قسمت الشريعة أحكام المكلفين إلى قسمين : الأول : يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه فلا يعتبر في صحته نية ؛ كأداء الديون ، ورد الأمانات ، والنفقات الواجبة ، وإقامة الحدود ، وإزالة النجاسات ، وغسل الطيب عن المحرم ، وترك المناهي ؛ فإن مصالح هذه الأفعال حاصلة بوجودها ، ناشئة عن ذاتها ، فإذا وجدت حصلت مصالحها ، فلم تتوقف صحتها على نية ... نعم يتوقف الأجر عليها على النية ، ولكن صحتها لا تتوقف عليها ؛ قال صاحب ( مراقي السعود ) :
وليس في الواجب من نوال ... عند انتفاء قصد الامتثال
فيما لـه النية لا تشترط ... وغير ما ذكـرته فغلـط
ومثله التـرك لما يـحرم ... من غيرِ قصدِ ذَا نَعَمْ مُسَلَّمُ
يعني أن الواجب الذي لا يتوقف صحة فعله على نية لا نوال فيه ، يعني أجر ، إذا لم ينو فاعله حين التلبس به امتثال أمر الله تعالى ، وذلك كالإمامة في الصلاة ، والإنفاق على الزوجات والأقارب والدواب ودفع الديون ونحوها ، وكذلك ترك المنهي بقسميه ( الحرام والمكروه ) لا يؤجر صاحبه عليه عند عدم قصد الامتثال ، أي : عدم النية ؛ نعم ، صاحبه مسلم من الإثم ، وإن لم يشعر به أصلًا .ا.هـ ( 1 ) .
ونظم الشيخ - - في ذلك أيضًا :
.................................فما نُهي عنه وما لا يطلبُ ... لا نـية فيه اتفاقًا تجبُ
................................كما تمحض من الأمر لما ... ليس عبادة كإعطا الغرما
............................... كـقربةٍ تعينـت للربِّ ... كنيةٍ ذكرٍ وفعلِ القلـبِ
............................... وأوجبنها لغير ما ذُكـر ... إما اتفاقًا أو على الذي شهر
وقال في شرحه ( نشر البنود ) ما ملخصه : أن النواهي لا يحتاج فيها إلى نية شرعًا ، وكذلك ما تمحض من الأوامر لغير العبادات لا تجب فيها النية ، كدفع الدين للغرماء ونحوه ، لأن المصلحة المقصودة من هذه ونحوها انتفاع أربابها بها مع براءة المطلوب بها ، وذلك لا يتوقف على النية ؛ وكذلك ما كان متعينًا لله تعالى لا يصرف لغيره كالنية ، وسائر أفعال القلوب من الإيمان بالله تعالى وتعظيمه والخوف منه ورجائه والتوكل عليه ومحبته ، وكذلك قراءة القرآن وسائر الأذكار ؛ والنية واجبة لغير ما ذكر ، وهو ما كان من الأمر محض عبادة ليتميز ما لله من العبادة عما ليس له من العبادات ، ولتتميز العبادات بعضها عن بعض وعن العادات . ا.هـ .
القسم الثاني : ما لا يحصل مقصوده ولا المراد منه إلا بالنية ، كالتلفظ بكلمة الإسلام ، والصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والاعتكاف .. وغير ذلك من العبادات .
قال الحافظ في ( الفتح ) : وقد ذكر ابن المنيِّر ضابطًا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط ، فقال : كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب ، فالنية مشترطة فيه ، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب ؛ قال : وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة ... قال : وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه ، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويًّا ؛ ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالة حقيقته ، فالنية فيه شرط عقلي ، ولذلك لا تشترط النية للنية فرارًا من التسلسل ؛ وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن ؛ أحدها : التقرب إلى الله فرارًا من الرياء ؛ والثاني :التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود ؛ والثالث : قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان .ا.هـ ( 2 ) .

( 1 ) باختصار وتصرف من ( نشر البنود ) ص29 : 32 .
( 2 ) انظر فتح الباري : 1 / 164 ، 165 .