الصوم وعورات الفكر
الصوم الكامل الذي وعد الله تعالى عليه الأجر والثواب ، هو الإمساك عن المفطرات الحسية والمعنوية ؛ الإمساك عن المباحات التي حُرِّمت بخصوص الصوم ، والإمساك عن المحرمات التي حرمت على العموم في الصيام وغيره ؛ ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " ؛ ففيه دلالة على نقصان الصوم بذلك ، وربما عدم قبوله ورده على صاحبه ، وإن كان صحيحًا في ظاهره ؛ ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعد آيات الصيام ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل ، قال الله تعالى : ] وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ [ البقرة : 188 ] ؛ فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب ، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه ، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل فإنه محرم بكل حال ، لا يباح في وقت من الأوقات ، وهذا هو سبيل التقوى .
روى ابن أبي شيبة عن جابر t قال : إذا صمتَ فليصمْ سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمأثم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صيامِك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بهذا المعنى ؛فعندالحاكممنحديثأبيهريرةمرفوعًا: " ليس الصيام من الطعام والشراب ، إنما الصيام من اللغو والرفث " ، وروى أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة t قال : قال النبي e : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ " .
وهنا لابد من إشارة إلى عورات الفكر التي يظهرها من لا خلاق لهم على أنها حرية رأي ، ولابد من القبول بالرأي الآخر – كما يزعمون - وإن خالف الدين والعقل والخلق والأدب ! نقول لهؤلاء : إن للفكر عورات كما أن للجسم عورات ، وكما يجب ستر عورات الجسم ، فإنه يجب ستر عورات الفكر .
ولا أحسب أحدًا من العقلاء يقبل بإظهار العورة الحسية له أو لغيره ، وما رأينا في مجتمع العقلاء من يفعل ذلك ؛ أفيقبل منهم أحد أن يظهر عورة فكره ، أو يقبل من غيره إظهار ذلك ؟
إن العاقل لتأتيه الخاطرة فيزنها ؛ فإن كان مؤمنًا كان ميزانه : هل يرضى الله بهذه الخاطرة ؟ هل حديثي عنها لا يوقعني في غضب الله ، ولا يوردني العذاب ؟ هل في هذه الخاطرة فائدة تعود علي وعلى الناس بالنفع ؟
كل هذا قبل أن يتكلم بها .. فإيمانه قد جعل له مقياسًا صحيحًا للحكم على الأفكار قبل الحديث بها ؛ فقد قال نبي الإنسانية e : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ " متفق عليه ، وقال e : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " وقال e : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ؛ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ " .. أرأيتم في مقاييس البشر ميزانا مثل هذا ؟
وأما إن كان عاقلا فحسب ، فهو يزن أفكاره بمقاييس المصلحة الصحيحة ، لا المصلحة الموهومة ؛ فيقول في نفسه : ما هي الفائدة المتحصلة من هذه الفكرة إن تحدثت بها ؟ وهل معها شيء من الخسارة ؟ وما هو حجم تلك الخسارة ؟ وليست الفائدة المادية عند العقلاء بالتي تقدم على الفائدة المعنوية ؛ وقديمًا قال الشاعر :
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ولست للعرض إن أودى بمحتال
والعرض موضع المدح والذم من الإنسان ؛ وهو عند العقلاء أعز من المال .
فهل يعي الذين يريدون إشاعة الإلحاد والفتن والفاحشة بين الناس ذلك ؟
ألا فليكف هؤلاء عن بث سمومهم ، ويتوبوا إلى الله تعالى نادمين على ما سلف منهم ، وإلا فلينتظروا أليم العقاب في الدنيا والآخرة ؛ قال الملك الجبار : ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ ( النور : 19 ) .
اللهم من كان من أمة محمد على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فردَّه إلى الحق ردًّا جميلا حتى يكون من أهل الحق ... آمين .