رَمَضَانُ لغة ؛ قيل : إنه مأخوذ من الرمض ، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس ، قال ابن دريد : لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها ، فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الـحرّ وشدّته فسمِّي به ؛ ويُحكى عن الأزهري أنه من قولهم : رمضتُ النصل أرمضه رمضًا ، إذا دققته بين حجرين ليرق ، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ، ليقضوا منها أوطارهم في شوال قبل دخول الأشهر الحرم ؛ ومنه نصل رميض ومرموض.
وقال الخليل : إنه مأخوذ من الرميض وهو من السحاب والمطر ما كان في آخر القيظ وأول الخريف ، سمي رميضا لأنه يدرأ سخونة الشمس ، فسمي هذا الشهر رمضان لأنه يغسل الأبدان من الآثام ؛ وقيل : هو مأَخوذ من رَمِضَ الصائم يَرْمَضُ إِذا حَرّ جوْفُه من شدّة العطش ( [1] ).
والقولان الأولان أولى بالصواب لأن الاسم وضع قبل الإسلام ، وإن كان المعنى في القولين الآخرين صحيحًا .
من فضائل شهر رمضان

إن من نعم الله تعالى على أمة الإسلام أن جعل لها مواسم خير تتزود فيها لمعادها، ومن هذه المواسم شهر رمضان الذي خصه الله تعالى بكثير من الفضائل والخيرات، فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة منها:
1 - ما رواه الشيخان عن أبي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: " إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ " وفي رواية " وصفدت " ([2]). ومعنى ( صفدت ) شدت بالأصفاد وهي الأغلال، أي : غُلَّت، والصفد بفتح الفاء الغل بضم الغين ، وهو معنى ( سلسلت ) في الرواية الأخرى ؛ وحمل المعنى على ظاهره وحقيقته في قوله : " فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ " هو الصواب، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين ، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره، ففي بعض روايات الحديث عند الترمذي وابن ماجة : " وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ " ( [3] ) ، وفيه دليل على أن الظاهر مراد ؛ قال ابن حجر - : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْله عَلَى ظَاهِرِهِ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَرَى الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ وَاقِعَةً فِي رَمَضَان كَثِيرًا ، فَلَوْ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عَنْ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ , أَوْ الْمُصَفَّد بَعْض الشَّيَاطِينِ وَهُمُ الْمَرَدَةُ لا كُلُّهُمْ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ , أَوْ الْمَقْصُودُ تَقْلِيل الشُّرُورِ فِيهِ، وَهَذَا أَمْر مَحْسُوس فَإِنَّ وُقُوع ذَلِكَ فِيهِ أَقَلّ مِنْ غَيْرِهِ , إِذْ لا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيد جَمِيعهمْ أَنْ لَا يَقَعُ شَرٌّ وَلا مَعْصِيَة، لأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْر الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْعَادَات الْقَبِيحَة وَالشَّيَاطِينِ الإِنْسِيَّة .ا.هـ . وَقَالَ غَيْره: فِي تَصْفِيد الشَّيَاطِين فِي رَمَضَان إِشَارَة إِلَى رَفْع عُذْر الْمُكَلَّف ، كَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ : قَدْ كُفَّتِ الشَّيَاطِينُ عَنْك فَلَا تَعْتَلَّ بِهِمْ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ وَلَا فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ ( [4] ) ؛ أي : فلا تجعل الشياطين علتك في ترك الطاعة أو فعل المعصية .

2 - وما رواه الجماعة من حديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " .

ومعنى قوله e " إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا "أي : يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه . قال ابن حجر - : والمراد بـ (الإيمان) الاعتقاد بحق فرضية صومه ؛ وبـ (الاحتساب) طلب الثواب من الله تعالى ؛ وقال الخطابي : (احتسابا) أي : عزيمة ، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه ، غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه ( [5] ).

