كثير من النفوس تبحث عن العلة في كل عمل ، لا لشيء إلا لمحاولة الوقوف على السبب فقط ؛ والبعض يسأل لماذا أفعل كذا ؟ بغية الوصول إلى سبب قد يحفزه إلى العمل ؛ والبعض يورد السؤال لا ليقف على العلة ولا لتحفيز نفسه وإنما لإيراد شبهة يصد بها عن سبيل الله تعالى .
والصنف الأول يحتاج إلى فهم حقيقة التكاليف ، والصنف الثاني يحتاج إلى إجابة حاذق يدله على الطريق ويحفزه للعمل ؛ وأما الصنف الأخير فيحتاج إلى فهمٍ لحقيقة خلقه : لماذا خلقه الله ؟ إن كان يؤمن بالله !
ونقول للجميع : للصيام حكم عظيمة وأسرار كريمة ومقاصد شريفة وغايات حقيق أن يُسعى إليها ، منها ما ظهر وانكشف ، ومنها ما خفي واستتر ، ولكن لا بد أولا أن يُفهم : أن العلة الأولى في التكاليف الشرعية هي الامتثال والإذعان لأمر الله تعالى ، فالمؤمن مصدق بما جاء عن الله تعالى ، يعلم أن ما أمر الله به أو أمر به رسوله فلابد من قبوله والانقياد له والقيام به على ما أمر الله تعالى ، ولا خيار له في ذلك لأن ذلك مقتضى عقد الإيمان ؛ قال الله تعالى : ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [ ( الأحزاب : 36 ) ، فهذه أول الحكم والأسباب : إذعان العبد لأمر ربه وإلهه ، فلا يعلق المؤمن العمل على علة حتى إذا ظهر له أن العلة قد انتفت قال : لا حاجة لي بالعمل ؛ كما سمعنا من بعض السفهاء : إذا كانت علة الصيام الشعور بالفقراء ، فأنا أشعر بهم وأعطف عليهم فلا حاجة لي بالصيام ، ونحو ذلك مما يقوله من لا إيمان له على الحقيقة ، وليست الحكمة من الصيام هي الشعور بالمساكين والمعوزين فقط ، وإن كان ذلك قد يكون من الحكم الكثيرة للصيام .
إذًا الحكمة الأولى للصيام أنه فرض فرضه الله تعالى على من آمن به ، والفرض لابد أن يؤدى على الوجه الذي أمر به الله تعالى ، ومن لم يؤد الفرض تهاونا به فقد أتى كبيرة عظيمة من الذنوب وهو على خطر عظيم إلا أن يتوب ، أما من لم يؤده إنكارًا له فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين .
وأما يتعلق بالحكم الأخرى للصيام ، فقد تحدث فيها أهل العلم والفقه والطب ، وإليكم بعض ما ظهر منها :
أولا : تقوى الله تعالى : هذه أول الأهداف السامية والحكم الجليلة من الصيام بعد الامتثال والإذعان وهو ما ذكره الله تعالى بقوله : ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ ، قال ابن رجب - : فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله U في موضع لا يطلع عليه إلا الله تعالى ، كان ذلك دليلا على صحة الإيمان ، فإن الصائم يعلم أن له ربًا يطلع عليه في خلوته ، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة ، فأطاع ربه ، وامتثل أمره واجتنب نهيه خوفًا من عقابه ورغبة في ثوابه ، فشكر الله تعالى له ذلك ، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله .انتهى كلامه ؛ وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " يَقُولُ اللهُ U : الصَّوْمُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ".
واعلموا - رحمكم الله - أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأعراضهم ، وهذا هو معنى التقوى : فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهو الغاية من عبادة الصيام ؛ روى ابن أبي شيبة عن جابر t قال : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء .
