القلب في رمضان


القلب هذا العضو الصنوبري الصغير الحجم ، هو أشرف ما بالإنسان ، فإنه العالم بالله ، المحب له Y ، العامل له U ، الساعي إليه تعالى ، وإنما الجوارح أتباع له وخدم ، يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد .
وللقلب شأن عظيم في حياة الإنسان الدنيوية و الأخروية ، فللقلب أحوال كما أن للبدن أحوال ، فله حياة وموت ، ومرض وشفاء ، وذلك للقلب أعظم مما للبدن ؛ وصلاح مادته العضوية صلاح لجسم صاحبه ، وفساده اعتلال لهذا الجسم ؛ وكذلك صلاح القلب الروحي المعنوي صلاح للجسد كله ، ومرضه واعتلاله فساد للجسدكله ، بل ربما لحياة صاحبه كلها ، وإلى هذا أشار النبي e بقوله : " أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ " .
وحديثنا عن النوع الثاني من صلاح القلب وفساده ، إذ النوع الأول مهمة الأطباء ، وبه يهتم الناس جميعًا ، والنوع الثاني هو أهمهما ، ويغفل عنه كثير من الناس ، وهو الذي يجب على كل إنسان النظر فيه وعلاجه ، فإن غاية عدم علاج النوع الأول - إذا أصاب إنسان الموت ، ولا يتعلق به لذاته عذاب ولا نعيم ، أما النوع الثاني ففساده واعتلاله يعني عذابًا لصاحبه إن لم يعفو الله عنه .
وحياة البدن بدون حياة القلب الروحية من جنس حياة البهائم ، لها سمع وبصر ، وهي تأكل وتشرب وتنكح ، قال الله تعالى : ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواكَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ[ [ البقرة : 171 ] ؛ فشبههم بالغنم التي ينعق بها الراعي وهي لا تسمع إلا نداء ، كما قال سبحانه في الآية الأخرى : ] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً[ [ الفرقان : 44 ] ؛ وقال : ] وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [ [ الأعراف : 179 ] .
إن القلب هو محل نظر الله تعالى ، قال النبي e : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ " رواه مسلم؛ولذلك قال الحسن - رحمه الله - ينصح رجلا: داوِ قلبك فإن مراد الله من العباد صلاح قلوبهم .ا.هـ .
ومن هنا كانت أهمية مراقبة الإنسان لقلبه وتطهيره مما يعلق به من آثار الذنوب ، وإصلاحه مما قد يعترضه من فساد .
وفي رمضان فرصة عظيمة للنظر فيما ران على القلب من آثار اكتساب العبد للذنوب طوال أيام عامه ، ومحاولة إزالة ما علق به وإصلاحه .
ومعلوم أن صلاح القلب بالتزام طاعة الله، واجتناب معصيته، ومداومة ذكره ، وتلاوة كتابه ، والتوبة وكثرة الاستغفار؛ وفي رمضان كل هذه الطاعات ، ألم يقل النبي e : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ"؟
نعم يتفاوت الناس في أداء هذه العبادات والقيام بها ؛ وأصل التفاوت يرجع إلى عمل القلب في هذه العبادات ؛ فإن حضوره فيها هو أساس صلاح العبادة ، وهو دلالة على سلامة القلب ؛ فليراقب كل واحد قلبه عندمايقبلعلىربهبعبادةما؛ فيخلص النية ، ويقوم بها كما شرع الله تعالى ، وكما علمنا النبي e ؛ فإن الإخلاص والاتباع شرطا العمل الصالح وقبوله ؛ فلا يكون العمل صالِحًا إلا بإخلاصه لله تعالى وموافقته لما جاء به النبي e ، وكذلك لا يقبل إلا إذا اجتمع فيه الشرطان .
وفي الصيام والقرآن صلاح عظيم للقلب ، فالمسلمون في رمضان مع صيامهم يجتمعون حول القرآن سماعًا في صلاة التراويح وحلقات التلاوة ؛ كما ينفرد بعضهم بورد قرآني تلاوة أو سماعًا ؛ وفي ذلك إزالة لما علق به من آثار الذنوب ؛ كما أخبر e : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " متفق عليه .
وفي كف الجوارح والأركان عن الآثام صلاح عظيم للقلب ؛ والصيام المطلوب ليس هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة فقط ؛ وقد قال النبي e : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " رواه البخاري ؛ فليس غاية الصيام لله رب العالمين الامتناع عن الحلال من أكل وشرب وزوجة ، ثم يُعمل الإنسان جوارحه فيما حرم الله تعالى ، فلا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم في كل حال ، وقد صح عن النبي e أنه قال : " ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث " رواه ابن حبان والحاكم ؛ فالصائم أشد حرصًا على ترك المعاصي من غيره ، إنَّ إرادته ارتفعت حتى ترك المباح الحلال لله تعالى في هذه الأوقات ، وهي له حلال في غيرها ؛ وأما المعصية صغيرة كانت أو كبيرة ، فهي حرام عليه في رمضان وفي غير رمضان ، فمن ترك الحلال لأمر الله تعالى مستسلمًا مذعنًا ، سهل عليه أن يترك الحرام لله تعالى مستسلمًا مذعنًا ، وهذه هي الغاية من الصيام : تقوى الله تعالى ؛ وفي هذا - بلا ريب - تزكية للقلب وصلاح له .
