حقيقة الإنسان
ليس تميز الإنسان عن غيره من الأحياء بقوة جسمه ، ولا بطول عمره ، ولا بشدة بطشه ، ولا بحسن لباس ورياش ، ولا بقوة الوقاع ، ولا بكثرة الذهب والفضة ؛ ولا بعنصره الذي خلق منه ؛ وإنما فَضْله على غيره بما خصه الله U من السر الذي أودعه فيه والمعنى الذي رشحه له ، وأشار إليه تعالى بقوله : ]فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[ [ ص : 72 ] .
فهذا الجسم الطيني غلاف لسر مكنون إن غاب عنا جوهره فقد دل عليه أثره ؛ ذلك السر هو معنى الإنسانية ، فبسكنى السر الإلهي ( الروح ) في ذلك الجسم المادي كان هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى وفضَّله على كثير من خلقه ، قال تعالى : ]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[ [ الإسراء : 70 ] .
ولنا أن نتأمل حديث القرآن عن النفس والبدن ، فعندما تحدث القرآن عن هذا الغلاف الخارجي للإنسان - الذي هو البدن والجسد والجسم - تحدث عنه في خمسة مواضع فقط بين دفتي المصحف ، فذُكر لفظ الجسد فيما يتعلق بالإنسان في موضعين ، ولفظ البدن في موضع واحد ، ولفظ الجسم بصيغة الإفراد في موضع ، وبصيغة الجمع في موضع آخر .
لكنه حين تحدث عن النفس تحدث في مائتين وخمسة وتسعين موضعًا ، ذلك ليلفت أنظار وعقول المتدبرين أن هذا الغلاف الخارجي على ما فيه من آيات الصنع ، وطلاقة القدرة ، وعظمة الحكمة ، وسعة العلم ، ليس شيئًا إذا لم تكن به نفس مؤمنة مطمئنة .. إذ الإنسان بنفسه لا بجسمه ؛ ولله در القائل :
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
والنفس مأخوذة من النفاسة ؛ لأن نفس الإنسان أشرف ما فيه ؛ وهي في كلام العرب تطلق لمعان ؛ منها قولك : خرجت نفس فلان ، أي : روحه ؛ وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا ، أي : في روعه ؛ وتأتي بمعنى جملة الشيء وحقيقته ، تقول : قتل فلان نفسه وأهلك نفسه ، أي : أوقع الإهلاك بذاته وحقيقته .
والنفس بطاقاتها ، وما أودع الله فيها من أسباب الخير والشر ، وما جبلت عليه من شهوات وغرائز وإرادة واختيار وفطرة ؛ لم يقف أحد بعدُ على كنهها ، فهي سر من الأسرار الإلهية ، والتي يقر الإنسان أمامها بعظمة الخالق وحكمته وعلمه وقدرته ، فسبحان الذي خلق فسوى ، وتبارك الله أحسن الخالقين .