فشهر رمضان شهرٌ صيام نهارِه سببٌ لمغفرة الذنوب، وقيام ليله سبب لمغفرة الذنوب، بل قيام ليلة واحدة فيه - هي ليلة القدر - سبب لمغفرة الذنوب؛ فأي فضل هذا ؟ وهل يوجد مثله في غير رمضان ؟ إن من يفوته هذا الفضل لا شك في خسرانه ، ولذلك قال النبي e : " رغم أنف رجل أدرك رمضان ثم لم يغفر له "، وعند ابن خزيمة عن أبي هريرة t أن رسول الله e رقي المنبر فقال : " آمين ، آمين ، آمين " فقيل له : يا رسول الله ما كنت تصنع هذا ؟ فقال : " قال لي جبريل : أرغم الله أنف عبد دخل رمضان فلم يغفر له ، فقلت : آمين..." الحديث ( [6] ) ، يعني التصق أنفه - الذي هو رمز العزة في الإنسان – بالرغام ، وهو الطين ؛ ذلا وهوانًا وخسرانًا ، لأنه أدرك الشهر ثم خرج منه بغير مغفرة ذنبه .
3 – وما رواه أحمد ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ tأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ يَقُولُ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ " ( [7] ) .
4 – وما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان عن أََبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ ، وَتَحَفَّظَ مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ ، كَفَّرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ " ( [8] ) .
5 – وما رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ قالَا : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ e يَوْمًا فَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَكَبَّ ( أي : أجهش بالبكاء ) ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فِي وَجْهِهِ الْبُشْرَى ، فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ" ( [9] ) .
6 - الدعاء في رمضان مظنة الإجابة ، فلشهر رمضان من الفضل ما لم يثبت لغيره من الشهور، فهو شهر الصوم ، والصوم أخلص العبادات ، وللإخلاص عند الله تعالى موقع وذمة ، ومن هنا كانت دعوة الصائم مستجابة ؛ فعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " ثلاث دعوات مستجابات : دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر " .
ولعل ورود آية الدعاء : ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ [ البقرة : 186 ] بين آيات الصيام يشير إلى استجابة الدعاء في شهر رمضان ؛ قال ابن عاشور - : وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة ، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته ، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان .ا.هـ ( [10] ) .
7 – أن العمرة في رمضان تعدل حجة ، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ – - عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ: " عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً " ( [11] ) ، وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ : " مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا " قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلا نَاضِحَانِ ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ ، قَالَ : " فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً " ( [12] ) .
فهذا بعض ما وقفت عليه من فضائل رمضان ، أذكِّر بها ونحن نستقبله ، عسى أن ينفع الله تعالى بها ، إنه جواد كريم .

[1] - انظر تفسير القرطبي: 2 / 291، وتهذيب الأسماء والصفات: 3 / 119، ولسان العرب باب الضاد فصل الواو ، ومختار الصحاح (مادة: رمض).

[2] - البخاري (1899)، ومسلم (1079).

[3] - الترمذي (682)، وابن ماجة (1642).

[4] - انظر فتح الباري: 4 / 114.

[5] - فتح الباري: 4 / 115.

[6] - البزار (1405)، عن عمار بن ياسر وللحديث شواهد كثيرة. وحديث أبي هريرة رواه ابن خزيمة (1888).

[7] - أحمد: 2 / 400، ومسلم (233).

[8] - أحمد: 3 / 55، وأبو يعلى (1058)، وابن حبان (3433)، والبيهقي في الشعب (3623)، وفيه عبد الله بن قريط، ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ووثقه ابن حبان.

[9] - النسائي (2438) واللفظ له، وصححه ابن خزيمة (315)، وابن حبان (1748)، والحاكم (719).

[10] - التحرير والتنوير: 2 / 179.

[11] - أحمد: 6 / 375، 405، وأبو داود (1988)، والترمذي (939) وحسنه، وابن ماجة (2993).

[12] - البخاري (1782، 1863)، ومسلم (1256).