أيها الأئمة احذروا الاعتداء في الدعاء
إعداد: محمد بن أحمد الفيفي
عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية

قام بنسخة من شبكة الانترنت وأعاد تنسيقه
أبو معاذ السلفي ( السني الحضرمي )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
إنّ مما لا شك فيه أنّ « الدعاء هو العبادة » كما صَحّ بذلك الخبر عن المصطفى  من حديث النعمان بن بشير  «صحيح الجامع» (3407). ومادام أنّ الدعاء عبادة فإنه يشترط لقبوله شرطان:
الأول: الإخلاص، فلا يدعو العبد إلا وهو يبتغي وجه الله لا رياءً ولا سمعةً، والثاني: المتابعة: أي يقتفي فيه طريقة وهدي محمد ، فإذا اختل واحد من هذين الشرطين فإن العمل يكون باطلاً مردوداً على صاحبه كائناً من كان ؛ لحديث عائشة في الصحيحين قالت: قال عليه الصلاة والسلام: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد »، ولمسلم: « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ».
وقال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (15/24): (وقوله تعالى:إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ عقيب قوله:ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً دليل على أنّ من لم يدعه تضرعاً وخفيةً فهو من المعتدين الذين لا يحبهم) .ا.هـ
ولاشك أنه مما ينبغي للعبد أن يتفطن له هو ما يتقرب به إلى الله من الطاعات وخاصة الدعاء الذي نحن بصدد الكلام عليه، هل وافق فيها مراد الله وتابع فيها رسول الله ؟ فإنْ كان كذلك فليحمد الله وليسأله المزيد، وإن كان غير ذلك فليتدارك ما بقي من عمره وليصحح ما أفسد من عمله قبل ألا ينفع الندم.
ألا وإنّ مما ابتليت به الأمة في بعض الأمصار من محدثات في طريقة الدعاء أو في ألفاظ الأدعية حتى رأينا وسمعنا ألوانا منها صعب علينا إحصاؤها فضلاً عن إنكارها، وربما توارثها الناس جيلاً بعد جيل إلى أن استقر الأمر عند بعضهم أنها من السنة وهي ليست كذلك، فإذا تُركِت قال: تُركت السنة، قال ابن مسعود : «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة فإذا غُيرَت قالوا: غُيرَت السنة» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة [ وتفقه لغير الدين ] » . رواه الدرامي (1/64) والحاكم (4/514- 515) بسند صحيح .
فمن تلك الأمور المحدثة:
أولا: التغني بالدعاء والتطريب والتلحين وهو أمر مُحدَث ويدل لذلك:
1ـ أنّ الأصل في العبادات المنع والتوقف لقوله  من حديث عائشة: « مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد» رواه البخاري، فليس المنع مقتصراً على أصل العبادة فحسب بل حتى في صفتها ووقتها وعددها وزمنها ومكانها وهيئتها، ولا دليل على صفة التغني بالقنوت فكيف نتعبد الله بما لم يشرع لنا، ولو كان خيراً لسبقونا إليه ونقل إلينا .
2ـ إنّ الأمر بالتغني والترتيل إنما ورد في تلاوة القرآن لما روى البخاري في صحيحة عن أبي هريرة:«ليس مِنا من لم يتغن بالقرآن» فلم يقل: تغن بالدعاء، وإنما بالقرآن، وقال عليه الصلاة والسلام:«زينوا القرآن بأصواتكم» ولم يقل: زينوا الدعاء ...
3ـ ذَكَرَ شيخ الإسلام أنّ إدخال الألحان في الصلوات هي من طريقة النصارى حيث قال في «الفتاوى» (28/611): (وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون ) ا.هـ، وخير شاهد على هذا في العصر الحاضر ما تبثه بعض القنوات والإذاعات من الأدعية البدعية والابتهالات الملحنة .
4ـ أنك لو سألت الخطيب على المنبر هل تتغنى بالدعاء ؟ لقال: لا، ولو سألت المصلي هل يتغنى بالدعاء في سجوده ؟ لقال: لا، ولو سألت المصلي الذي في المسجد ينتظر الصلاة: هل تتغنى بالدعاء ؟ لقال: لا، إذاً فما الذي خَصَّ دعاء القنوت بهذا التغني والتلحين والترتيل الذي نسمعه اليوم دون بقية الحالات ؟؟ فإنّ الشريعة لا تفرق بين المتماثلات ولا تجمع بين المختلفات .(«مذكرة التغني بالقنوت» لماهر القحطاني، بتصرف).
