واجب الأمة نحو حملة دينها

مع أفضل أناس بعد الأنبياء الصحابة والعلماء

الحلقة الثالثة

مع الخليفة الأول ( أبوبكر الصديق )

من كأبي بكر –بعد الأنبياء - ؟

عن بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال أتت امرأة إلى النبي فأمرها أن ترجع إليه قالت أرأيت إن رجعت فلم أجدك ؟ كأنها تقول : الموت ، قال فإن لم تجديني فأتي أبا بكر )[1]

إنها إشارة إلى أنه مرشح لأن يكون الخليفة بعد النبي .

وهذا الحديث مروي في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لما سار عليه مؤلفه الإمام البخاري من الشروط والموازين العلمية الدقيقة.

وهذا أمر قد حدث وتحققت المعجزة للنبي فقد ولي الصديق رضي اله عنه الخلافة وكانت إرادة الله تعالى وحكمته البالغة جلت قدرته ... فقد حدثت في عهده حوادث لولا الله ثم أبو بكر لحدث ما لم يحمد عقباه وكان أول حدث أذهل المسلمين انتقال الحبيب إلى الرفيق الأعلى ... فكان أبو بكر هو الرجل الذي هدأ الأمور ووضح الأمر للناس وتجلى قول النبي لو وضع إيمان أبي بكر في كفة و إيمان الأمة مجتمعة في كفة أخرى لرجح إيمان أبي بكر ولقد صدّق النبي من أول وهلة ؛ فما تلكأ أبدا بل واسى النبي بماله ونفسه ووقف معه المواقف الصعبة الكثيرة التي تحتاج إلى مجلدات لاستخلاص جوانب العظمة في شخصه ومواقفه في حياته كلها ...

والموقف الثاني موقف إنفاذ جيش أسامة والذي كان عليه الصلاة والسلام قد وجهه لحرب الروم قبل أن يشتد عليه المرض فلما اشتد المرض على الحبيب عسكر في منطقة الجرف –بضم الجيم – إلى أن يتضح الأمر فلما لحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى تبودل الرأي بين أهل الحل والعقد فكان رأي جمهورهم أن يرجع الجيش إلى المدينة للدفاع عنها من هجمات الخصوم وكان رأيه أن ينفذ الجيش لما وجهه النبي وقال قولته المشهورة : والله لا أحل لواء عقده رسول الله صله الله عليه وسلم ... فكان رأيا حازما حفظ للمدينة والأمة بيضتها وتبين سداد رأيه بعد ذلك كما سأبينه –إن شاء الله تعالى -

والموقف الثالث موقفه من الردة فقد قاد الأمة في وقت حرج جدا وكان رأيه خلاف رأي الأغلبية وهو قتال المرتدين جميعا على اختلاف ردتهم ( الذين تركوا الزكاة أو الذين ارتدوا عن الإسلام كله ) وقال قولته المشهورة والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ... إن شخصية الصديق جمعت الصفات العظيمة للرجل العظيم الذي قاد الأمة بعد النبي فقد كان يتمتع بصفات كثيرة منها :الهدوء و والتؤدة والشجاعة والحزم والرحمة والعلم جعلته يبكي وهو يقرأ القرآن ويرحم المؤمنين ومن يستحق الرحمة ولكنه في المواقف العصيبة الرجل الصلب الحازم وجه أحد عشر لواء لتأديب المرتدين فما دار العام حتى رجع الجميع إلى دائرة الإسلام وأضحى جيشه يدق أبواب فارس والروم أكبر دولتين في ذلك الوقت وأشير هنا إلى بعض الثمرة التي تمخضت من مواقف الصديق منها: أنه جنب الأمة كارثة كان يمكن أن تحل بها حيث وضح للناس طبيعة الوفاة وأن الله حي لا يموت فانصرفوا لاحتيار خليفة ترجع إليه الأمة في هذا المصاب الجلل وبخاصة إذا ما تذكرنا أن أعداء الإسلام يحيطون بالمسلمين إحاطة السوار على اليد وقد تبين الاستعداد الذي ظهر من الجميع لغزو المدينة والقضاء على الإسلام تماما ... وكان اختيار خليفة مثل الصديق سدا منيعا بدد الخطر الداهم وأوقف الزحف الغاشم فقد حسبوا للمسلمين ألف حساب وقالوا -وهو قول صحيح - لو لم يكن المسلمون أقويا لما وجهوا جيشا في هذا الظرف لغزو الروم ولما وجهوا أحد عشر لواء لقتال المرتدين وهذا من بركة الإتباع ... هذا هو الخليفة العظيم الذي يقف التاريخ مبهورا تجاه أعماله العظيمة سواء ما كان منها قبل انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى أو بعده ومع ذلك تسمع هذه الأيام نعيقا كنعيق الغربان من أناس لا يحترمون أنفسهم يتفوهون بكلمات إساءة إلى الصديق الرجل الثاني بعد النبي ... وللأسف الشديد لم يعط حقه من الدراسة من قبل محبيه؛ والمسلمون كلهم يحبونه ما عدا بعض شواذ الأمة ؛ يتمتعون بضحالة في التفكير وعمى عن الرؤية الصحيحة وانحراف عن الصواب وبعد عن السداد ، وتجاف عن المسلك السليم والسريرة الصافية والسيرة الحسنة. ولولا الخوف على الغافل الجاهل لما أشير إلى مثل أولئك الذين لا يستحقون سوى السخرية والإعراض وأن يصبح هؤلاء أثرا بعد عين في نفايات التاريخ الذي عفا عليها الزمن ،فإنهم لو كان عندهم أثارة من علم أو قطمير من عقل لاحترموا –على الأقل عصرهم ؛ هذا العصر عصر الاتصال الرهيب والقنوات الفضائية والشبكة الاتصالية التي حطمت الحجب وقطعت المسافات الشاسعة وجعلت العالم كغرفة واحدة فكان الأولى ألا يصدر منهم ما يظهر سفههم أمام الملايين والصمت خير لهم وأصلح من نطق يعري فكرا ضحلا يحملونه يؤذي ويسيء إلى من يصدر عنه قبل غيره ...



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - التجريد الصريح ، الزبيدي ، 2/ 55-56.