الصيام وتهذيب النفس

ذهب المحققون من العلماء إلى أن لكل إنسان نفْسٌ واحدة ؛ وهذه النفس لها حالات ثلاث ، وكل حالة توصف بأوصاف مختلفة ؛ فإذا سكنت لأمر ربها وأذعنت واستسلمت ، وجاهدت شهواتها ؛ كانت النفس المطمئنة ، قال الله تعالى : ] يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [ [ الفجر: 27،28]؛ وإذا لم يتم سكونها ولكنها كانت مدافعة لشهواتها ورغباتها ، ومعترضة على ما لا يجوز من تلك الشهوات والرغبات ، صارت النفس اللوامة ؛ لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة ربه وخالقه Y ، قال الله تعالى : ] وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ [ القيامة : 2 ] ؛ وإن تركت الاعتراض على الشهوات والرغبات ، وأطاعت لدواعي الشهوات ووساوس الشيطان ، فهي النفس الأمارة بالسوء ، قال الله تعالى : ] وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [ [ يوسف : 53 ] .
وقد امتحن الله Y الإنسان بهاتين النفسين : الأمارة واللوامة، كما أكرمه بالمطمئنة ؛ فهي نفس واحدة تكون أمارة ثم لوامة ثم مطمئنة ، وهي غاية كمالها وصلاحها ؛ فهذه النفس التي أقسم الله تعالى بها فقال : ] وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ [ الشمس : 7 : 10 ] ، أي : إن الله U بيَّن لها طريقي الخير والشر ، ثم قضى الله بالفلاح لمن يزكي نفسه بطاعة الله ويطهرها من الرذائل والذنوب ، وبالخيبة والخسار على من يخمدها ويضع منها ، بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله U .
وصفوة القول أن النفس قابلة للتزكية وعكسها ، فبالإيمان والعمل الصالح تزكو النفس وتعلو وتطمئن ، وبعكس ذلك تخبث وتدس ، ويكون ذلك سببًا في خيبتها وفسادها ؛ عافانا الله .
وفي رمضان فرصة عظيمة لتهذيب النفس وتزكيتها ؛ فالإنسان - كما يقول الغزالي في الإحياء - رتبته فوق رتبة البهائم ، لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ؛ ودون رتبة الملائكة ، لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين ، والتحق بغمار البهائم ؛ وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة .
والملائكة مقربون من الله U ، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله U كقربهم ، فإن الشبيه من القريب قريب ، وليس القرب ثَمَّ بالمكان بل بالصفات ؛ وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب ، فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى ، فأي معنى لقوله e : " رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ".ا.هـ . والمعنى ليس المراد من الصيام أن يؤخر الإنسان وجبة غدائه إلى وجبة عشائه فيجمع بينهما في وجبة واحدة ، ولكن المراد أن يتغلب الإنسان بصيامه على شهواته ، فيلتحق بأفق الملائكة .
والحق أن سبيل الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس ، لقوله تعالى : ] إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ [ الرعد : 11 ] ؛ وأصل ذلك الرقي بها إلى أن تكون نفسًا مطمئنة ، ساكنة لأمر ربها مستسلمة مذعنة ، مجتهدة في تحصيل محبته ، بامتثال أوامره والابتعاد عن نواهيه ، راجية خائفة ؛ راجية لما أعده لعباده أصحاب النفوس المطمئنة ؛ خائفة ألا يقبل منها ربها أعمالها ، خائفة من فوات فوزها ، خائفة مما أعده الله Y للذين يخالفون أمره .
والصيام يعين المسلم على هذا ، ويساعده على تجاوز الضعف البشري أمام هوى النفس ورغباتها ؛ فيعطي الصائم ثقة في نفسه أنه - بعون الله تعالى - قادر على ضبط زمام الهوى ، وكبح جماح النفس ، ليس في الامتناع عن المحرمات من أكل الحرام ، أو الزنا ، أو شرب المسكر والدخان والمخدرات ، أو قول الزور والظلم والفحش فقط ؛ بل الامتناع عن الحلال بقول المؤذن عند الفجر : ( الله أكبر ) وإلى أن يقول عند المغرب : (الله أكبر) ، ليستقر في أعماق كل مسلم ومسلمة أنه مازال إنسانًا يحمل فطرة نقية ، ونفسًا تستطيع - بعون الله تعالى - أن تتغير وتزكو بطاعة ربها ؛ إنها تمسك عن بعض الحلال لأمر ربها ؛ فيجب أن تكون أبعد عن الحرام والشبهات لأمر ربها أيضًا ؛ وفي ذلك - بلا ريب - صلاحها وزكاتها .
وليس من نافلة القول - هاهنا - أن نقول أيضًا : إن للدعاء أثر عظيم في تزكية النفوس؛ وإن لرمضان خصوصية بالدعاء ؛ وقد كان من دعاءالنبي e : " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا " رواه مسلم .
فالتمس - رعاك الله - في رمضان تزكية نفسك ، واستعن عليها بخالقها ، فأكثر من الدعاء مع الاجتهاد في الطاعات ، فهذا هو سبيل التزكية وطريق النجاة ؛ ولله در القائل :

ترجو السلامة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس

وفقنا الله والمسلمين لما في رضاه ، وثبتنا عليه ... آمين .