5ـ أنّ التغني والتطريب بالدعاء من أسباب رده وعدم قبوله لأنه اعتداء في الدعاء، قال الكمال بن الهمام الحنفي: (ومما تعارف عليه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح و الإشتهار لتحريرات النغم إظهار للصناعة النغمية لا إقامة العبودية ؛ فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد ... فاستبان أن ذلك من مقتضيات الخيبة والحرمان ) «فيض القدير» للمناوي (1/229). وقال: ولا أرى أنّ تحرير النغم في الدعاء كما يفعله بعض القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى السؤال والدعاء وما ذاك إلا نوع لعبٍ، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة أدى سؤاله بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نُسب البتة إلى السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة هو التضرع لا التغني .ا.هـ
ولك أخي الكريم أن تتأمل وأنت تسمع بعضهم وهو يدعو وكأنه يقرأ القرآن بالمدود والقلقلة والإخفاء والإظهار، حتى إنك ترى بعض المصلين عند سماعه للقنوت لا يفرق بين القرآن وبين الدعاء .
ثانيا: من المحدثات: رفع الصوت بالدعاء وهو فعل منكر لأمور:
1ـ أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام أنكر على الصحابة عندما رفعوا أصواتهم بالدعاء، فعن أبي موسى الأشعري  قال: كُنا مع رسول الله  فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي : « يا أيها الناس إِربَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده». قال الحافظ في «الفتح» (6/135): قال الطبري: فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذِّكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين .ا.هـ.
2ـ قال شيخ الإسلام في «الاستقامة» (1/322): إن رفع الأصوات في الذِّكر المشروع لا يجوز إلا حيث جاءت به السنة كالأذان، والتلبية، ونحو ذلك، فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا أصواتهم رفعاً شديداً .... وقد قال تعالى:ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ]سورة الأعراف:55[ وقال عن زكريا: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً  ]سورة مريم: 3 [ وقال تعالى:وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ]سورة الأعراف:205[ وفي هذه الآثار عن سلف الأمة وأئمتها ما ليس هذا موضعه كما قال الحسن البصري: رفع الصوت بالدعاء بدعة؛ وكذلك نصّ عليه أحمد ابن حنبل وغيره.ا.هـ.
3 ـ وقال الألوسي في «روح المعاني» (8/139):
وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد، وروى ابن جرير عن ابن جريج: أنّ رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.اهـ.
4ـ أخرج البخاري في «صحيحة» (5/2331): عن عائشة في قوله تعالى: وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا أنها قالت: أُنزِلَت في الدعاء.
ثالثاً: من الأمور المحدثة في الدعاء: السجع:
1ـ فقد كرهه السلف ونهوا عنه، قال ابن عباس لمولاه عكرمة: (انظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب .. ). رواه البخاري.
2ـ وهو أيضا مِن أسباب عدم الإجابة؛ ولذلك قال القرطبي (7/226): (ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مفقرة، وكلماتٍ مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسول الله ، وكل هذا يمنع استجابة الدعاء )ا.هـ.
رابعاً: من الأمور المحدثة: الإطالة في الدعاء:
1ـ فقد جاءت السنة في التحذير منه والحثّ على الاقتصار على الجوامع والكوامل من الدعاء وترك الأدعية المطولة، بل فهم السلف الصالح أن التطويل في الدعاء هو نوع من الاعتداء كما جاء في «سنن أبي داوود» أنّ سعد بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله  يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء». فإياك أن تكون منهم إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر .صححه الألباني (2/77).
وعن عائشة قالت: (كان النبي يستحب الجوامع من الدعاء ويَدَع
ما سوى ذلك ) رواه أبو داوود وصححه الألباني(2/77).
وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة : «عليك بجمل الدعاء وجوامعه قولي: اللهم إني أسألك من الخير كلّه عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كلّه عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل» الحديث ..رواه ابن ماجه والبيهقي وصححه الألباني 4047 .
أفلا نستحب يا أُمّةَ محمد ما كان يحبه عليه الصلاة والسلام من الجوامع ؟
أفلا نعمل بوصية رسول الله لعائشة ـ وهي أحب النساء إليه ـ بِجُمَلِ الدعاء ؟
وتأمل أيها اللبيب قولها وهي تسأل الرسول عليه الصلاة والسلام فتقول: ( أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ ) قال: «قولي: اللهم إنكَ عفوٌ تُحب العفو فاعفُ عني». رواه الترمذي: «صحيح الجامع» 4423 .