فحذار حذار أن يطلق الصائم العنان لنفسه لمشاهدة ما يعرض في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية من صور لنساء أو أمور نهاه الله تعالى عنها ؛ فَالْمَعَاصِي - كما يقول ابن تيمية - بِمَنْزِلَةِ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ فِي الْبَدَنِ ، وَمِثْلُ الدَّغَلِ فِي الزَّرْعِ ، فَإِذَا اسْتُفْرِغَ الْبَدَنُ مِنْ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ - كَاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الزَّائِدِ - تَخَلَّصَتْ الْقُوَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَاسْتَرَاحَتْ ، فَيَنْمُو الْبَدَنُ ؛ وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إذَا تَابَ مِنْ الذُّنُوبِ كَانَ اسْتِفْرَاغًا مِنْ تَخْلِيطَاتِهِ ، حَيْثُ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ؛ فَإِذَا تَابَ مِنْ الذُّنُوبِ تَخَلَّصَتْ قُوَّةُ الْقَلْبِ وَإِرَادَاتُهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَاسْتَرَاحَ الْقَلْبُ مِنْ تِلْكَ الْحَوَادِثِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ .ا.هـ . ومعنى ذلك أن المواد الرديئة إذا بقيت في البدن أفسدته وتسببت في مرضه ، فكذلك أثر الذنوب في القلوب تفسده وتمرضه ؛ فكما يتماثل البدن للشفاء بطرد تلك المواد المسببة لمرضه وفساده ، ومتابعة ذلك بما يصلحه ، فإن القلب يتماثل للشفاء بطرد أثر الذنوب بالتوبة والاستغفار ، ومتابعة ذلك بالأعمال الصالحة التي هي سبب شفائه وعافيته .
فهذا أثر الصيام ، وأما أثر القرآن فلا شيء أعظم منه أثرًا في إصلاح القلوب وشفاء الصدور ؛ والآيات في ذلك كثيرة جدًا ؛ قال ابن تيمية - : وَالْقُرْآنُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَلِمَنْ فِي قَلْبِهِ أَمْرَاضُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَفِيهِ مِنْ الْبَيِّنَاتِ مَا يُزِيلُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ فَيُزِيلُ أَمْرَاضَ الشُّبْهَةِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعِلْمِ وَالتَّصَوُّرِ وَالْإِدْرَاكِ ، بِحَيْثُ يَرَى الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ؛ وَفِيهِ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْقَصَصِ الَّتِي فِيهَا عِبْرَةٌ ، مَا يُوجِبُ صَلَاحَ الْقَلْبِ ، فَيَرْغَبُ الْقَلْبُ فِيمَا يَنْفَعُهُ ، وَيَرْغَبُ عَمَّا يَضُرُّهُ ، فَيَبْقَى الْقَلْبُ مُحِبًّا لِلرَّشَادِ ، مُبْغِضًا لِلْغَيِّ ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُرِيدًا لِلْغَيِّ مُبْغِضًا لِلرَّشَادِ .
فَالْقُرْآنُ مُزِيلٌ لِلْأَمْرَاضِ الْتي تنشأ عنها الْإِرَادَاتُ الْفَاسِدَة ، حَتَّى يَصْلُحَ الْقَلْبُ فَتَصْلُحُ إرَادَتُهُ وَيَعُودُ إلَى فِطْرَتِهِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا ، كَمَا يَعُودُ الْبَدَنُ إلَى الْحَالِ الطَّبِيعِيِّ ؛ وَيَغْتَذِي الْقَلْبُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ بِمَا يُزَكِّيهِ وَيُؤَيِّدُهُ ، كَمَا يَغْتَذِي الْبَدَنُ بِمَا يُنَمِّيهِ وَيُقَوِّمُهُ فَإِنَّ زَكَاةَ الْقَلْبِ مِثْلُ نَمَاءِ الْبَدَنِ .
فَالْقَلْبُ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَرَبَّى فَيَنْمُو وَيَزِيدُ حَتَّى يَكْمُلَ وَيَصْلُحَ ، كَمَا يَحْتَاجُ الْبَدَنُ أَنْ يُرَبَّى بِالْأَغْذِيَةِ الْمُصْلِحَةِ لَهُ ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مَنْعِ مَا يَضُرُّهُ ، فَلَا يَنْمُو الْبَدَنُ إلَّا بِإِعْطَاءِ مَا يَنْفَعُهُ وَمَنْعِ مَا يَضُرُّهُ ؛ كَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَزْكُو فَيَنْمُو وَيَتِمُّ صَلَاحُهُ إلَّا بِحُصُولِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لَا يَزْكُو إلَّا بِهَذَا .
وَالصَّدَقَةُ لَمَّا كَانَتْ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، صَارَ الْقَلْبُ يَزْكُو بِهَا ؛ وَزَكَاتُهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى طَهَارَتِهِ مِنْ الذَّنْبِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:] خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا[ [ التوبة : 103]؛ فالطهارة من الذنب، والتزكية معنى زائد ، وهو تنمية القلب وزيادة صلاحه.ا.هـ.
فإذا أضيف إلى أثر الصيام والقرآن أثر ذكر الله تعالى في الصباح والمساء ، وأذكار الأعمال ( كأذكار النوم والاستيقاظ ، والذكر بعد الوضوء ، ودبر الصلوات ، والذكر عند الطعام والشراب وبعد ذلك ، وذكر الخروج من البيت والدخول فيه .... الخ ]، مع لزوم الاستغفار ، كان في ذلك صلاح عظيم للقلوب .
وليس من نافلة القول أن نقول : وللدعاء أثر عظيم في صلاح القلوب ؛ ولرمضان خصوصية بالدعاء ؛ وقد كان النبي e يكثر أن يقول : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ".
فاغتنم – رحمني الله وإياك – ما بقي من هذا الشهر العظيم ، لتخرج منه بصلاح قلبك وسلامته ؛ فتفوز بإذن الله الكريم ] يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ [ الشعراء : 88 ، 89 ] .