وماذا بعد رمضان ؟
وماذا بعد رمضان ؟ سؤال يطرح نفسه على العقلاء ؛ على من يريد النجاة .. وقد عرف طريقها في رمضان .. التقوى التي لابد أن يلزمها العبد حتى يلقى الله تعالى .. وحقيقتها : أن تعلم ما يُتقى ثم تتقي .
فلسنا - إخوتي وأخواتي - ونحن نودع رمضان نودع معه عبادة الرحمن ! لقد اعتدنا في رمضان على الصيام ، والقيام ، وتلاوة القرآن ، وذكر الرحمن ، والصدقات ، فهل هذا مختص بهذا الشهر فقط ؟ رحم الله زمانًا كانت حياة الناس فيه كلها كرمضان .
إن في رمضان دورة تدريبية على هذه الطاعات لتستمر معك - عبدَ الله - في طريقك إلى الله ، ومن هنا سن لنا رسول الله e نافلة الصيام ، وبين لنا فضلها ، وجعل قبل رمضان وبعده منه ما يكون كرواتب الصلاة ، روى الجماعة إلا البخاري عن أبي أيوب قال : قال رسول الله e : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ " ؛ وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فشهر رمضان يقوم مقام عشرة أشهر ، وبقي شهران يقوم مقامهما الست من شوال ، وقد جاء ذلك مفسرًا في حديث رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن عَنْ ثَوْبَانَ e عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ " .
فلا يفوتنك ذلك ، وشمر عن ساعد الجد ، وستة أيام في الشهر كله ليست بكثيرة ، ولا يشترط التتابع وإن كان أفضل .
والزم كذلك تلاوة القرآن ، ليكن لك ورد يومي لا تغفل عنه ، إنه زاد حياتك وعدة لقائك ، وشفيع لك يوم القيامة ، روى الترمذي وصححه عن ابْنَ مَسْعُودٍ t قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، لَا أَقُولُ : ] الم [ حَرْفٌ ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ ، وَلَامٌ حَرْفٌ ، وَمِيمٌ حَرْفٌ " . وروى أحمد ومسلم عن أَبُي أُمَامَةَ t قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ : الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا ، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " والْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ . وروى أحمد والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : " الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ " قَالَ : " فَيُشَفَّعَانِ " .
وقيام الليل من أبواب الخير ، وهو دأب الصالحين ، فاحرص عليه ، ولو بركعتين من أوله ، روى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ t أن رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ له : " أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ " قَالَ ثُمَّ تَلَا : ] تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ حَتَّى بَلَغَ ] يَعْمَلُونَ [ ( السجدة : 16 ) " . وروى أحمد وأهل السنن إلا الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى ، ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ ، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ " ، وروى أبو داود وابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى - رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ " .
وأما ذكر الله تعالى فمجال رحب يسع جميع الأوقات ، وفيه ما هو مؤقت ، وفيه ما هو مطلق ، وقد قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [ (الأحزاب : 41 ، 42)؛ وقال النبي e لمن سأله شيئًا يتشبث به لأن شرائع الإسلام كثرت عليه : " لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ " .
وهمسة ساخنة في أذن من يعبد الله Y في رمضان ، فإذا انقضى رمضان انقضت معه عبادته ! وكأنه عبد موسم ؟!
عبدَ الله ! أنت لله عبد في كل زمان ، فلا تكن رمضانيًّا ولا شعبانيًّا ، ولا شواليًّا ، وكن ربانيًّا . إن الله تعالى لم يخلقك عبثًا ، قال تعالى : ] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [ ( المؤمنون : 15 ، 16 ) ، إنما لعبادته خلقك ، قال تعالى : ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ ( سورة الذاريات 56 ، 57 ) . ولن يتركك سدى : ] أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [ ( القيامة : 36 : 40 ) ؛ بل يحييك الله تعالى ويسألك ، فماذا أعددت لهذا اليوم ؟ أيكفيك فيه عبادة شهر رمضان ، ثم معصية العام ؟
قف مع نفسك صادقًا ، وألزم طريق النجاة بدوام العبادة لله تعالى ، واستغفر الله عن ما مضى وسله أن يصلح لك ما بقي .
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " .
اللهم ربنا ورب كل شيء وإلهنا وإله كل شيء اغفر لنا كل شيء حتى لا تسألنا عن شيء ، وأعد علينا رمضان أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ... آمين ، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .