الغيب غيبان : مطلق و نسبي، فالمطلق ما لا يعلمه الا الله و قد أشار القرآن اليه في مواضع مثل قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)الانعام ، و قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)الانعام ، و قوله تعالى وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)يونس ، و غيرها من الآيات فهذا الغيب المطلق الذي استأثر الله بعلمه دون خلقه فلا أحد من الخلق يتمكن من معرفة هذا الغيب الذي حجب الله معرفته عن الخلق بل هو من خصائصه الالهية التي لا يشاركه أحد فيها . النوع الثاني من الغيب هو الغيب النسبي و هذا كقوله تعالى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)ال عمران ، و قوله تعالى تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود و قوله تعالى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) يوسف فانت تلاحظ اطلاق لفظ الغيب في هذه الآيات على أحداث تاريخية قد وقعت في زمن سابق فمن عاشها لا تُعَدّ غيبا بالنسبة اليه و انما هي غيب في حق من لم يشهدها و يعيشها و يسمع بها و هذه الوقائع قبل وقوعها في عالم الخليقة و قبل اعلام الله بها رسل هؤلاء الاقوام و كذلك اعلام الله بعض الملائكة بوقوعها هي غيب مطلق لا يستطيع أحد كشفه او الاطلاع عليه لكن بمجرد الاعلام بها و لو قبل وقوعها تنتقل من حيز الغيب المطلق الى الغيب النسبي فعند اعلام الله ملائكته بقضاء سيقضيه في شأن من شؤون خلقه لا يعد هذا الشأن الذي علم به بعض الملائكه غيب مطلق بل هو غيب نسبي فهو غيب لكل من لم يعلم به من عالم الانس و الجن و الملائكة فمثلا قوله تعالى غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)الروم فقوله تعالى ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) اخبار بشيء لم يقع قبل بوقوعه فقبل الوحي به للرسول و ملك الوحي هو غيب مطلق و بعد الوحي به لملك الوحي يصير غيب نسبي اي هو غيب لمن لم يعلم به حتى بعد وقوعه فاذا أخبر أحد من الرسل بشيء من المستقبل لا يقال أنه يعلم الغيب و يقصد به المطلق الذي استأثر الله بعلمه بل بمجرد اخبار الله بشيء من الغيب المطلق أحد من رسله يصير غيب نسبي.