وإنك لَتَعجَب عندما تسمع بعض الأئمة في قنوتهم وهم يتكلفون الوصف في الدعاء حيث يقول مثلا: (اللهم ارحمنا إذا ثقل منا اللسان، وارتخت منا اليدان، وبردت منا القدمان، ودنا منا الأهل والأصحاب، وشخصت منا الأبصار، وغسلنا المغسلون، وكفننا المكفنون، وصلى علينا المصلون، وحملونا على الأعناق، وارحمنا إذا وضعونا في القبور، وأهالوا علينا التراب، وسمعنا منهم وقع الأقدام، وصرنا في بطون اللحود، ومراتع الدود، وجاءنا الملكان ... الخ ) ويزداد عجبك عندما تسمع بُكاء الناس ونشيجهم وهم يُؤَمِّنُون على هذا الدعاء، بل ويتسابقون على التبكير إلى هذا المسجد والصلاة خلف هذا الإمام، وقد تسمع من بعض الأئمة وهو يدعو على الأعداء فيقول: (اللهم لا تدع لهم طائرة إلا أسقطتها، ولا سفينة إلا أغرقتها، ولا دبابة إلا نسفتها، ولا فرقاطة إلا فجرتها، ولا مدرعة إلا دمرتها، ولا .. ولا.. الخ) وكأنه يُملِي على الله كيف يفعل بالأعداء، بينما كان يكفيه أن يقول اللهم عليك بهم أو اللهم انتقم منهم ونحو ذلك.
خامساً: من الاعتداء في الدعاء أيضا تلك الأدعية التي تحوي في ثناياها ألفاظاً أو جملاً محذورة أو مُوهِمَة ومخالفة للشرع بل في بعضها ما يقدح في التوحيد ويخدش في الإيمان فمن ذلك:
1ـ قول بعضهم: (اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك). ففي هذا الدعاء من المحاذير:
- أنه فيه تزكية للنفس وكأن الداعي معصوم أو أنه لم يقع في شيء من المعاصي والخطأ.
- وفيه أيضا: دعاء على النفس وعلى الناس بالذل فإن الإنسان لا يخلو من الوقوع في الخطأ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
- إن المفترض أن يُدعى للناس بالهداية فهم أحوج ما يكون إلى ذلك بدل أن يدعى عليهم، ولا أدري متى سيحصل للأمة عزّة وهداية وبعض الأئمة والخطباء مازالوا يدعون بالذّل على من يصلون خلفهم في قنوتهم وخطبهم ؟؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، فتُوَافِقُوا ساعة فيستجيب الله لكم» رواه مسلم في الصحيح .
2ـ قول بعضهم في الدعاء: (في السماء مُلكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك...).
وقد سُئِلَت اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذه العبارة فكان الجواب:
(أما العبارة المذكورة في السؤال فتركها أولى؛ لأن فيها إيهاماً فقد يظن منها البعض تخصيص الملك بالسماء فقط، أو السلطان بالأرض فقط، وهكذا .
وعظمة الله وملكه وسلطانه وقهره عام في جميع خلقه).ا.هـ (26/369).
3ـ قول بعضهم: (يا من لا تراه العيون، ولا يصفه الواصفون ...الخ).
جاءت هذه الرواية عند الطبراني وفيها عنعنة هشيم وهو مُدلس، وشيخ الطبراني يعقوب بن اسحاق، قال الهيثمي: لم أعرفه. «السلسلة الضعيفة » (10/128).
* قال العلامة ابن عثيمين (14/143) في جوابه عن حكم مثل هذا الدعاء فقال: (هذه أسجاع غير واردة عن النبي ، وفيما ورد عنه من الأدعية ما هو خير منها من غير تكلف. والجملة الأولى: (يا من لا تراه العيون) إنْ أراد في الآخرة أو مطلقاً فخطأ مخالف لما دَلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح مِن أنَّ الله تعالى يُرَى في الآخرة، وإنْ أراد في الدنيا فإنَّ الله تعالى يُثنى عليه بالصفات الدالة على الكمال والإثبات لا بالصفات السلبية. والتفصيل في الصفات السلبية بغير ما ورد من ديدن أهل التعطيل. فعليك بالوارد، ودع عنك الجمل الشوارد).ا.هـ.
* وقال العلامة الفوزان عن هذا الدعاء: أما ما ذُكر في السؤال؛ فلم يَرِد في كلام الله وكلام رسوله فيما أعلم؛ فلا ينبغي الدُّعاء به‏.‏ وأيضًا في كلمة‏:‏(لا يصفه الواصفون‏)!‏ نظرٌ ظاهرٌ؛ لأنّ الله سبحانه يُوصف بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ، وربما يكون هذا اللفظ منقولاً عن نفاة الصِّفات . «المنتقى» (1/49).ا.هـ.