ثانيًا : تزكية النفس ، فالصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح ، وهذه أعظم شهوات النفس ، ففي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد كثيرة في تزكية النفس والرقي بها عن الحيوانية التي تدعو إليها هذه الشهوات ، ويحدث ذلك بأمور أهمها تقوى الله تعالى – وتقدم الحديث عن أثر الصيام في ذلك - ومنها : ما في الصيام من كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق ، فإن الشبع والري ومعاشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والعلو والتكبر والغفلة ، وذلك لأن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها ، فإذا تمكنت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببا في هلاكها ، والمعصوم من عصمه الله تعالى .
ولما كان تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه ، ويحول بين العبد وبين الذكر والفكر مما يستدعي الغفلة ؛ كان خلو الباطن من الطعام والشراب ينوِّر القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته ويخليه للذكر والفكر .
ومنها : أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم ، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم كما أخبر بذلك النبي e ، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان ، وتنكسر سورة الشهوة والغضب ؛ فوسيلة الشيطان إلى قلوب العباد الشهوات المستكنة ، وبقمعها تصبح النفس مطمئنة قوية الشوكة في قصم خصمها ، ففي الصيام تزكية للنفس بالابتعاد عن نزوات الشيطان وشهوات النفس الجامحة بقمع الشهوات وسد مداخل الشيطان ، فتكتسب النفس بذلك حصانة كما قال الله تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [ ( الأعراف : 201 ) ، وفي الصحيحين عَنْ ابن مسعود t قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ e : " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ " ؛ فجعل النبي e الصوم " وِجاء " لقطعه عن شهوة النكاح .
ثالثًا : شكر المنعم سبحانه : بأن يعرف الغني قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح ، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من مُنع من ذلك على الإطلاق ، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك ؛ فهي تجربة لمقاساة الجوع والظمأ والحرمان ليتذكر فيها الموسرون ما يقاسيه المعسرون مدى الدهر ، فيشكروا نعمة الله تعالى عليهم ، ويجودون على إخوانهم بفضول أموالهم .
رابعا : في الصيام درس عملي على تقوية الإرادة ، وتمرين على ضبط النفس والسيطرة عليها ، وتدريب تطبيقي على تحمل الشدائد ومعاناة الأمور الصعاب ؛ وفيه حجة على من إذا قيل له : اترك الدخان وتب إلى الله تعالى منه ، قال : لا أستطيع ؛ فقد أقيمت عليه الحجة بتركه في نهار رمضان ، وفي هذا دليل على إمكانية تركه بالكلية ؛ فليستعن بالله تعالى في ليله ، وليقطع هذه العادة السيئة .
خامسا : من الحكم الجليلة للصيام التحلي بفضيلة الصبر ، تلك الفضيلة التي ما وجدت إلا وجدت معها الفضائل ، ولا فقدت أو ضعفت إلا حضرت الرذائل ؛ وأنواع الصبر الثلاثة مجتمعة في الصيام : ففيه الصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ، والصبر على أقدار الله المؤلمة . فالأول بامتثال أمر الله وأداء الصيام ؛ والثاني بالصبر على ترك ما يفسد الصوم أو يجرحه ؛ والثالث وهو الصبر على ألم الجوع والظمأ وما يترتب على ذلك .. فانتظم في الصوم أنواع الصبر ، ولذا ورد : ( الصوم نصف الصبر ) .
سادسا : في الصيام إراحة للجهاز الهضمي فترة من الزمن ليستجم فيها من توالي الأطعمة عليه وتخمرها فيه ، فيستعيد نشاطه وقوته ، وقد قيل : المعدة بيت الداء والحمية أصل الدواء ؛ والحمية هي الامتناع عن الطعام ؛ وقد تحدث كثير من الأطباء عن فوائد الصيام الصحية وأنه علاج لكثير من أمراض الجهاز الهضمي وغيره . فما أعظم حكمة الله تعالى وأبلغها ، وما أنفع شرائعه للعباد وأصلحها .
هذا والعلم عند الله تعالى ، وأسأل الله أن يوفقنا والمسلمين لصيام وقيام مقبولين ... آمين .