وجبة السحر
السَحَرُ من الليل آخره ، قيل : هُوَ قُبَيْل الصُّبْح ، وَقِيل : هُوَ السُّدُس الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْل ؛ وقيل : هو ما بين الفجرين ( الكاذب والصادق ) ؛ والسُحور بضم السين هو الغداء في ذلك الوقت ، والسَحور بالفتح ، ما يؤكل في ذلك الوقت ، أي : وجبة السحر ؛ وقد سماه الصحابة y : الْفَلَاحُ ؛ والفلاح الْفَوْزُ بِالْبُغْيَةِ ، سُمِّيَ السُّحُورُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّوْمِ الْمُفْضِي إِلَى الْفَلَاح ، وَهُوَ الْفَوْز بِما أعده الله للصائمين .
ووجبة السحر وجبة مباركة ؛ ففي الصحيحين عن أَنَسٍ t قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ e : " تَسَحَّرُوا ، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً " ، وروى أبو داود والنسائي عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ e إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : " هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ " ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ - : إِنَّمَا سَمَّاهُ غَدَاءً لِأَنَّ الصَّائِم يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى صِيَام النَّهَار ، فَكَأَنَّه قَدْ تَغَدَّى .ا.هـ .
فوجبة السحر مباركة كما أخبر النبي e ؛ وسبب البركة اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ ؛ وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ ؛ ومن البركة - أيضًا - أن هذه الوجبة تقوي الصائم وتنشطه وتهون عليه الصيام ؛ وَتَحْصُلُ بِسَبَبِهِا الرَّغْبَة فِي الِازْدِيَاد مِنْ الصِّيَام ؛ لِخِفَّةِ الْمَشَقَّة فِيهِ عَلَى الْمُتَسَحِّر ؛ وقد يدرك معها الإنسان دعوة مستجابة ، لأن وقت السحر يرجى فيه الإجابة ، كما قد يدرك فيه - أيضًا - عبادة مقبولة من صلاة أو ذكر أو استغفار ، ومن البركة - أيضا - أن يَتَدَارَكُ نِيَّةَ الصَّوْمِ مَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ، وأيضًا فإن تأخير السحور مما يعين على حضور صلاة الفجر ؛ ومن عظيم بركة هذه الوجبة ما رواه ابن حبان عن ابن عمر قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ " .
وقد أجمعت الأمة على استحباب السحور ، وأن وجبة السحر خاصة بالمسلمين ، فليس في صيام السابقين هذه الوجبة ؛ فقد روى مسلم وغيره عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ " .
ومَعْنَى الحديث أن الْفَارِقَ وَالْمُمَيِّز بَيْن صِيَامنَا وَصِيَامهمْ السُّحُور ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَسَحَّرُونَ وَنَحْنُ يُسْتَحَبّ لَنَا السُّحُور ؛ وفي ذلك بيانٌ لفضل هذه الوجبة ، وحَثٌّ عَلَى التسَحُّر ، وَفِيهِ - أيضًا - إِعْلَامٌ بِأَنَّ هَذَا الدِّين يُسْرٌ لَا عُسْر فِيهِ ، فَقد كَانَ أَهْل الْكِتَاب إِذَا نَامُوا بَعْد الْإِفْطَار لَمْ يَحِلّ لَهُمْ مُعَاوَدَة الْأَكْل وَالشُّرْب إِلَى وَقْت الْفَجْر ؛ فأباح الله لنا ذلك بِقَوْلِهِ U : ] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر [ .
ويَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْإنسان مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ " ؛ وفي سنن أبي داود وصحيح ابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : " نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ " ، وعند ابن حبان عن ابن عمر قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " تَسَحَّرُوا ، وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ " ، وكأن المعنى : إن البركة في الفعل باستعمال السنة لا في نفس الطعام ، ويمكن أن يقال : إن الله تعالى خص هذه الوجبة ببركة لاتصالها بعبادة الصيام ، وينال هذه البركة كل من أكل شيئًا وإن قَلَّ ، وكذلك من اقتصر على شربة ماء .
ويستحب تأخير السحور ، ومعنى التأخير فعله في آخروقته،أي:قُرْبَطُلُوعِالْفَجْرِ؛ فعند مسلم عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا " وَحَكَاهُ حَمَّادٌ - أحد رواة الحديث - بِيَدَيْهِ قَالَ : يَعْنِي مُعْتَرِضًا . وفي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ t قَالَ : تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ ، قُلْتُ : كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : خَمْسِينَ آيَةً . وفيهما عَنْ ابن عمر t أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : " إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ " ؛ فغَايَةُ وقتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ في السحور هو طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَادِقِ ؛ فَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فَنَزَعَ تَمَّ صَوْمُهُ ؛ وَلَوْ أَكَلَ ظَانًّا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ قوله تعالى : ] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر [ يدل عَلَى إِبَاحَةِ الأكل والشرب إِلَى أَنْ يَحْصُلَ التَّبْيِينُ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَحَلَّ اللَّهُ لَك الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا شَكَكْت .
هذا مع الوضع في الاعتبار أن المسلم في زمننا عنده من وسائل التبيين ما لم يكن في الزمن الأول من الساعات والمنبهات والتقاويم التي بها مواقيت الصلاة وغير ذلك .
ولعل الحكمة من تأخير السحور أن يشهد المسلم هذا الوقت الفاضل ( وقت السحر ) مع هذه العبادة الفاضلة ( وجبة السحر ) في تلك الليالي الفاضلة ( ليالي رمضان ) مع ثبوت إجابة الدعوة في ساعة الليل ، وأن الله Y يتنـزل في الثلث الأخير من الليل تنزلا يليق بجلاله وعظمته إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : "هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى ، هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ ؛ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ " ؛ فيكون اجتماع كل هذه الفضائل داعيًا له أن لا يغفل المسلم عن ذكر الله ودعائه واستغفاره في هذه الساعة ، ولا يشغله تناول طعام سحوره عن هذه الفضائل .
فكم من فضل وخير يفوت من يأكل في منتصف الليل أو قبيله أو بعيده ؛ فعلى العاقل أن يدرك ذلك وأن يحرص على ألا تفوته الفضائل .
هذا ، والعلم عند الله تعالى .