4ـ قول بعضهم: (يا من أمره بين الكاف النون).
قال العلامة ابن عثيمين في «شرح الأربعين النووية» (ص76): (وبهذه المناسبة أَوَد أن أُنبه على كلمة دارجة عند العوام حيث يقولون: (يا من أمره بين الكاف والنون) وهذا غلط عظيم، والصواب: (يا من أمره بعد الكاف والنون) لأن مابين الكاف والنون ليس أمراً، فالأمر لا يتم إلا إذا جاءت الكاف والنون؛ لأن الكاف المضمومة ليست أمراً والنون كذلك، لكن باجتماعهما تكون أمراً).اهـ.
5ـ قول بعضهم: (يا فرد يا صمد).
وقد جاء في حديث: «أشهد أنك فرد أحد صمد». قال عنه البيهقي: إسناد الحديث ليس بالقوي. (انظر «الأسماء والصفات» للبيهقي:116،117).
* وقد سئل العلامة الفوزان: هل يوصف الله تعالى بالقِدَم؛ كأن يقول القائل‏:‏ يا قديم‏!‏ ارحمني‏!‏ أو ما أشبه ذلك ‏؟‏ وهل الفرد من أسماء الله تعالى؟‏ أفتوني مأجورين‏.‏
الجواب: ليس من أسماء الله تعالى القديم، وإنما من أسمائه الأول، وكذلك ليس من أسمائه الفرد، وإنما من أسمائه الواحد الأحد؛ فلا يجوز أن يقال‏:‏ يا قديم‏!‏ أو‏:‏ يا فرد‏!‏ ارحمني‏!‏ وإنما يقال‏:‏ يا من هو الأول والآخر والظاهر والباطن‏!‏ يا واحد أحد فرد صمد‏!‏ ارحمني وأهدني‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، لا يجوز لأحد أن يثبت شيئًا منها إلا بدليل‏.‏ والله أعلم‏.‏ «المنتقى» (1/27).
6ـ قول بعضهم: (اللهم عليك باليهود ومن هاودهم).
قال الفيروز آبادي في «القاموس المحيط» (ص420):المهاودة: الموادعة والمصالحة والممايلة، والهوادة: اللين وما يرجى به الصلاح والرخصة .ا,هـ.
قلت: وهذه من عظيم الرزايا أن يدعو بعضهم بمثل هذا الدعاء ولا يعلم معناه لا من جهة اللغة ولا حكمه وما يترتب عليه من جهة الشرع، وهذه مصيبة البعض أن يردد أدعية لا يفقه معناها إذ قد يترتب عليها لوازم خطيرة لولا أننا حكمنا بجهله لكان للشرع فيه حكم آخر .
* وقد سئل العلامة الفوزان: ما حكم قول بعض خطباء المساجد في نهاية الخطبة: (اللهم عليك باليهود ومن هاودهم). ألا يدخل في ذلك النبي ؟ لأنه قد هاود اليهود ووادعهم، فهل هذا اعتداء في الدعاء؟
ج: نعم، (هاودهم) هذه الكلمة معناها المصالحة، هاود معناه المصالحة، واليهود يجوز الصلح معهم، إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، يجوز الصلح معهم كما صالحهم رسول الله  في المدينة، وكما صالح قريشاً في الحديبية، الصلح إذا كان من مصلحة المسلمين فإن الكفار يُصالَحون لأجل مصلحة المسلمين، هذا هو الحقّ، أما كلمة (هادوهم) معناه أنّ الرسول يدخل في هذا، وسبق أني نبهت واحد على هذه اللفظة، لكنه لم يتجنّبها هداه الله.(شريط (4) وجه (ب) من شرح الحموية 4/11/1424هـ).
قلت: بل ويشمل هذا الدعاء كل حُكام المسلمين الذين صالحوا اليهود قديما وحديثا، فتأمل أيها اللبيب .
7ـ من صور الاعتداء في الدعاء: الدعاء على عموم الكفار بالهلاك والاستئصال. ويدل لهذا:
* أولا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يثبت أنه دعا على عموم الكفار وإنما دعا على قبائل أو أشخاص بأعيانهم، بل لما جاءه ملك الجبال وعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال: «لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً».
بل إنه لما دعا على بعضهم بأسمائهم نزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ.
وقد روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال قيل: يا رسول الله ادع على المشركين قال: «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة».
* ثانياً: أن هذا يخالف مقتضى حكمة الله من بقاء الكفار إلى يوم القيامة، بل إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأيضا سيترتب على هذا تعطيل باب الولاء والبراء، وباب الجهاد .
