الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من شروط إجابة الدعاء

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان على الكفاية ، لازمتان لحفظ المجتمع المسلم وسلامته من الآفات والأمراض والمعاصي التي تفتك بالأمم ، وتقضي على مقوماتها وتصل بها في النهاية إلى الهلاك والدمار . وقد ذكر القرآن الكريم أمما كثيرة لعبت بها الأهواء ، وحكمتها الشهوات ، واستحكمت فيها الذنوب ، حتى لم تستطع أن تتخلص منها ، فصارت بالذنوب أشبه بالحيوانات الموبوءة منها بالإنسان ، فقضى الله فيها أن أبادها وأزالها من الوجود ، وأبقى القلة المؤمنة لتبدأ من جديد عهدا جديدا ، مليئا بروح الإيمان بالله ، وبروح الطهر والعفاف والتماسك الخلقي ( [1] ) .
والسر في بقاء القلة المؤمنة ، لأنها كانت ظاهرة الإيمان ، قائمة بواجب إنكار ما يظهر من منكر ، إعذارا إلى الله ، وقياما بالحق رجاء أن ينتهي أهل المنكر عن منكرهم . وفي قصة أصحاب السبت عبرة واضحة . قال الله تعالى : ] فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [( الأعراف : 165 ) .
فالمؤمن لا يقر منكرًا ، فإن لم يستطع أن يغيره بيده أو بلسانه في حالة غلبة الباطل وجبروته ، أنكره بقلبه ، وهجر أهله ، وترك مكانه ، لأنه كما أخبر النبي e : " وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ " ( [2] ) .
لقد جعل الله تعالى أخص أوصاف المؤمنين : الأمربالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقال :] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [( آل عمران : 110 ) . وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقانا بين المؤمنين والمنافقين ، فقال :] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ [ ( التوبة : 71 ) ، وقال U: ] الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ[ ( التوبة : 67 ) .
ولكن ماذا لو عطلت الأمة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ولم تقم الكفاية منها بالأمر والنهي ؟؟ .
إن ذلك مؤذِنٌ بقلب المقاييس،وانفلاتالمعايير،حتىليصبحالمعروفمنكرا، والمنكر معروفا ، ويعم الفساد . فحينئذ إذا نزل عقاب عم الصالح والطالح ، وربما دعا الناس فلا يستجاب لهم . لأن الجميع في هذه الحالة آثمون ، الذين ظلموا آثمون بظلمهم ، والساكتون عن الظلم آثمون بعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنه إذا لم تقم الكفاية به تعين على الجميع حتى تخرج الكفاية . وإذا تعين على الجميع فالتفريط فيه يأثم به الجميع . وهذا شأن فروض الكفايات . قال الله تعالى : ] وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [( الأنفال : 25 ) ، أي : اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب المسيء وغيره ، ولا تختص بمن باشر الذنب ، فيلحق الأذى من لم يقوِّموا عوج قومهم ، كيلا يحسبوا أن امتثالهم كاف إذا عصى دهماؤهم . روى أحمد والترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( [3] ) ، وفي رواية عند أحمد : " أَوْ لَيُؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( [4] ) ، وفي أخرى عنده : " أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ " ( [5] ).قال ابن علان -رحمه الله : والخطاب للأمة الموجودين حقيقة ولمن سيأتي بطريق التبع . وقوله : " لَيُوشِكَنَّ اللهُ ": ( أو ) عاطفة ، أي : ليكونن أحد الأمرين : إما امتثال ما أمرتم به ، أو وقوع ما أنذرتم به في قوله : " لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ " ، بجور الولاة أو تسليط العداة ، أو غير ذلك من البلاء . " ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ "، لكون الحكمة الإلهية جعلته جزاء لما فرطتم فيه من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . انتهى المراد منه ( [6] ) .
ولعل هذا الشرط خاص بالدعاء لرفع العقاب الواقع بسبب التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ولعل هذا هو السبب فيما يعانيه المسلمون الآن في شتى بقاع الأرض ، من عنت على أيدي أعداء الله من الكافرين والظالمين ، ونجد كثيرا من الدعاة والناس يدعون ولا نرى أثرا للإجابة . ولعله هو السبب - أيضا - في أن كثيرا من المسلمين يصلون للاستسقاء ، ويدعون فلا يجابون .
على أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آدابا وأحكاما قد فصلها العلماء وبينوها ، فلتراجع من مظانها .

[1] - انظر السلوك الاجتماعي في الإسلام : 459 .

[2] - جزء من حديث رواه مسلم ( 50 ) من حديث ابن مسعود .

[3] - حديث حسن : رواه أحمد : 3 / 388 ، 389 ، والترمذي ( 2169 ) وحسنه ، والبغوي في شرح السنة ( 4154 ) ،وله شاهدعندأحمد:6/159،وابنماجة(4004)،وابنحبان(290)منحديث عائشة مرفوعا : " مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم " ، وآخر رواه الطبراني في الأوسط ( 1367 ) عن ابن عمر ، وآخر ( 1379 ) عن أبي هريرة وفي أسانيدها ضعف .

[4] - المسند : 3 / 390 وفيه أبو الرقاد وهو مجهول .

[5] - المسند : 3 / 391 وإسناده حسن في الشواهد .

[6] - دليل الفالحين : 1 / 481 .