّع ، وَالصَّوْم فَرْضًا وَنَفْلًا ، وَالِاعْتِكَاف ، وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة كَذَلِكَ ، وَالطَّوَاف فَرْضًا وَاجِبًا وَسُنَّةً ، وَالتَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ ، وَالتَّمَتُّعِ عَلَى رَأْي ، وَمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ ، وَالسَّعْيِ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى رَأْي ، وَالْفِدَاء ، وَالْهَدَايَا ، وَالضَّحَايَا فَرْضًا وَنَفْلًا ، وَالنُّذُور ، وَالْكَفَّارَات ، وَالْجِهَاد وَالْعِتْق وَالتَّدْبِير ، وَالْكِتَابَة ، وَالْوَصِيَّة ، وَالنِّكَاح ، وَالْوَقْف ، وَسَائِر الْقُرَب ، بِمَعْنَى تَوَقُّف حُصُول الثَّوَاب عَلَى قَصْد التَّقَرُّب بِهَا إلَى اللَّه تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ نَشْر الْعِلْم تَعْلِيمًا وَإِفْتَاءً وَتَصْنِيفًا ، وَالْحُكْم بَيْن النَّاس وَإِقَامَة الْحُدُود ، وَكُلّ مَا يَتَعَاطَاهُ الْحُكَّام وَالْوُلَاة ، وَتَحَمُّل الشَّهَادَات وَأَدَاؤُهَا .
بَلْ يَسْرِي ذَلِكَ إلَى سَائِر الْمُبَاحَات إذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَة أَوْ التَّوَصُّل إلَيْهَا ، كَالْأَكْلِ ، وَالنَّوْم ، وَاكْتِسَاب الْمَال وَغَيْر ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ النِّكَاح وَالْوَطْء إذَا قُصِدَ بِهِ إقَامَة السُّنَّةِ أَوْ الْإِعْفَاف أَوْ تَحْصِيل الْوَلَد الصَّالِح ، وَتَكْثِير الْأُمَّة ، وَيَنْدَرِج فِي ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْمَسَائِل .
وَمِمَّا تَدْخُل [ النية ] فِيهِ مِنْ الْعُقُود وَنَحْوهَا : كِنَايَات الْبَيْع وَالْهِبَة ، وَالْوَقْف ، وَالْقَرْض ، وَالضَّمَان ، وَالْإِبْرَاء ، وَالْحَوَالَة ، وَالْإِقَالَة ، وَالْوَكَالَة ، وَتَفْوِيض الْقَضَاء ، وَالْإِقْرَار ، وَالْإِجَارَة وَالْوَصِيَّة ، وَالْعِتْق ، وَالتَّدْبِير ، وَالْكِتَابَة ، وَالطَّلَاق ، وَالْخُلْع ، وَالرَّجْعَة ، وَالْإِيلَاء ، وَالظِّهَار ، وَالْأَيْمَان ، وَالْقَذْف ، وَالْأَمَان .
وَيَدْخُل - أَيْضًا - فِيهَا فِي غَيْر الْكِنَايَات فِي مَسَائِل شَتَّى : كَقَصْدِ لَفْظ الصَّرِيح لِمَعْنَاهُ ، وَنِيَّة الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْمَبِيع وَالثَّمَن ، وَعِوَض الْخُلْع ، وَالْمَنْكُوحَة ، وَيَدْخُل فِي بَيْع الْمَال الرِّبَوِيّ وَنَحْوه ، وَفِي النِّكَاحِ إذَا نَوَى مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بَطَلَ .
وَفِي الْقِصَاص فِي مَسَائِل كَثِيرَة مِنْهَا تَمْيِيز الْعَمْد وَشِبْهِهِ مِنْ الْخَطَأ ، وَمِنْهَا إذَا قَتَلَ الْوَكِيلُ فِي الْقِصَاص ، إنْ قَصَدَ قَتْله عَنْ الْمُوَكِّل ، أَوْ قَتَلَهُ بِشَهْوَةِ نَفْسه .
وَفِي الرِّدَّة ، وَفِي السَّرِقَة فِيمَا إذَا أَخَذَ آلَات الْمَلَاهِي بِقَصْدِ كَسْرهَا وَإِشْهَارهَا أَوْبِقَصْدِسَرِقَتهَا،وَفِيمَاإذَاأَخَذَالدَّائِنمَالالْمَدِينِبِقَصْدِالِاسْتِيفَاء،أَوْالسَّرِقَة، فَلَا يُقْطَع فِي الْأَوَّل ، وَيُقْطَع فِي الثَّانِي وَفِي أَدَاء الدَّيْن ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ لِرَجُلٍ ، بِأَحَدِهِمَا رَهْن ، فَأَدَّى أَحَدهمَا وَنَوَى بِهِ دَيْن الرَّهْن ، انْصَرَفَ إلَيْهِ وَالْقَوْل قَوْله فِي نِيَّته .
وَفِي اللُّقَطَة بِقَصْدِ الْحِفْظ أَوْ التَّمْلِيك ، وَفِيمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَر مِنْ أَرْبَع ، فَقَالَ : فَسَخْت نِكَاح هَذِهِ ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاق كَانَ تَعْيِينًا لِاخْتِيَارِ النِّكَاح ، وَإِنْ نَوَى الْفِرَاق أَوْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى اخْتِيَار الْفِرَاق ، وَفِيمَا لَوْ وَطِئَ أَمَة بِشُبْهَةٍ ، وَهُوَ يَظُنّهَا زَوْجَته الْحُرَّة ، فَإِنَّ الْوَلَد يَنْعَقِد حُرَّا ؛ وَفِيمَا لَوْ تَعَاطَى فِعْل شَيْء مُبَاح لَهُ ، وَهُوَ يَعْتَقِد عَدَم حِلّه ، كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَة يَعْتَقِد أَنَّهَا أَجْنَبِيَّة ، وَأَنَّهُ زَانٍ بِهَا ، فَإِذَا هِيَ حَلِيلَته أَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدهُ مَعْصُومًا ، فَبَانَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ دَمَهُ ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ ، فَبَانَ مِلْكَهُ .
قَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّينِ : يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْم الْفَاسِق لِجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّه ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَة إنَّمَا شُرِطَتْ لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِصِدْقِهِ ، وَأَدَاء الْأَمَانَة ، وَقَدْ انْخَرَمَتْ الثِّقَةُ بِذَلِكَ ، لِجُرْأَتِهِ بِارْتِكَابِ مَا يَعْتَقِدُهُ كَبِيرَة ... قَالَ : وَأَمَّا مَفَاسِد الْآخِرَة فَلَا يُعَذَّبُ تَعْذِيب زَانٍ وَلَا قَاتِل ، وَلَا آكِلٍ مَالًا حَرَامًا لِأَنَّ عَذَاب الْآخِرَة مُرَتَّب عَلَى تَرَتُّب الْمَفَاسِد فِي الْغَالِب ، كَمَا أَنَّ ثَوَابهَا مُرَتَّب عَلَى تَرَتُّب الْمَصَالِح فِي الْغَالِب ... قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يُعَذَّب تَعْذِيبَ مَنْ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً ؛ لِأَجْلِ جُرْأَته وَانْتِهَاك الْحُرْمَة ؛ بَلْ عَذَابَا مُتَوَسِّطًا بَيْن الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة .
وَعَكْس هَذَا : مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّة وَهُوَ يَظُنّهَا حَلِيلَة لَهُ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْعُقُوبَات الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الزَّانِي اعْتِبَارًا بِنِيَّتِهِ وَمَقْصِده .
وَتَدْخُل النِّيَّة أَيْضًا : فِي عَصِير الْعِنَب بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ وَالْخَمْرِيَّة ، وَفِي الْهَجْر فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنَّهُ حَرَام ، إنْ قَصَدَ الْهَجْر وَإِلَّا فَلَا ؛ وَنَظِيره أَيْضًا : تَرْك الطِّيب وَالزِّينَة فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام لِمَوْتِ غَيْر الزَّوْج ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ بِقَصْدِ الْإِحْدَاد حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا ؛ وَتَدْخُل أَيْضًا فِي نِيَّة قَطْع السَّفَر ، وَقَطْع الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة ، وَقِرَاءَة الْقُرْآن جُنُبَا بِقَصْدِهِ ، أَوْ بِقَصْدِ الذِّكْر .
وَفِي الصَّلَاة بِقَصْدِ الْإِفْهَام ، وَفِيغَيْرذَلِكَ؛وَفِيالْجَعَالَةِإذَاالْتَزَمَجُعْلًالِمُعَيَّنٍ، فَشَارَكَهُ غَيْره فِي الْعَمَل إنْ قَصَدَ إعَانَته ، فَلَهُ كُلّ الْجُعْل وَلَا شَيْء لِلْمُشَارِكِ ؛ وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَل لِلْمَالِكِ فَلَهُ قِسْطه ؛ وَفِي الذَّبَائِح .
فَهَذِهِ سَبْعُونَ بَابًا ، أَوْ أَكْثَر ، دَخَلَتْ فِيهَا النِّيَّة كَمَا تَرَى .
فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ : ( تَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْعِلْم ) الْمُبَالَغَة ؛ وَإِذَا عَدَدْت مَسَائِل هَذِهِ الْأَبْوَاب الَّتِي لِلنِّيَّةِ فِيهَا مَدْخَل لَمْ تَقْصُر عَنْ أَنْ تَكُون ثُلُثَ الْفِقْه أَوْ رُبْعه .ا.هـ ( [3] ) .
هذا ، والعلم عند الله تعالى .


[1] - انظر الجامع في آداب الراوي والسامع : 2 / 443 ؛ .

[2] - انظر فتح الباري : 1 / 17 ، و( منتهى الآمال ) الوجه السابع والعشرون ص 59 - طبعة دار ابن حزم - بتحقيقي .

[3] - انظر ( منتهى الآمال ) ص 59 : 61 ؛ والأشباه والنظائر الفقهية ص 9 ، 10 .