* ثالثاً: أنه ليس للمسلم أن يدعو بالاستئصال على من أمره الله بأن يبرهم ويقسط إليهم كما قال تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
بل كيف يستقيم أن يدعو المسلم على زوجته الكتابية بالهلاك مع أن الله تعالى قد أذن له في نكاحها، وامتن عليهما بقوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً؟
أم كيف يستقيم أن يدعو الولد المسلم على والديه بالهلاك إن كانوا كافرين، والله جلّ وعلا يقول عنهما: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً.فإن الدعاء على عموم الكفار يشملهما، فهل هذه هي المصاحبة بالمعروف ؟
* قال العلامة ابن عثيمين في «شرح كتاب التوحيد» عند: باب قوله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ:
أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار، فإنه محل نظر، ولهذا لم يدع النبي  على قريش بالهلاك، بل قال: «اللهم! عليك بهم، اللهم ! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، وهذا دعاء عليهم بالتضييق، والتضييق قد يكون من مصلحة الظالم بحيث يرجع إلى الله عن ظلمه. فالمهم أنَّ الدعاء بالهلاك لجميع الكفار عندي تردد فيه .
* وقال ابن تيمية:(8/336 ): ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن من قومك إلا من قد آمن..
* وقال الشيخ الفوزان: المشروع في القنوت وغيره الدعاء على المعتدين من الكفار على المسلمين، لأن النبي  لما قَنَتَ يدعو على الكفار خَصَّ المعتدين منهم ولم يدع على جميعهم فقال: اللهم العن فلاناً وفلاناً والقبيلة الفلانية ولم يعمم الكفار. (مجلة الدعوة العدد 1869ـ 16 رمضان).
* وقد أفتت اللجنة الدائمة (24/275) ما نصه:
وقول الكاتب: (اللهم عليك بالكفار والمشركين واليهود، اللهم لا تبق أحداً منهم في الوجود، اللهم أفنهم فناءك عادا وثمود ). والدعاء بفناء كل الكفار اعتداء في الدعاء؛ لأن الله قدر وجودهم وبقاءهم لحكمة، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.ا.هـ .
* وقال معالي الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية:
( هدي النبي  وهدي الصحابة في دعائهم على الكفار أن يكون دعاءً خاصاً على
المعتدي، على الظالم، على من حارب الإسلام وأهله، كما في دعاء عمر في القنوت: اللهم عليك بكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن دينك ويقاتلون أولياءك). رواه البيهقي في «السنن» (2/210)، أما الدعاء على اليهود والنصارى جميعاً بالاستئصال، فإنه لا يجوز شرعاً. وهو من الاعتداء في الدعاء ؛ وذلك لأن الله جلّ وعلا أخبرنا أنّ اليهود والنصارى سيبقون إلى زمن خروج المسيح الدجال، فإذا دعا أحد بأن يستأصلهم الله جلّ وعلا الآن قبل نزول المسيح الدجال فهو اعتراضٌ على ما أجرى الله حكمته وقدره الكوني ببقائهم إلى آخر الزمان؛ ولهذا لم يؤثر عن أحد من السلف ولا من أئمة الإسلام أنه دعا بهذا الدعاء العام على اليهود والنصارى، وإنما يدعو بالدعاء الخاص لمن قاتل، لمن حارب، لمن آذى المؤمنين ونحو ذلك) ا.هـ
فانظر أيها الأخ الكريم إلى أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام كيف كانت جامعة لخير الدنيا والآخرة وانظر قبل ذلك إلى أدعية القرآن العظيمة ثم انظر إلى ما أحدثه كثير من الأئمة ـ هداهم الله ـ من الأدعية الطويلة والوقوف الطويل يتغنى بالدعاء، ويتكلف السجع، ويرفع الصوت، وقد سئم الناس طول الانتظار فقد أعياهم التعب وطول القيام حتى إن بعضهم يهِمُّ بالانصراف أكثر من مرة، ألا يخشى هؤلاء أن يدخلوا تحت حديث المصطفى : «يا أيها الناس إن منكم منفرين» متفق عليه .
وإنك لَتَعجَب عندما ترى بعد هذا كله التسجيلات الإسلامية والمؤسسات الإعلامية والشركات الإنتاجية كيف تتسابق وتتهافت على تسجيل هذه الأدعية وتتفنن في إخراجها لذلك القاريء وتخرجها في إصدارات خاصة (دعاء الختمة لفلان ..أو جزء تبارك و عم مع الدعاء....) وهكذا، فإلى الله المشتكى .

كتبه
محمد بن أحمد الفيفي
عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية
الرياض28/8/1426هـ