المجازر الجماعية في أميركا وضرورة تقييد «حرية» إطلاق النار
«نيويورك تايمز» *
الأربعاء ١ أغسطس ٢٠١٢
سلطت مجزرة كولورادو وإرداء 12 شخصاً في صالة سينما اثناء عرض فيلم «باتمان-ذي دارك نايتس ريتورنز»، الاضواءَ مجدداً على قوانين شراء السلاح في الولايات المتحدة، وهو يسيرٌ بمقدار يُسْرِ تنزيل اغنيات من الإنترنت او تحميلها، ولا يلزم المرء اكثر من كمبيوتر وبطاقة مصرفية لشراء آلاف الطلقات والعيارات النارية لبنادق الصيد والقنابل المسيلة للدموع عبر الانترنت. وتباع في المتاجر اسلحةٌ متطورة وعالية القدرة (كثيرة الطلقات) تشبه تلك التي يستخدمها مشاة الجيوش، وسُتَرٌ «مصفحة» واقية من الرصاص، وخوذاتٌ واقية تحاكي خوذات وحدات مكافحة الشغب، من غير سؤال او بحث وتدقيق في هوية المشتري الذي لا يأبه أحد لمعرفة ما إذا كان من اصحاب السوابق الجزائية او سوابق الاضطراب النفسي-العقلي. كما لا تراقَب حركة بيع الذخائر للحؤول دون مراكمة الأفراد ترسانة... لذلك لم يلفت الانتباهَ شراءُ شاب من كولورادو 6 آلاف طلقة نارية بواسطة الانترنت، استخدمها في وقت لاحق في ارتكاب مجزرة.
إن عدد السياسيين المؤيدين لتشديد القيود على حيازة آلات الذعر والارهاب منخفض، وفي حملته الانتخابية الرئاسية في 2008، التزم باراك اوباما استئناف الحظر على البنادق الهجومية الذي انتهى العمل به عام 2004، ولو كان مثل هذا الحظر قائماً لحال دون استخدام احدهم بندقية «آي آر– 15» وإطلاقه 100 طلقة من غير توقف في صالة سينما بكولورادو في 20 تموز (يوليو) الجاري. ولكن، إثر بلوغ أوباما سدة الرئاسة حنث بوعده، ولم يحرك ساكناً ازاء المسألة. وسبق لمنافس أوباما الجمهوري ميت رومني أن حظر البنادق الهجومية في ولاية ماساتشوستس يوم كان حاكماً لها، لكنه اليوم يلتزم الصمت ازاء منع السلاح، ولم يأت على ذكر ما اعلنه في 2004، يوم قال إن «البنادق الهجومية لا مكان لها في ماساتشوستس، فهي آلات تزرع الموت، والغاية الوحيدة منها هي ملاحقة البشر وقتلهم».
ويخشى كل من اوباما ورومني نفوذَ المجموعات المؤيدة لحق التسلح، خصوصاً في الولايات التي يكثر فيها الناخبون المترددون في الرأي، على غرار بنسلفانيا ونيفادا وكارولينا الشمالية، ففي هذه الولايات استمال «لوبي» (مجموعة ضغط سياسي) السلاح عدداً كبيراً من الناخبين. ويزعم اللوبي هذا، ان تقييد حمل السلاح انتهاك سافر للدستور. وأماط السناتور رون جونسون، الأثير على قلوب ناخبي الـ «تي بارتي» (حزب الشاي) في ويسكونسن، اللثام عن رأي الجمهوريين (وعدد من الديموقراطيين) في المسألة، وأعلن ان تقييد البيع التجاري للبنادق العالية القدرة ينتهك حقاً اساسياً وجوهرياً، وقال من منبر محطة «فوكس نيوز سانداي»، إن «محاولة تقييد حمل السلاح هي تقييد لحرية الأميركيين». ولكن عن أي حرية يتكلم؟ أهي حرية اطلاق 100 رصاصة من غير توقف حتى لتلقيم (لتعبئة) خزان السلاح؟
وقد يستسيغ بعض الهواة استخدام مثل هذه الاسلحة في نوادي التدريب على الرماية، لكن هذه الهواية لا تسوِّغ استخدام تلك الأسلحة في صالة سينما، كما أن اطلاق النار من غير انقطاع لا يمت بصلة الى الحق المشروع في حماية المنازل والأنفُس، وهو حق أقرته المحكمة العليا في 2008.
فرانك لوتنبرغ، السناتور الديموقراطي ممثل نيوجرسي، واحد من المسؤولين السياسيين القليلين الذين تجرأوا على تأييد تقييد السلاح، واقترح حظر قاذفات تطلق أكثر من 10 عيارات نارية ولا تُستخدم في الصيد أو في التدريب أو الدفاع عن النفس. وهو اقترح هذا الحل العامَ الماضي إثر وقوع مجزرة في توكسون راح ضحيتها 6 اشخاص و18 جريحاً، منهم المسؤولة الديموقراطية غابرييل غيفوردس. وسيطرت الشرطة على القاتل عقب نفاد أعيرته وتوقفه عن اطلاق النار لتعبئة سلاحه الذي يستوعب 33 طلقة.
لكن الحياة لم تُكتب لمشروع الحظر هذا، ويُتوقع ان يجهِض مؤيدو السلاح أيَّ مشروع قانون جديد. وفي 1933، أُطيح مشروع قانون اقترحه النائب عن نيويورك دانييل باتريك موينيهان، الرامي الى فرض ضرائب عالية على ذخائر أسلحة اليد، وعلى رصاص «دام دام» الانشطاري الذي يخلف إصابات بالغة. وقبل اعوام، صادق حاكم كاليفورنيا، ارنولد شوارزينيغر، على قانون يحظر بيع السلاح عبر الانترنت، فلجأ تجار السلاح الى القضاء وحالوا دون تطبيق القانون «الفضفاض» والملتبس.
والحق ان الحسابات الانتخابية وإجراءات لوبي السلاح لا تغير واقع الامور، فحظر الأسلحة الهجومية لن يؤدي الى خفض معدلات الجريمة، وفق دراسة تناولت المسألة، وخلصت كذلك الى أن إباحة استخدام قاذفات عالية القدرة تؤدي الى اصابة عدد اكبر من الناس بالرصاص، والى اصابة الضحايا بعدد اكبر من الطلقات. ولن يترتب على فرض قيود على تجارة الذخائر والبنادق طيُّ صفحة المجازر، لكنه قد يخفض وتيرتها وعدد ضحاياها.

* افتتاحية، عن «نيويورك تايمز» الاميركية، 21/7/2012، اعداد منال نحاس





http://alhayat.com/Details/422910