الحلقة الرابعة

الخليفة الأول (الصديق [2])

في هذه الحلقة نستعرض حديثا طويلا في الصحيح للإمام البخاري تعالى ونأخذ منه المعالم الآتية من جوانب عظمة الصديق ومكانته عند الله وعند رسوله وفي الإسلام وعند المؤمنين :

1- أول من صدق وأمن من الرجال . 2- لم يتلعثم بها –قط- بل استجاب للنبي ودخل الإسلام دون تلكأ وهذا دليل على كمال عقله وفطنته حيث وفق بفضل الله تعالى إلى تمييز الحق في أول لحظة لسماعه إياه . 3- تصديقه المستمر للنبي فلم يتردد أبدا – في كل ما جاء به النبي ولا أدل على ذلك من حادثة الإسراء والمعراج . 4- شجاعته في الدفاع عن النبي ومواجهة كفار قريش وهم يحاولون قتله عليه الصلاة والسلام في وقت ومرحلة عصيبة من مراحل الدعوة إذ من المحتمل جدا أن يتعرض للقتل في وقوفه ودفاعه عن النبي .. 5- الثقة التي كان النبي يوليها للصديق يدل على ذلك تردده إلى منزله ما يعادل في اليوم الواحد مرتين فقد كان بيته مأوى للنبي وهذا دليل على مكانة بيت أبي بكر في نصرة الإسلام من أول يوم مع الخوف الذي كان يخيم في تلك المرحلة من تاريخ الدعوة فالاحتمال كبير أن يتعرض لأذى قريش لقد الجانب الأمني منعدم تماما في وضع تتبع قريش كل من أسلم فكيف بمن يأوي النبي المصطفى في اليوم الواحد أكثر من مرة فمخابرات قريش نشطة ومبثوثة ومتوثبة وقصة الإمام علي حين آوى أبا ذر معلومة ... وسواها في السيرة (المرحلة المكية كثير ) . 6- اختيار أبي بكر من سائر الناس ليكون رفيق النبي في الهجرة له مدلول واضح يبين مكانة الصديق من نفس النبي وفي معيته بل وتشريفه أن يكون مع النبي في معية الله كما دلت أية براءة على ذلك . 7- تضحياته المتعددة الجوانب في نفسه وماله وأهله وولده ووقته لم يبخل من ذلك بشيء فقد كان ينفق ماله كله ولا يُبقي لأهله وولده ومن يعولهم شيئا كما دل على ذلك فعله في الهجرة وحين حاول الفاروق أن يسبقه في الإنفاق فأتى بنصف ماله فجاء أبو بكر بماله كله ! فقال عمر قولته المشهورة : لا أسابق أبا بكر بعد اليوم . 8- تحمله لأذى قريش وهجرته في سبيل الله تعالى ومفارقة الأهل والأولاد والوطن ليعبد الله تعالى في مكان يأمن فيه على سلامة دينه . 9- وصف ابن الدغنة له بتلك الأوصاف العظيمة( إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يَخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ) . وعدم اعتراض قريش على ابن الدغنة في ذلك مع أنهم يعتبرون الصديق عدوا لهم دليل أجماع على جلالة الصديق في جاهليته وفي إسلامه ... وفي الحديث جوانب أخرى لكن نكتفي بهذا وإلى الحديث مسندا :

حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال بن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه بن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي قال بن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه بن الدغنة فطاف بن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار بن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك بن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى بن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان قالت عائشة فأتى بن الدغنة إلى أبي بكر فقال قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي يومئذ بمكة فقال النبي للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر قال بن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي لأبي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحابة بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله نعم قال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل[1] .



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - البخاري 3/ 1417. رقم [3692]