ماذا لو لم يُجْدِ الحوار ؟

سؤال يطرح نفسه في قضية ( الحوار ) : ماذا لو لم يُجْدِ الحوار ؟؟ وذلك أمر واقع تاريخًا ، متوقعٌ آنيًّا ؛ وأسبابه في التاريخ القديم لم تغب في العصر الحالي .. خاصة إذا كانت صفات الآخر الآن هي نفس صفات الآخر الأول من الكبر والتعالي والتعنت والظلم والاعتزاز بالقوة المادية التي أوتيها ومحاولة الهيمنة وفرض ما يريد بالقوة .
من هنا يمكن القول : إن الحوار بمعزل عن القوة - خاصة في عصرنا هذا - لا يؤتي الثمرة المرجوة مثل الحوار الذي تسانده القوة ، وقديمًا لما حاور الرسل أقوامهم كانت إجابتهم ما أخبر الله تعالىبهالمؤمنين:]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ[ ( إبراهيم : 13 ) ، وقال قوم نوح لنبيهم وهو الذي لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله تعالى بالحوار مستخدما كل وسائله وأساليبه : ] قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ ( الشعراء : 116 ) ؛ وأخبر الله تعالى عن عاد : ] فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ ( فصلت : 15 ) . وقال قوم لوط لنبيهم : ] لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [ ( الشعراء : 167 ) ؛ وقال الملأ الذين استكبروا من قوم شعيب لنبيهم u : ] لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [( الأعراف : 88 ) ، و ] قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [ ( هود : 91 ) ؛ وقال فرعون لنبي الله موسى e بعد أن حاوره بالقول اللين والحجة الدامغة : ] قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ ( الشعراء : 29 ) ؛ بل قال للسحرة لما أن آمنوا بعدما رأوا البينات : ] قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [( الشعراء : 49 ) . وكم قتل من الأنبياء على يد بني إسرائيل ؟!
فالظالم الطاغي المستبد القوي يحاور مستندًا إلى قوته ، فإن وجد نفسه محجوجًا مغلوبًا في الحوار لجأ إلى القوة لفرض رأيه وعقيدته ؛ فلابد لصاحب الحق أن يكون له قوة يستند إليها عند محاورته ليرد بها هذا العتو والطغيان ؛ قد قالها نبي الله لوط u لما يئس من حوار قومه : ] قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [ ( هود : 80 ) ؛ من هنا فرض الله تعالى القتال على الأمة ليكون سبيلَ ردعٍ لهؤلاء المجرمين الذين رفضوا الحق ، ويريدون أن ينشروا باطلهم بالقوة ، ويَحُولون بين الحق ووصوله إلى الناس ؛ وكان من أوائل ما نزل في ذلك ] أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ ( الحج : 39 ، 40 ) ؛ لقد مكث النبي e ثلاث عشرة سنة يدعو أهل مكة بالحوار والجدال بالتي أحسن ، فأبى أكثرهم ، وآذوا الرسول e والمؤمنين بجميع أنواع الإيذاء ، ثم أخرجوهم من ديارهم ، وليس ذلك وفقط بل شرعوا في تتبعهم وتأليب العرب واليهود عليهم في محاولة للقضاء على الإسلام وأهله .. فهؤلاء لم يُجد معهم التدافع بالحوار ، فَأُذِنَ بالتدافع بالقتال .
إن محاولة البعض في كلامه عن سنة التدافع أن يقصرها على الحوار فقط ليس صوابًا ، ولا يسعفه السياق القرآني ؛ فإن آيتي التدافع في سورة البقرة وسورة الحج إنما سيقتا في الحديث عن القتال ؛ ففي سورة البقرة بعد أن أخبرنا الله تعالى بما كان من خروج طالوت وجنوده من المؤمنين لقتال الكافرين ( جالوت وجنوده ) ، قال سبحانه : ] فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ[(البقرة:251 ) ، وفي سورة الحج وفي سياق الإذن بالقتال ، قال U : ] وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ[ ، فسنة التدافع ليست هي بالحوار فقط ، إنما هي بحوار اللسان فإن لم يُجْدِ ، فبحوار السنان ؛ ومن هنا قال النبي e : " جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ"([1])؛ وهذا الذي التزمه النبي e في سيرته ومعاملته مع الكافرين ، وقد كان يأمر قادة جيوشه قائلا : " وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ... فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ " رواه مسلم .
ولابد أن يفهم أن الله تعالى الذي أمر بالجدال بالتي هي أحسن فقال : ] وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ هو سبحانه الذي أمر فقال : ] وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [ ( الأنفال : 60 ) ، وهو U الذي قال : ] وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ ( التوبة : 36 ) إلى غير ذلك من آيات الأمر بالجهاد والقتال ؛ فلابد أن يفهم الأمران كلٌ في سياقه ، وإلا كان الخلل في الفهم مؤديا إلى الاختلال في الموازين ؛ فللسلم حوار ، وللحرب حوار .
فالأصل في دعوة الآخر هو الحوار الهادئ الرزين الذي يخاطب العقل والقلب ليأخذ بلب المخاطب قبل يده إلى الله تعالى ، فإن خرج المخاطَب من الحوار إلى الجدال ، كان جداله بالتي أحسن ؛ فإن أبى إلا الكفر والعناد وشرع في التلويح بالقوة والمصارعة ، فلا يوقف هذا الطغيان إلا بقوة تردعه فتعيده إلى صوابه أو تصرعه ؛ مع الوضع في الحسبان الإعداد الذي أُمرنا به لذلك ؛ ومن هنا قلنا : إن على الأمة أن تتهيأ للأمرين معًا : حوار اللسان وحوار السنان .
والعلم عند الله تعالى .

[1] - رواه أحمد : 3 / 124 ، 153 ، وأبو داود ( 2504 ) ، والنسائي ( 3096 ) ، وابن حبان ( 4708 ) ، والحاكم ( 2427 ) عن أنس .